يرى العديد من الباحثين النقديّين في دراسات الشرق الأوسط في الغرب، أن الفهم الأفضل لكيفية تصوير الشرق الأوسط والإسلام، ودراستهما، يكتسب اليوم أهمية أكثر من أي وقت مضى، وخصوصاً بالنسبة إلى الشعب الأميركي. ذلك أن الارتباط الأميركي بالشرق الأوسط الذي يعود الى أكثر من نصف قرن الى الوراء، كانت له أبعاد متعدّدة وعواقب جسيمة لا على شعوب الشرق الأوسط فحسب، بل على الأميركيين أيضاً، كما أكدت اعتداءات 11 أيلول 2001 الإرهابية. يسعى هذا المقال إلى رسم صورة موجزة لتطوّر حقل دراسات الشرق الأوسط المعاصر في الولايات المتحدة وأوروبا


وهيب معلوف *
في 1963، نشر أنور عبد الملك مقالاً في مجلة الإنسانيات «ديوجين» بعنوان «الاستشراق في أزمة»، عبّر فيه عن الحاجة الملحّة لتولّي «مراجعة وإعادة تقويم نقدية للمفهوم العام، المناهج، والآليات لفهم الشرق التي استخدمها الغرب، وخصوصاً منذ بداية القرن الماضي، على جميع المستويات وفي جميع الحقول».
حاجج عبد الملك بأن الجهود المضنية، حتى لأهم علماء الاستشراق، غالباً ما جرى إضعافها عبر «فرضيات، عادات منهجية، وتصوّرات تاريخية ـــ فلسفية» منقوصة في أحسن الأحوال، إن لم تكن مؤذية. وتضمنت هذه معاملة «الشرق والشرقيين كـ«موضوع» للدراسة، موسوم بالغرابة (...) تقليدي، سلبي، غير مشارك (...) غير فاعل، غير مستقل (...) مفهوم ومعرّف به من قبل الآخرين». وهذا بدوره مرتبط بما رأى عبد الملك أنه «التصوّر الجوهري لبلدان وأمم وشعوب الشرق تحت مجهر الدراسة» الذي اختزلهم الى كليشيهات إثنية، ناحياً في نهاية المطاف نحو العنصرية.
في سبيل إصلاح الوضع، دعا عبد الملك الى نقد معمّق وصارم لما يُعرف اليوم بـ«المركزية الأوروبية» التي كان «خطأها الأساسي» الافتراض بأن «كل ما هو أوروبي هو عالمي على حدّ سواء»، باعتبار أن مصدر معظم العلم الحديث والتكنولوجيا كان في أوروبا الغربية.
عَكَس مقال عبد الملك، كما ساهم في، نقاشات كانت تجري في الحلقات الفكرية الفرنسية في الخمسينيات وأوائل الستينيات، وخصوصاً على ضفة اليسار. ففي تلك الفترة، كان أكاديميون ماركسيون مثل مكسيم رودنسون يقدّمون مقاربات رائدة لدراسة الشرق الأوسط سعت الى تجاوز التوجّه الفيلولوجي للاستشراق التقليدي. انخرط رودنسون وغيره من الأكاديميين الفرنسيين في حوار فاعل مع تلامذة، مثقفين، ونشطاء من شتى البقاع العربية والإسلامية عاشوا آنذاك في فرنسا وكانوا أيضاً قد بدأوا بإنتاج أعمال جديدة محدثة. من بين هؤلاء الاقتصادي المصري الشاب سمير أمين الذي كان يستحدث آنذاك إطاراً نظرياً لفهم التطوّر والتخلّف العالميّين، متحدّياً الفرضيات الأساسية لنظرية التحديث، وأيضاً المغربي عبد الله العروي الذي كان يتناول أسئلة تتعلق بالتقليد، الحداثة والتغيير الثقافي، والذي سوف يكتب لاحقاً نقداً مهمّاً للاستشراق، بالإضافة الى مقالات سوف تثير نقاشاً واسعاً حول الثقافة العربية المعاصرة.
في تلك الفترة أيضاً، بدأ أكاديميّون من العالم الناطق بالإنكليزية يعبّرون عن نظرة نقدية تجاه الدراسة المعتمدة للإسلام والشرق الأوسط. ففي منتصف الستينيات، نشر المؤرّخ ألبرت حوراني مقالات عدة قوّم فيها موقع الإسلام في التأريخ الأوروبي والتوظيف الإشكالي للإسلام الذي قام به فلاسفة مثل فريدريك هيغل (والمؤرخين المتأثرين به) في إطار تفسيرهم للتاريخ. وقد أدّت مقالات أخرى لحوراني في أواخر الخمسينيات والستينيات دوراً مهماً في تشجيع الاهتمام الأكاديمي بالإرث العثماني للعالم العربي الحديث. دعا حوراني الى الانتباه لتغيرات مهمة ـــ لكنها لم تأخذ حقها من الدراسة ـــ كان الشرق العربي مسرحاً لها في القرن الثامن عشر، وتحديداً لما سمّاه «سياسة النبلاء» في مدن الأراضي العثمانية ـــ العربية. أسهم هذا في إرساء الأرضية لارتفاع عدد الأبحاث حول الولايات العربية في الإمبراطورية العثمانية، والتي استخدمت مروحة أوسع من المواد الأرشيفية المحلية والإمبراطورية، وأنتجت صورة أكثر تفصيلاً وتوازناً لتلك الحقبة.
ا
لستينيّات وصعود «يسار جديد»

