احتفى لبنان بفيلم «كارلوس»، فقد زار بيروت المخرج أوليفير أساياس، وشارك في الفيلم عدد من اللبنانيّين، بمَن فيهم اليساري السابق، أحمد قعبور. و«كارلوس» صُوِّر، في الكثير منه، في لبنان وساعدت أجهزة الدولة اللبنانيّة المخرج في عمله (كما جاء في التنويه المطبوع على الشاشة في نهاية الفيلم). مسخ الوطن مضياف، وهو يتلقّى منذ التأسيس الإهانات والتحقير بصدر رحب


أسعد أبو خليل*
كان فيلم «كارلوس» مُعدّاً للشاشة التلفزيونيّة، لكنه عُرض سينمائيّاً أيضاً. كانت الصالة مكتظّة في آخر أيّام العرض بمدينة سان فرنسيسكو. لم يظهر ملل على الجمهور خلال ست ساعات متواصلة من العرض (بما فيها الاستراحتان). لكن نيّة المخرج كانت واضحة: الإساءة ليس فقط إلى وديع حدّاد، بل إلى النضال الفلسطيني برمّته، حتى ذلك الذي لا علاقة له بـ«العمليّات الخارجيّة». اللقطة الأولى معبّرة: اغتيال محمّد بوديّة («أبو ضياء») بواسطة «الموساد» في باريس (لم يذكر الفيلم أنّ بوديّة الذي عمل في تحرير الجزائر هو الذي عرّف «كارلوس» على القضيّة الفلسطينيّة في جامعة باتريس لومومبا في موسكو). سبق اللقطة مشهد جنسي بين بوديّة وامرأة فرنسيّة. أراد المُخرج على نسق التصوير الاستعماري الكلاسيكي تظهير صورة الرجل المُستعمَر كخطر جنسي أكيد على نساء الرجل الأبيض. الرجل العربي يظهر كإرهابي وكخطر على نساء أوروبا. وهذا كان المشهد الأوّل فقط.
قدم أساياس إلى لبنان ولوقي بالترحاب. ماذا تتوقع (وتتوقعين) في بلد عبادة الرجل الأبيض؟ أكثر من ذلك، عندما أرادت مجموعة صغيرة من الناشطين والناشطات (بمَن فيهم أنيس نقاش، المعنيّ بالأمر، والذي تعرّضت صورته في الفيلم لتشويه) التعبير عن معارضتهم للفيلم، انزعج المجتمع المخملي الذي يرى في نفسه رقيّاً فقط لأنّه مُستميت في تقليد الرجل الأبيض وكسب رضاه. جيزيل خوري، في برنامجها «استديو آل سعود»، انزعجت من الاعتراض على الفيلم، وتململت. الرجل الأبيض لا يخطئ. وقد شارك عدد من اللبنانيّين واللبنانيّات في الفيلم، ولا عجب في ذلك. متى كان هناك اعتراض في لبنان على التصوير المُسيء للعرب في الثقافة الغربيّة؟ على العكس، فقد ساهمت قطاعات كنسيّة وغير كنسيّة في حقل العداء للعرب والإسلام في الغرب. (إنّ إسرائيل، لا أمين الجميّل، هي التي انتقت السيئ الذكر، أنطوان فتّال (صاحب كتاب استشراقي بدائي بالفرنسيّة عن عنصريّة الإسلام) كي يقود فريق مفاوضات 17 أيّار).
