في هذا الوطن أناس يرفضون أن يكونوا أشياء في كومة الزبالة. أناس لا يتخيلوا العيش، ولو للحظة خارج المزبلة. لا بل هم على أتمّ استعداد للانتحار حرفياً على حدود وتخوم المزبلة ومن اجلها.

ما يجري اليوم في شوارع المدينة الحزينة، المبتلاة بطاعون الطوائف، وجرذان المذاهب، وقوارض رأسمال المتراكم، هو مؤشر حقيقي لا يمكن انكاره لصراع طبقي أخذ بالاتساع. إنّه «وعيّ الفقير» وبتعبير ماركسيّ فج: ليس الفقر هو ما يصنع الثورة بل وعيّ الفقير هو الذي يصنعها.

إنّه الوعيّ الذي ينمو متثاقلاً ببطء وبخوف، وبتردد أيضاً، على حوافي الزرائب المذهبية التي أتقن صانعوها صناعتها فصارت لها إيديولوجية ومقدسات لا تمس، ومحرمات وقادة حكماء. أمّا الأغنام المطيعة التي تسرح في غياهب العتمة، وينهشها الجوع والحر والبرد، والخاضعة لدورات مكثفة من التجهيل والاستحمار، فلم يرد ببال رعاتها أنه سيخرج منها يوماً أغناماً مختلفة تعي ذاتها، وبشاعتها وبؤسها وترفض أن تكون أغناماً.
لقد أتوا من كل الزرائب. كسروا خوفهم من الجمع الغبي الذي أتقن التلطي خلف القائد، والحامي، والزعيم. هتفوا بصوت واحد أن عصابة لصوص السلطة ليسوا إلا شيئاً واحداً. هم لا يعنيهم بتاتاً ما يجري في زرائبهم، بقدر ما يعنيهم استخدام الكائنات البائسة، في صراعات الرأسمال المتوحش.
هذه الطبقة السلطوية الأبدية، المتربعة على المال المنهوب، والدم المسلوب، والوطن المغتصب. طبقة لا تعنيها حال الرعية، ما دامت رعية غبية، والى حدود الاستبسال دفاعاً عن ناهبيها وقاتليها وسائسيها في مجاهل الدروب. إنها ثمرة الطائفية التي لم تكن لتنجح كل هذا النجاح، لو أن الكهنوت لم يكن شريكاً في إرساء هذه المظلمة. فحياة الفقراء لا تعني شيئاً، موتهم هو الذي يعني. وهناك مذابح كثيرة على أعتاب المعابد، فلماذا لا يموتون؟
ما يجري في بيروت يتخطى حدود الأمل. هو على عفويته وتخبطه، وانعدام تنظيمه، مؤشر صاعق، على أن الزرائب بدأت بالانحلال. لقد طاولها العفن والصدأ. وهو دليل على أن كل الكذب لم يعد مقنعاً تماماً، وأنّ الأغنام المفترضة، أخذ بعضها يكتشف أنه ليس غنماً. لقد بدأ الصراع ينحو منحى آخر بعيداً تماماً من توجيهات صناع المزابل الذين سيرمون بكامل ثقلهم وبما تبقى لهم من بهائم ليوقفوا حالة الوعي المتقدم.
كل ما نحتاجه، مزيد من الجرأة والمدنية، مقابل همجيتهم و«كلبيتهم» بالمعنى الفلسفي اليوناني للكلمة. هذا الوطن ليس زريبة، وهو ما يجب أن يكون حاضراً في وعينا. وطن ليس مكباً، ولا مستودع الأجساد البشرية الجاهزة لتقدم على المذابح. ومن يرَ في نفسه غنمة، أو جزءاً من كومة زبالة، فليمارس «غنميته» في الزريبة المذهبية التي ينتمي إليها. لا يحق له أن يشكو من الروائح، ومن الجوع ومن البرد ومن سلب حقوقه. فهذه الأمور ليست من عالم الأغنام. وحدهم البشر يستحقون العيش الكريم. وعلى هذه الجبال، والسواحل سنبني مدناً جميلة وشوارع نظيفة وحدائق أطفال، وتكون لنا حقوقنا المدنية، ثم نكون بشراً كما كل البشر.
كفى قرفاً يا سفلة.
* كاتب لبناني