افتتح أنور عبد الملك نقد المركزية الأوروبية التي افترضت أنّ كل ما هو أوروبي هو عالمي على حدّ سواء
شهدت الستينيات تغييرات عميقة على المستويين الاجتماعي والثقافي ظهرت معالمها الأولى في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية، وهي تغييرات كانت لها تداعيات سياسية وفكرية مهمة. حركة الحقوق المدنية الأميركية التي نشأت في منتصف الخمسينيات للمطالبة بالمساواة والعدالة للأفارقة الأميركيين وعرفت زخماً إضافياً في أوائل الستينيات، سلطت الضوء على الانقسامات الطبقية والعرقية العميقة في المجتمع الأميركي. وهذه الحركة، مع الحركة النسائية الجديدة، ارتبطت بحركة التمرّد الشبابية التي شهدتها الستينيات. غير أن مجموع هذه الحركات ما لبث أن تحول الى حركة تطالب بتغيير اجتماعي وسياسي جذري تحت وطأة المناخ العالمي الذي أثارته الحرب الأميركية في فيتنام. فقد رأى العديد من هؤلاء ـــ الذين سوف يعرفون بـ«اليسار الجديد» ـــ أن التدخل العسكري الأميركي هناك ليس سوى محطة واحدة في جهد متواصل لإدامة السيطرة الأميركية على أكبر قدر ممكن من المعمورة، غالباً في خدمة أرباح الشركات العملاقة. كل هذا أسهم في إفساح المجال ضمن الأكاديميا الأميركية لبروز طرق أخرى لفهم العالم الحديث والمعاصر ركزت على المصادر البنيوية للاضطهاد والتفاوت الاقتصادي والاجتماعي المستمر، عوضاً عن العيوب الخلقية المزعومة للمضطهدين، وسلطت الضوء على الطبقة والعرق ولاحقاً الجندر كفئات أساسية للتحليل الاجتماعي. ومن أبرز هذه الأعمال البحوث الاقتصادية في ما يتعلق بأسباب التخلف في العالم الثالث التي قام بها أندريه غوندر فرانك.

