خليل عيسى*

تعقيباً على ردّ رستم محمود على مقالي المنشور في جريدة «الأخبار» بتاريخ 28 تشرين الأوّل المنصرم:
أولاً، ليس مفهوماً كيف أنّ انتقاد مقال السيّد محمود المذكور في الموند ديبلوماتيك (عدد تمّوز) إلى جانب انتقاد مقالي السيّدين حازم صاغية ومحمّد أبو رمّان يعني في هذه الحالة بلسان السيّد رستم «ما يقارب مقام القذف المعنوي لكرامتي والاتهام المادي لي بالارتشاء». لا نعرف من أين أتى السيّد محمود بهذا الوهم. فأنا لم أتّهم الكاتبين صاغية وأبو رمّان بالارتشاء البتة، وليس هناك من سبب يدفعني للتفكير بذلك أساساً. إذا ما قرأ السيّد محمود المقال بانتباه، فإنّنا نقول: «ليس كلّ من كتب ضد المقاومة العراقية يدَفع له الأميركيّون بالضرورة، فهناك بعض المثقفين العرب من العاجزين عن دراسة الواقع العراقي المادي، كما هو، مفضّلين التحليق في تهويمات فارغة عن الديموقراطية و«ثقافة الموت العربية». هذا حتماً ما أردنا الإشارة إليه عند مقال السيّد رستم الذي ذُكِرَ في السياق نفسه، فلا نعرف لماذا شعر الرجل بما قال إنّه شعر به.
ثانياً، إنّ كل سرد يحمل توجّهاً إيديولوجياً معيّناً. هذا أمر لا يمكن أن ينكره السيّد محمود ولا أيّ شخص آخر بحكم حيادية مفترضة. يقول السيّد رستم إنني لم أقرأ مقاله. بالعكس، لقد قرأت المقال كاملاً، وإذا ما تركنا جانباً سَهوي عن ذكر كامل العنوان، لم ترد في متن النص كلمة «احتلال»، إلا في تقديم المقال. بل إنّه في المقطع المعنوَن «أربعة أسئلة جوهريّة»، يتكلّم السيّد رستم عن «انسحاب القوات الأجنبية من العراق» ـــــ اقرأ الاحتلال ـــــ ثم يعيدها عند الكلام على تهاوي شعبية الحزب الشيوعي العراقي اليوم، فيكرّر قائلاً: «هل سينكَّص مع خروج القوات الأجنبية من البلاد؟» وهذا بالضبط ما حاولنا الدلالة على عكسه في مقالنا. إنّ تعبير «قوات أجنبية» يحمل حياداً ضمنياً من قضية الاحتلال، أي موقفاً إيديولوجياً ضمنياً بعدم تسميته «احتلالاً». أما أن يقول السيّد محمود عن المقال المذكور إنّ «نعت الاحتلال بالنسبة (إليه) ليس وصفاً قيمياً ذا بالكبير في كتابتي، بقدر ما هو وصف ونعت قانوني وفعلي لوضع العراق الكياني في المنظومة الدولية»، فأردّ عليه بأنّ ما ينعته بالقيمي والأخلاقي هو في أساس فكرة القانون أصلاً كما في أساس القانون الدولي. فهل «شرعية» إسرائيل التي اعترفت بها «قانونياً» الأمم المتحدّة في 11 أيّار 1949، توجب على الفلسطينيين الاعتراف بتلك الشرعية؟ إنّ ما هو أساسيّ هنا، هو أن يأتي القانون الدولي خادماً ومعلّلاً لحقوق الإنسان العراقي الأخلاقية والمعنوية لا العكس.
ثالثاً، إنّ مقال السيّد رستم فيه تحليل محدّد لعراق ما بعد ـــــ خروج «القوات الأجنبية» على حدّ ادعائه. فهو ينطلق من القول إنّ «أربيل صورة مصغّرة عن العراق كلّه، وبالذات عن العاصمة بغداد» ليعمم ما يراه في تلك المدينة على الوضع العراقي كله، وهذا خطأ منهجي فاضح. فالوضع في أربيل لا يقارب الوضع البغدادي ولا العراقي لا من قريب أو بعيد، حيث إنّه في أربيل حكم ذاتي شبه كامل ومشاريع اسثمارية تقوم بها النخب الكردية الحاكمة التي تطمح إلى جعل كردستان العراق مثل دبي، على عكس بغداد المقطّعة أوصالها بحواجز فرقة «عمليّات بغداد» كما عمليّات «المساندة» التي تقوم بها قوّات الاحتلال وسكّانها المنهكون. ثم يذهب الكاتب لوصف الوضع في أربيل ليصبح العراق مكاناً افتراضياً ليس فيه «احتلال»، فيكون بذلك تحت رحمة تصرّفات جيرانه من إيران وتركيّا والكويت وإمكان «انتهاكات جيرانه لشخصّيته الاعتبارية». كلّ ذلك، كما لو أنّ العراق أصبح فجأةً دولة حرّة ومستقلّة عن الوجود العسكري المباشر للأمبراطورية في أرضه، وذلك في أكثر من 96 قاعدة عسكرية. إلّا أنّ ذلك لا يدخل في تحليلات «الانقسام» للسيّد رستم التي تبني رؤيتها من خلال مثالية يختلط فيها التعميم بالتجربة الشخصية الأربيلية، بل وحتى تعابير عنصرية عن مواطنيه العراقيين مثل تذمّره من «حس الكسل جامع بينهم»، إلى جانب أبوية مفرِطة؛ إذ إنّ الكاتب يعتقد أنّ «ثمّة شعوراً دفيناً يدفعهم (أي العراقيين) للاعتقاد بأنّ الدولة يجب أن تتولّى رعاية كلّ شيء، وأن تؤمِّن كلّ حاجياتهم، ما دام العراق يحوي ثروةً نفطية وغازية ضخمة». إنه دائماً إبدال متعمّد للمصطلحات: «الوفرة» بدل عقود النفط، «الفشل» بدل الاحتلال، الديموقراطية بدل «حكومة انتُخبت في ظلّ الاحتلال» والانقسام بدل «دستور تفتيت إثني ـــــ مذهبي صاغه الاحتلال». باختصار، مقال مفعم بتوجّه إيديولوجي واضح خلف حيادية ظاهرة.
* باحث لبناني