من الضروري التذكير بأنّ الفيلم وإعداد البحث له تمّا على يد صحافي أميركي ذي تاريخ غير واضح. هذا الأميركي الذي يعمل تحت اسم «ستيفان سميث» غطى القارّة الأفريقيّة في جريدتي «لو موند» و«ليبراسيون»، وألّف عدداً من الكتب عن أفريقيا. للدلالة على عنصريّة الرجل ضد شعب القارّة تكفي الإشارة إلى مؤلّف كامل («عُصاب أفريقيا») للكاتب السنغالي «بوباكر بوريس ديوب»، يدحض فيه عنصريّة «سميث» وخصوصاً في كتابه «نيغرولوجي». أيّ أنّ


وديع حدّاد لم يرد أن يصنع مشاهير بل أراد أن يصنع ثوّاراً إذ تقلّ فائدة الثائر عندما يصبح مشهوراً
أساياس انتقى كاتباً: 1) ذا تاريخ عنصري ضد السود و2) لا علاقة له البتّة بالشرق الأوسط والقضايا العربيّة. «سميث» هو اليوم أستاذ زائر في الدراسات الأفريقيّة في جامعة «ديوك» وقد كتبتُ له على بريده الإلكتروني سائلاً إيّاه إمكان عرض بعض الأسئلة عليه، إلا أنّه لم يجبني. أما مُنتج الفيلم فهو دانييل لوكونت، وهو معروف بمناصرته المُتعصِّبة لقضايا المحافظين الجدد وبترويجه لمصالح إسرائيل وللإساءة للعرب في برامج وثائقيّة وأفلام. كان يجب أن أتوقّع رداءة الفيلم بمجرّد أنّ مجلّة «نيويورك تايمز» المعادية للعرب وقضاياهم باستثناء قضيّة محمد دحلان وسلام فياض ومحمود عبّاس (إذا كانوا يُحسبون على العرب) أسبغت مديحاً على المخرج وأشادت بالبحث الذي بنى فيلمَه عليه. وهذا مهم لأنّني وجدت أنّ الحس السياسي أو اللاحسّ السياسي للفيلم هو أميركي بحت، بالمعنى العنصري والصهيوني (وبمقياس الثقافة السائدة في أميركا، حتى لا نصم كلّ الشعب الأميركي بالوصمة ذاتها).
يستوقفك أولاً أنّ الفيلم يبالغ في أهميّة «كارلوس» في التاريخ المُعاصر للثورة الفلسطينيّة وحتى في تاريخ تنظيم وديع حدّاد نفسه. لم يكن الرجل إلا حاشية في نضال شعب فلسطين، كما كان «لورنس العرب» حاشية في «الثورة العربيّة» الصغرى. احتاج أساياس إلى المبالغة في دوره كي يسوّغ الفيلم: هناك المئات من الثوّار بأسماء عربيّة، ولم يسمع بها أحد. بمعنى آخر، كون «كارلوس» كان مشهوراً وكون أنيس نقّاش مجهولاً عبر السنوات (إلى أن أُلقي القبض عليه في باريس) دليل على مهارة الأخير، لا على مهارة الأوّل. لم يكن حدّاد يريد أن يصنع مشاهير: كان يريد أن يصنع ثوّاراً، وتقلّ فائدة الثائر عندما يصبح مشهوراً، أو ساعياً نحو الشهرة، أو الاثنيْن. يذكر المناضلون العتاق الذين عاشوا مرحلة الأردن (قبل مجازر أيلول وبعدها) «كارلوس» هذا. في دورته العسكريّة الأولى، ميّز نفسه بشجاعته وقدرته الجسديّة وبحماسته الشديدة. ويذكر من تدرّب معه في الأردن، أنّه كان يضيق ذرعاً بتدريب رصّ الصفوف والوقوف والتأهّب (يبدو أنّ تدريبات المنظمات الفلسطينيّة كانت مُتأثّرة بتنظيم الجيوش، وهذا عامل من عوامل تجييش الثورة لانعدام الخبرة العسكريّة في حرب العصابات، يُراجع في هذا الصدد كتاب يزيد صايغ، «الكفاح المُسلّح والبحث عن الدولة»، بالرغم من توجهاته اليمينيّة). كان «كارلوس» يعترض ويطالب بتدريبات قاسية. وقد امتاز أيضاً في الرماية. كلّ هذا جذب إليه الأنظار، كمقاتل وليس كقائد ثوري كما يصوّر الفيلم.