توسّع النقد

في تلك الحقبة، كان باحثون جدد في بريطانيا (حيث نشأ «يسار جديد» أيضاً) قد بدأوا بنشر أولى الأعمال النقدية المنتظمة للاستشراق ونظرية التحديث. ومن أبرز هؤلاء المؤرّخ روجر أوين الذي سلط الضوء عبر مقالات له في النصف الأول من السبعينيات على الغياب شبه الكلي للتاريخ الاقتصادي والاجتماعي في إصدارات مرجعية لعدد من المستشرقين البارزين.
وتأسيساً على الحركة النسائية الجديدة التي ولدت في نهاية الستينيات، حاججت الناشطات والباحثات النسويات بأن معظم الدراسات ـــ ليس أقله بسبب أن أغلبها قام بها رجال ـــ قد تجاهلت النساء كمشاركات فاعلات في تشكيل العالم الاجتماعي واستمرت باعتبارهم غير موجودات إلا في أدوار هامشية. لذلك أكّدن ضرورة إعطاء الجندر وزناً مثله مثل الطبقة والعرق (والإثنية) كفئة تحليلية في الإنسانيات والعلوم الاجتماعية. لذلك شهدت السبعينيات ظهور دراسات نسوية سعت الى وضع هذه النظرة العميقة موضع التنفيذ، منتجة مداخلات نظرية ناجعة وأبحاثاً جديدة في ميادين فكرية عديدة. وما لبث هذا التوجه أن بدأ بالتأثير على دراسة الشرق الأوسط أيضاً، حيث بدأت أبحاث (كان وراء معظمها نساء) بالتعمّق في تاريخ النساء في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي وحيواتهنّ، وإعادة النظر في الكثير مما اعتبر لفترة طويلة آراء ومعتقدات مقبولة على نحو واسع.
ومع تعزز هذا التوجّه النقدي ضمن دراسات الشرق الأوسط في الولايات المتحدة، شعر مؤيّدوه بالحاجة الى إطار أكثر تنظيماً أبعد من المجموعات الدراسية المحلية والصلات الشخصية أو غير الرسمية. لذا، قامت في 1977، مجموعة من طلاب الدراسات العليا والباحثين الشباب (بعضهم مشارك في مجلة «ميريب» التقدمية) بتأسيس «المنتدى البديل لدراسات الشرق الأوسط» الذي سعى إلى أن يكون شبكة تربط بين من اعتبروا أنفسهم جزءاً من أقلية متمردة تتحدى سلطة المسيطرين على الحقل. استمرت هذه التجربة بضع سنوات ثم تلاشت بعدما استطاع العديد من أعضائها ومؤيديها الحصول على مراكز أكاديمية، وتثبيت أنفسهم في «مؤسسة دراسات الشرق الأوسط» التي بدأت تشهد تغيرات.
العديد من الذين ارتبطوا بنشوء هذا التوجه النقدي ضمن دراسات الشرق الأوسط في الولايات المتحدة رأوا أن مشروعهم الفكري مرتبط ارتباطاً لا فكاك منه بأجندة سياسية. فبالنسبة إلى هؤلاء، لم تكن مهمة تحدّي النماذج المسيطرة في دراسات الشرق الأوسط مسعى أكاديمياً فحسب، بل كانت أيضاً مرتبطة بنقد الطرق التي تشكّلت عبرها أنواع المعرفة التي أنتجها هذا الحقل في العقود الماضية، والتي خدمت حاجات حكومات الولايات المتحدة في سعيها لتنفيذ ما اعتبره كثيرون سياسات إمبريالية في الشرق الأوسط. هذه الصلة كانت واضحة بالنسبة إلى أولئك المرتبطين بمجلة «ميريب»، لكنها كانت حاضرة أيضاً بقوة في أذهان آخرين في الفترة نفسها. يتبدى هذا بوضوح في كتب مثل «العرب دون سلاطين» للكاتب والباحث الراحل فريد هاليداي الصادر في 1975، والذي حاجج بأن الاهتمام الغربي بأزمة النفط في عام 1973 وما أعقبها، وما ولّده من صور شائعة عن «شيوخ نفط» فاحشي الثراء، حرف الأنظار عن توترات سياسية، اجتماعية، واقتصادية أعمق وقابلة للانفجار في المملكة العربية السعودية، الدول الصغرى في الخليج العربي، اليمن الشمالي والجنوبي، وإيران.

التحدّي الإسلامي

شهدت السبعينيات أيضاً صعود الإيديولوجيات والحركات السياسية الإسلامية في مصر ودول عربية أخرى، ناهيك بالدور القيادي الذي قام به رجال الدين الشيعة في التحالف الثوري الذي أطاح النظام الاستبدادي لشاه إيران في 1978-1979. وقد جاءت هذه التطوّرات لتبيّن الدور المستمر والمتنامي للإسلام كإيديولوجيا سياسية في الشرق الأوسط. وغالباً ما تمت الدلالة على هذه الظاهرة في الغرب على أنها «إحياء» للإسلام أو بما هي «أصولية إسلامية»، في مقارنة مع الحركة ضمن البروتستانتية الأميركية في أوائل القرن العشرين التي رفضت اللاهوتية الليبرالية وطالبت بالعودة الى «الأصول»، أي التفسير الحرفي للنص المقدّس.
الانتشار والشعبية المتنامية للإسلام كإيديولوجيا سياسية بدتا كأنهما في مواجهة النظرة التيليولوجية (الغائية) للتطوّر التاريخي (التي تتشارك فيها نظرية التحديث الليبرالية والماركسية الكلاسيكية على حد سواء) التي افترضت أنّ العلمنة موجة حتمية في المستقبل. وقد استطاع بعض دارسي الشرق الأوسط أن يطوّر، في نهاية المطاف، أساليب متجددة لفهم الصعود والانتشار الإسلاميين. إلا أن نمو الحركات الإسلامية وما تمخّضت عنه الثورة الإيرانية لم يمثّلا أيّ تحدّ فكري لبعض المستشرقين، إذ جاءت هذه الظواهر لتؤكد ما كانوا يعتقدون به منذ زمن طويل. وأفضل مثال على هؤلاء هو برنارد لويس الذي نشر في 1976 مقالاً في مجلة «كومنتري» بعنوان «عودة الإسلام» رأى فيه أن عودة الإسلام كقوة سياسية غير مفاجئ تماماً، إذ إن هذا ـــ بحسب لويس ـــ متأصّل في طبيعة الإسلام نفسه وفي فشل الإسلام في احتكاكه مع الحداثة. وقد بنى لويس مقاله هذا على التصوّر نفسه للإسلام الذي اعتمده في مقالاته منذ بداية الخمسينيات: الإسلام بما هو حضارة وحدانية وُضعت أنماطها الأساسية منذ ألف سنة أو أكثر وتستمر حتى اليوم بتشكيل معتقدات وسلوكيات المسلمين في كل مكان.
في هذا المقال، كما في غيره، لا يجد لويس حاجة إلى شرح أو تسويغ مقدّماته، إذ ينطلق من مسلمة عنده: الإسلام والغرب جوهران متمايزان ومختلفان على نحو أساسي. فالتضامن الديني عند المسلمين (على عكسه عند المسيحيين واليهود الذين يعرّفهم لويس ضمناً كمنتمين للغرب) هو «غريزي» وجزء من طبيعتهم بسبب الحضارة التي ينتمون إليها، ما يتطلب من القارئ تجاهل واقع أن المسلمين (مثلهم مثل المنتمين الى ديانات أخرى) قد أثبتوا استعدادهم لمحاربة شركائهم في الدين وقتلهم باسم الدولة ـــ الأمة، كما لأسباب أخرى. لذلك لا حاجة هنا إلى الحديث عن الكولونيالية، الفقر، الأنظمة الاستبدادية، التبعية الاقتصادية، التدخل الأجنبي، السياسة، الخ... وهي الأسباب عينها التي اعتبرها لويس «طارئة» وغير ذات صلة في تحليله للعلاقة بين الشيوعية والإسلام قبل عقدين من الزمن.
مهما كانت شوائبها كتحليل جدي لتنامي التأييد للحركات الإسلامية في العديد من الدول ذات الأغلبية المسلمة، فإن آراء لويس استقطبت جمهوراً واسعاً في الولايات المتحدة الأميركية، وخصوصاً في أوساط الخبراء وصانعي السياسات ضمن معسكر المحافظين الجدد. كما أن مكانته الأكاديمية أسبغت سلطة على تعليقاته حول الصراعات المعاصرة في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي، وتأكيده أن المطالب والمظالم العربية (وخصوصاً الفلسطينية) أو الإسلامية ضد الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل لا يجب أخذها على محمل الجد لأنها، في العمق، مجرد تعبيرات لاعقلانية لنفس جماعية إسلامية معطوبة بسبب احتكاكها بالحداثة الغربية، قد استعمل لدعم الخطط السياسية لأولئك الذين كان لديهم اقتناع راسخ بضرورة أن تتمسك الولايات المتحدة بسياساتها في الشرق الأوسط، بما فيها مساندة إسرائيل في رفضها الحقوق الوطنية الفلسطينية.
بالفعل، شهدت دراسات الشرق الأوسط في الولايات المتحدة في السبعينيات تغيرات مهمة، بما فيها تحديات لنماذج فكرية راسخة والتوسّع في أجندات بحثية جديدة كانت جذورها في النسوية أو الاقتصاد السياسي في بادئ الأمر، ثمّ في مقاربات أخرى أيضاً. غير أن الكثير مما كان يجري في هذا الحقل في تلك الفترة سوف يُرفَد بمساهمة فكرية لشخص آتٍ كلياً من خارج حقل دراسات الشرق الأوسط. هذه المساهمة ـــ كتاب «الاستشراق» لإدوارد سعيد الصادر في 1978 ـــ سوف يكون لها أثر كبير جداً لا على هذا الحقل فحسب، بل على عدة حقول أخرى أيضاً، كما ستثير جدالات واسعة، تفتتح طرقاً جديدة للأبحاث، وتساعد في إطلاق حقول أكاديمية جديدة بالكامل.