وهنا يبدأ الخيال في الفيلم. يصبح «كارلوس» هذا قائداً فلسطينيّاً وندّاً لوديع حدّاد نفسه. تراه يجلس في اجتماع لقادة الفصائل الفلسطينيّة دعا إليه يوري أندروبوف. لكن قصّة «كارلوس» تلقي ظلالها على الجوانب السيّئة في تجربة الثورة الفلسطينيّة. كأنّ الثورة تجذب من دون أن تشذّب أناساً من خلفيّات مختلفة. لجأ إلى الثورة مرتزقة وزعران وأوغاد وعملاء استخبارات. لم تدقّق الثورة في خلفيّة هؤلاء. يذكر واحدٌ أنّ فلسطينيّاً دخل إلى معسكر تدريبي في «البرج» ورأى «رجلاً» في الدورة. انتحى بالمسؤول السياسي واعترض حانقاً: ماذا يفعل هذا هنا؟ قيل له إنّه رفيق من الجامعة الأميركيّة في بيروت. صرخ: رفيق؟ أنا عرفته منذ سن الحداثة في المدرسة وهو كتائبي عتيق. رفض أن يشارك في الدورة (لاحظ رفاق «الرفيق» أنّه اختفى كليّاً عن السمع بعد 1982 ولم يبق له أثر). كان على الثورة أن تدقّق في خلفيّة هؤلاء الذين واللواتي كانوا يظهرون فجأة في معسكرات التدريب ومكاتب التنظيمات ويطلبون الانضمام. طبعاً، كان بينهم مناضلون أمميّون، ولكن كان بينهم مرتزقة ومجرمون.
من يقرّر صفة «كارلوس» ووقعه؟ الأمر نسبي. أنا أعتبر أنّه كان أقرب إلى ثائر أهوج تحوّل إلى الارتزاق بعد عمليّة فيينّا، إن لم يكن قبلها. يكفي أنّ اسمه ارتبط بتقبيح اسم الثورة الفلسطينيّة على نطاق عالمي. أراد الفيلم أن يجعل من مسيرة النضال الفلسطيني عملاً ارتزاقيّاً وإجراميّاً وإرهابيّاً. لا لبس البتّة في رسالة الفيلم هذه. وأبلغ تعبير عن صهيونيّة الفيلم هو غياب إسرائيل التام عن سياقه. إسرائيل ليست موجودة في سيناريو الفيلم وأحداثه. وإسرائيل غائبة عن أفعال الإجرام والإرهاب، في أوروبا نفسها، وهي التي بدأت موسم الإرهاب في أوروبا بالعبوات المُفخّخة إلى سفارات في الأربعينيات (كم أخطأت مجلّة «الإيكونومست» الرصينة في مقالة نُشرت أخيراً عن تاريخ الطرود المُتفجّرة إذا إنّها سهت عن ذكر ريادة إسرائيل في هذا المجال من الإرهاب أيضاً). و لم يكترث الفيلم لضحايا شعب فلسطين والعرب الآخرين من المدنيّين والمدنيّات في أوروبا، حتى لا نذكر آلاف الضحايا في العالم العربي. لكنّه أراد أن يُقرِّب المشاهد والمشاهدة من كلّ ضحيّة أجنبيّة للعنف العربي (مثل مشهد إطلاق الرصاص على المرأة الفرنسيّة الحامل في بيروت، ولا أدري إذا كانت هذه واقعة أم كذبة من أكاذيب الفيلم العديدة). وعندما ظهر تسجيل كلام لبسّام أبو شريف من السبعينيات وهو يتحدّث في تفسير الاعتداء على صاحب محالّ «ماركس أند سبنسر» الصهيونيّة في لندن، كان أحرى بالمُخرج ـــــ لو أراد أن يكون مُنصفاً، وهو لم يكن مُنصفاً البتّة ـــــ أن يذكر للمشاهد، وإنْ بصورة عابرة، أنّ وجه أبو شريف المليء بالشظايا والحروق والتشوّه هو نتيجة طرد إرهابي من دولة إسرائيل العزيزة على قلب أساياس وكاميراه.