«الاستشراق» لإدوارد سعيد

«الاستشراق» لإدوارد سعيد، كان ولا يزال، كتاباً مفتوحاً على قراءات مختلفة تبعاً لاختلاف القراء. إلا أن ميزته الأهم تبقى أنه عمل يتّسم بالمجادلة، أي يهدف إلى التشريح النقدي والتقويض لوجهة نظر أو عقيدة أخرى. هدف الكتاب هو طبعاً الاستشراق الذي بدأ سعيد بتعريفه على نحو واسع بأنه ليس مجرد حقل أكاديمي، بل «نمط فكري مبني على تمييز أنطولوجي وأبستمولوجي بين «الشرق» و(في معظم الأحيان) الغرب». ما يعني أن الاستشراق، بالنسبة لسعيد، مثّل كل طريقة التفكير التي أسّست نفسها على ثنائية شرق/ غرب بما هما حضارتان أو جوهران متمايزان ومختلفان على نحو أساسي، والتي بالتالي افترضت أنه لا يمكن دراسة الشرق عبر استعمال المقاربات والمناهج نفسها التي قد تستعمل لدراسة الغرب.
بالإضافة الى المعاني الأكاديمية و«الخيالية» للاستشراق التي بنيت على ثنائية شرق/ غرب، حاجج سعيد بأنه ابتداءً من أواخر القرن الثامن عشر وما بعده، يمكننا تحديد معنى ثالث: «يمكن مناقشة الاستشراق وتحليله بما هو المؤسسة العامة للتعاطي مع الشرق»، أو باختصار، جميع النصوص، المؤسسات، الصور، التخيلات، والأساليب التي خلق عبرها الأوروبيون (ولاحقاً الأميركيون) وأبّدوا صورة معينة عن «الشرق»، وهي صورة، بحسب سعيد، بعيدة الى حدّ كبير عمّا كانت هذه الأجزاء من العالم فعلياً عليه.
ينطلق برنارد لويس من مسلّمته الشهيرة: الإسلام والغرب جوهران متمايزان ومختلفان على نحو أساسي
في تعريفه للاستشراق على هذا النحو الواسع وتحليله له، استلهم سعيد مبادئ ومناهج طوّرها المفكر الفرنسي ميشال فوكو في أعماله التي ركّزت على العلاقة بين المعرفة والسلطة. حاجج فوكو بأن ما نأخذ به على أنه حقيقة هو دائماً نتاج لطريقة معينة في رسم الواقع أو تصويره، أو لـ«خطاب» معيّن ـــــ نظام مركّب من المعاني يمثّل ماذا نشعر، نفكر ونفعل. غير أن فوكو رأى أن هذا الخطاب أو الشكل المحدد من المعرفة لا يبرز من لا شيء، بل إن بروزه وانتشاره مرتبطان بالسلطة، بل مستولدان منها.
بالنسبة لسعيد، الاستشراق هو خطاب بالمعنى الذي استعمل به فوكو المصطلح: نوع محدّد من المعرفة له موضوعه للدراسة («الشرق»)، مقدّماته، قوانينه، أعرافه وادّعاءاته بالحقيقة. فالاستشراق كشكل من المعرفة هو في الوقت نفسه نتاج لعلاقات سيطرة معينة أسهم هو في تأبيدها، وهي في هذه الحال السيطرة التي مارستها الدول الغربية والأفراد النافذون على الشرق. حاجج سعيد بأنه لم يكن هناك أي وجود موضوعي للشرق، إذ إن هذا الجوهر ـــــ الشرق ـــــ برز الى الوجود مع معنى محدد للأوروبيين (ولاحقاً غربيين آخرين) عبر التشغيل الفعلي لخطاب الاستشراق الذي عرّف موضوعه بطريقة معينة، أنتج منه «حقائق» مقبولة على نحو واسع، وبالتالي جعل صورة معينة عنه تبدو حقيقية.
في الوقت نفسه، وعلى القدر نفسه من الأهمية، أسس الاستشراق لـ«تصوّر جماعي» يقيم التضاد بين الأوروبيين وكل «أولئك» الغير أوروبيين. وهذا، بحسب سعيد، هو العنصر الأساسي في الثقافة الأوروبية التي وفّر لها الهيمنة في أوروبا وخارجها: فكرة الهوية الأوروبية هويةً متفوقة مقارنةً بجميع الشعوب والثقافات الغير أوروبية.
في الفصول اللاحقة من الكتاب، عرض سعيد على نحو واسع التمثيلات الأوروبية للشرق، بدءاً بتصوير الكاتب المسرحي الإغريقي أشيليوس للفرس، مروراً بعصر الأنوار، وصولاً الى مفكرين من القرن التاسع عشر ومنهم كارل ماركس وأرنست رينان. كما أولى، في السياق ذاته، اهتماماً خاصاً للطرق التي صوّر بها الشرق والشرقيين كتّاب فرنسيون بارزون زاروا الأراضي الإسلامية في القرن التاسع عشر.
وبناء عليه، حاجج سعيد بأنّ الاستشراق بصفته نسقاً أكاديمياً برز خطاباً متماسكاً، نظاماً للمعرفة الغربية عن الشرق نفّاذاً، قوياً وثابتاً، بالرغم من أنه كان ضعيف الصلة بما كان يجري فعلياً في الجزء من العالم الذي حدده الغربيون على أنه «الشرق». ويتبدى هذا أيضاً، أضاف سعيد، في كتابات وأفعال المسافرين، العلماء، المؤلفين، الفنانين، المسؤولين الرسميين وغيرهم من الغربيين. هذا التمثيل الغربي للشرق، برأي سعيد، انبنى على فرضية أن «الشرق» و«الغرب» هما مختلفان على نحو جذري، واستند الى نصوص عُدت مرجعية لإنتاج أفكار معينة عن الشرق ودعمها، من بينها الاستبداد الشرقي والشهوانية الشرقية. بالإضافة الى ذلك، أكد سعيد أن الخطوط العامة للخطاب الاستشراقي قد تشكلت، الى حد كبير، عبر الإرادة الغربية للسيطرة على الشرق، والتي تحققت في نهاية المطاف مع الفتوحات الكولونيالية في القرنين التاسع عشر والعشرين. أخيراً، أكد سعيد ضرورة أن يتسلح الباحث بالوعي الذاتي والوعي النقدي والبدء بتناول أسئلة رآها مركزية بالنسبة لمشروعه الفكري: «كيف يمثّل الواحد ثقافات أخرى؟ ما هي الثقافة الأخرى؟ (...) كيف تكتسب الأفكار سلطتها، «وضعها الطبيعي»، وحتى مرتبة الحقيقة «الطبيعية»؟ وختم سعيد بأن الجواب على الاستشراق هو حتماً ليس الاستغراب، ذلك أنه «إذا كان لمعرفة الاستشراق أي معنى، فهو في كونها تذكيراً بالقهقرى المغرية للمعرفة، أية معرفة، في أي مكان، في أي وقت. ربما الآن أكثر من أي وقت مضى».

ردود ومداخلات نقديّة

لعل الطريقة الأفضل لتقويم كتاب «الاستشراق» وأهميته الفكرية هي من خلال مناقشة أهم الردود عليه. ومن المفيد البدء ببرنارد لويس، أحد الأهداف الرئيسية للكتاب، والذي رفض بحدّة نقد سعيد للاستشراق من دون أي تناول فعلي لمضمون الكتاب.
اتهم لويس سعيد بشن هجومات نزقة ومفتقرة للدقة، غالباً ما توسّلت لغة عنيفة، على باحثين وأبحاث جديرة بالاحترام. كما اتهمه بالاعتباطية في اختياره لأهدافه، متجاهلاً باحثين ودراسات أساسية ومركّزاً على شخصيات هامشية ونصوص غير مهمة. وهذا، بحسب لويس، لأن سعيد يعرف القليل جداً عن الباحثين والحقل الذي يدّعي نقده، ما جعله يتجاهل مستشرقين ألماناً وسوفيات لهم مساهمات مهمة جداً.
وإذ اعترف لويس بأن بعض المستشرقين قد يكون «خدم أو انتفع من السيطرة الامبريالية»، إلا أنه أكد أن الدراسة الاوروبية للإسلام والعرب بدأت قبل عصر التوسّع والكولونيالية الاوروبي بعدة قرون، وبأن هذه الدراسة ازدهرت في بلدان (مثل ألمانيا) لم تمارس قط السيطرة على العرب.
ردّ سعيد مؤكداً أنه لم يقل قط بأنّ «الاستشراق هو مؤامرة» أو أن «الغرب شرير»، مضيفاً أنه «من جهة أخرى، من النفاق الرديء أن تُقمع الاطر الثقافية، السياسية، الايديولوجية والمؤسساتية التي ضمنها يكتب الناس، يفكرون، ويتحدثون عن الشرق، أكانوا باحثين أو لا».
في رده التالي على سعيد، لم يضف لويس اية قيمة تذكر للتبادل بينهما. لم يستطع لويس فهم معالجة سعيد لعيوب الاستشراق ونواقصه بما هي نتاج لصفته كخطاب منظم، متماسك ومحمّل بعلاقات السلطة، أكثر مما هي ناتجة من الخطأ، التمييز، الصور النمطية، العنصرية، والميول الامبريالية من جانب الباحثين الافراد. كما لم يستطع لويس تقبّل فرضية سعيد بأن الدراسات الاستشراقية، مثلها مثل كل الجهود الانسانية، تأثرت، على الاقل جزئياً، بالاطر التي تمت فيها، وبالتالي لم تكن معزولة عن السلوكيات الثقافية الاوسع عن الاسلام والتشابك السياسي مع العالم الاسلامي الذي مثّل «الآخر» بالنسبة لأوروبا لقرون خلت، والذي لا يزال يمثّل «مشكلة» بالنسبة للولايات المتحدة. ترك هذا الرجلين بدون أية أرضية مشتركة للخوض في أي نقاش مفيد.
غير أن نقد سعيد للاستشراق ولّد عدداً من الردود الاكثر رصانة وإثارةً للاهتمام. رأى مكسيم رودنسون أن الفضل الكبير للكتاب هو أنه «هزّ الرضى الذاتي لكثير من المستشرقين»، وجعلهم «يفكرون بمصادر أفكارهم وصلاتها، والتوقف عن النظر اليها على أنها استنتاج طبيعي ومحايد لحقائق درست من دون أية افتراضات».
كما عبر ألبرت حوراني وروجر أوين عن ثنائهما الكبير للكتاب، لكنهما شاركا رودنسون أسفه لتجاهل سعيد للمستشرقين الألمان وآخرين من الاوروبيين. ولاحظ أوين أن استكشاف سعيد للاستشراق اتسم أحياناً بالإفراط في التوسّع و الافتقار الى الانتباه لدقائق اللغة والمعاني.
وفي مقال مهم في عام 1981 بعنوان «الاستشراق والاستشراق معكوساً»، تناول المفكر السوري صادق جلال العظم ما رآه نقاط القوة والضعف في «الاستشراق» لإدوارد سعيد. وإذ اكد العظم تقديره لنقد سعيد القوي للافتراض المركزي للاستشراق، حذّر من بعض المفكرين الذين وقعوا في فخ القراءة الاستشراقية المعكوسة، وذلك بتأكيدهم تفوّق العقلية العربية (او الاسلامية) «الأصيلة» على العقلية الغربية الفاسدة، المنحطة والمادية. وختم العظم بأن «الاستشراق المعكوس الأنطولوجي» يتساوى في «رجعيته، تعميته، لا تاريخيته ولا إنسانيته مع الاستشراق الأنطولوجي الصحيح».
في خاتمة كتبها لطبعة عام 1995 من الكتاب، عبّر سعيد عن أسفه لأن بعض القراء، وخصوصاً في الدول العربية والاسلامية، قد استخدموا كتابه للقول بأن الغرب بأسره هو عدو الاسلام والعرب، أو أن الاسلام دين كامل، مشدداً على أن رفضه لاختزال الحضارة أو الثقافة الى جوهر ينطبق على الزعم الإسلامي الأصولي بـ«إسلام حقيقي»، بالقدر نفسه الذي ينطبق على التصويرات الغربية لـ«الشرق» التي انتقدها في كتابه. وأعاد سعيد تأكيد أن كتابه «الاستشراق» كان جهداً لكسر الحواجز، لفتح طرق تفكير جديدة تتجاوز نقدياً الحواجز بين الثقافات وأشكال المعرفة، ولتطوير «طريقة جديدة لفهم الافتراقات والنزاعات التي حفّزت أجيالاً من العداءات، الحروب والسيطرة الامبريالية».
اختتم سعيد تقويمه بقدر من التفاؤلية، إذ كتب: «فيما العداءات والمظالم لا تزال موجودة، والتي منها بدأ اهتمامي بالاستشراق بما هو ظاهرة ثقافية وسياسية، إلا أن «هناك الآن، على الاقل، اعترافاً عاماً بأن هذه لا تمثل نظاماً أبدياً بل تجربة تاريخية قد تكون نهايتها، أو على الاقل انحسارها الجزئي، في متناول اليد».
بالنسبة للعديد من دارسي الشرق الاوسط اليوم، تبدو المشاركة في تفاؤل سعيد أكثر صعوبة. لكن الجميع يعترف بأنه كان صائباً في لحظه التغييرات العميقة التي عرفتها الأبحاث في مجال الإنسانيات في العقود الأخيرة من القرن العشرين، وهي تغييرات كان لكتاب «الاستشراق»، بالإضافة الى أعمال سعيد الأخرى، مساهمة ليست بقليلة فيها.
ولعل التقويم الاكثر توازناً لكتاب «الاستشراق» هو لصادق العظم، وقد شاركه فيه آخرون ممن قبلوا بالمعنى الاساسي للكتاب، بأنه أحياناً «يغلب صاحب الأسلوب والمجادل في إدوارد سعيد (...) على المفكر المنتظم فيه».

ما بعد الاستشراق؟

بالرغم من القبول الواسع لنقد الاستشراق ونظرية التحديث، فإن السؤال عن كيفية فهم الاسلام والمجتمعات ذات الأغلبية المسلمة ودراستها استمرا بإثارة الجدال، وصولاً الى بدايات القرن الحادي والعشرين.
كان على الباحثين التعاطي مع الاهمية المستمرة للإسلام في المجتمعات الشرق أوسطية المعاصرة، وتحديداً مع تفسير البروز والقوة المستمرة للنزعة الاسلامية، واستنباط ايديولوجيا سياسية وممارسة من الدين الاسلامي.
في هذا السياق، عاد برنارد لويس مجدداً عبر مقال كتبه في 1990، متوسعاً من خلاله في تفسيره لـ«جذور الغضب الاسلامي» الذي رأى أنه يغذّي الحركات الاسلامية في أرجاء العالم. اللافت في لويس هو ثباته، إذ إن هذا المقال يؤكد الفرضيات نفسها التي كانت قد أفادت كتاباته منذ الخمسينيات. فهو مثلاً يفسّر الصراع الاريتري من اجل الاستقلال عن إثيوبيا، والذي أطلقه كلّ من المسيحيين والمسلمين بناءً على برنامج وطني علماني، على أنه مجرد تعبير عن الغضب الذي يشعر به «المسلم» بسبب دونية الاسلام إزاء الحضارة الغربية. من المؤكد أن الأخذ بتفسير كهذا يعني التجاهل الكلي للتاريخ، السياسة، والأطر المحلية، الاقليمية والعالمية المعقدة، عبر أكثر الطرق تبسيطاً واختزالية. غير أن مقالات كهذه ـــــ في هذه الحال نشرت فيما كانت القوات العسكرية للولايات المتحدة وحلفائها تتجمع للعملية التي سوف تدحر القوات العراقية من الكويت ـــــ وفّرت للاميركيين تفسيراً متاحاً ومرضياً حول لماذا كان هناك الكثير من الغضب والنقمة على الولايات المتحدة ضمن العرب والمسلمين.
بالاضافة الى لويس، كانت لآخرين نظرتهم للشرق الأوسط التي تلازمت مع، ودعمت، أجندة السياسة الخارجية للمحافظين الجدد في التسعينيات وأوائل الألفية الثانية. ومن أبرز هؤلاء أستاذ العلوم السياسية اللبناني المولد فؤاد عجمي الذي ـــــ بالرغم من أن أبحاثه الأخيرة انتُقدت على نحو واسع ضمن الاكاديميا بسبب تأكيداته الإجمالية والمشكوك فيها والمتعلقة بأمراض الثقافة والسياسة العربية ـــــ فتحت له أصوله العربية واعتناقه لأجندة اليمين الاميركي والإسرائيلي الأبواب في واشنطن، وجعلت منه نجماً إعلامياً، وشخصاً كان دوره «كشف الأحجيات المبهمة للعالم العربي والاسلامي والمساعدة في تسويق حروب أميركا في المنطقة».

خاتمة

يرى عديد من الباحثين النقديين في دراسات الشرق الأوسط في الولايات المتحدة اليوم، أن أميركا ما بعد أحداث 11 أيلول الارهابية هي غيرها ما قبلها، حيث كان لاستخدام النفوذ الاميركي في الشرق الاوسط تأثير ضعيف وغير مباشر في الولايات المتحدة. لكن من جهة آخرى، يرى هؤلاء انه قد تغير قليلاً لناحية أنّ أقلية من الاميركيين فقط تكبدت عناء السؤال لماذا كان هناك أناس دفعهم كرههم للولايات المتحدة إلى قتل اعداد كبيرة من الاميركيين. أحد أبرز هؤلاء ممن يحملون هذه النظرة هو الباحث النقدي زاكاري لوكمان الذي كتب مؤخراً: «لا نستطيع ألّا نعرف بعد الآن (...) أكلاف فقدان الذاكرة التاريخية، الجهل الإرادي، وإساءات الفهم الفظة، عن باقي العالم وموقعنا فيه، والتي تسود المجتمع والثقافة والسياسة الاميركية. وهي أكلاف محتمل فقط أن تتصاعد، والأبرياء هنا وفي الخارج هم الذين عموماً سوف يدفعون الثمن».
* باحث لبناني

المراجع
Lockman, Zachary. 2004. Contending visions of the Middle East: The history and politics of Orientalism. Cambridge: Cambridge University Press
Macfie, Alexander Lyon (ed.) 2000. Orientalism: A Reader. Edinburgh: Edinburgh University Press
Pappe, Ilan. 2010. The Modern Middle East. 2nd ed. London: Routledge
Said, Edward. 1994. Orientalism. 2nd ed. New York: Vintage Books
Shatz, Adam. “The Native Informant.” The Nation, April 28, 2003, http://www.thenation.com/article/native-informant
العظم، صادق جلال. ذهنيّة التحريم، رياض الريّس، لندن 1992