وحدّاد استهدف مالك «ماركس أند سبنسر» لكونه مموّلاً لـ«حيروت» والقضايا الصهيونيّة. الفيلم أراد أن يصوّر الثائر العربي كمُعاد لليهود، كيهود (وحده ذلك الألماني اعترض على معاداة اليهود، فيما كانت المسألة تخضع لنقاشات طويلة في صفوف القادة والأعضاء، لكن تصوير المُخرج للمنظمات الفلسطينيّة تقصّد وصمها بالفاشيّة والديكتاتوريّة. لم يكن قادة المنظمات الفلسطينيّة كلّهم على شاكلة ياسر عرفات. وحتى الأخير كان يخضع للمساءلة، وخصوصاً في السنوات الأولى، من أترابه).
لم يصل الفيلم إطلاقاً إلى حقيقة لغز وديع حدّاد. أحمد قعبور أجاد التمثيل لكنّه لم يصوّر شخصيّة وديع حدّاد. لم يكن حدّاد مثل إبراهيم قليلات أو «أبو العبّاس»، ولم يكن يلهو بمسدّس في أوقات الفراغ أو التهديد. أراد المُخرج أن يصوّر كلّ المناضلين العرب كأوغاد وزعران. صحيح أنّ عدداً من الأوغاد والزعران تسرّب إلى صفوف الثورة الفلسطينيّة، لكن هؤلاء كانوا إما في تنظيمات استخبارات النظام السوري (وهل كانت منظمة «الصاعقة» إلا جمعيّة من الأوغاد والسارقين والقتلة؟) والنظام العراقي ودكاكين ياسر عرفات الكثيرة. لكن التنظيمات العقائديّة مثل الحزب الشيوعي ومنظمة العمل الشيوعي وحزب العمل الاشتراكي العربي ـــــ لبنان والجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين والجبهة الديموقراطيّة لتحرير فلسطين والحزب السوري القومي الاجتماعي والتنظيم السرّي لوديع حدّاد كانوا على الغالب ينبذون الأوغاد والزعران من صفوفهم. أجزم بأنّ الرفيق «زهير» في القيادة العسكريّة لمنظمة العمل الشيوعي كان يلفظ هؤلاء من دون تردّد، ولا يقبلهم في صفوفه أبداً، وكانت تلك الحال في تنظيم حدّاد. لم يكن مقاتلو الأحزاب العقائديّة زعراناً على شاكلة يوسف بزّي («الصحافي» في نشرة آل الحريري اليوميّة) كما يصف هو نفسَه في كتابه البشع «نظر إليّ ياسر عرفات وابتسم».
وكالعادة في أفلام كهذه عن الشرق الأوسط، وخصوصاً تلك التي تتلوّث بأيدٍ إعدادية وتجهيزية أميركيّة صهيونيّة، يزخر الفيلم بالأخطاء والمغالطات. فالفيلم يظنّ أنّ صدّام حسين تسلّم سلطة الرئاسة من أحمد حسن البكر في أواسط السبعينيات. يخلط مراراً وتكراراً بين الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين والتنظيم السرّي الذي أنشأه حدّاد خارج إطار الجبهة. كما أنّ الفيلم لم يكترث للنقاش الطويل والمبكّر الذي دار في قيادة الجبهة الشعبيّة (منذ، إن لم يكن قبل، اجتماع اللجنة المركزيّة في 1971)، أي أنّ العنف، خصوصاً بعيداً عن ساحة الصراع الأساسيّة، لم يكن أمراً عابراً عن القادة والثوّار الفلسطينيّين. وخلط الفيلم كالعادة بين الجبهة الشعبيّة (فرع العمليّات الخارجيّة الذي انشقّ تحت رئاسة حدّاد) ومنظمة «أيلول الأسود». ولم يفهم المُخرج طريقة العمل والتجنيد لوديع حدّاد: حدّثني هذا الصيف واحد من البارزين في تنظيم وديع حدّاد عن انتقائه للمنفّذين. كان يخطّط لعمليّة ويرسل إلى بيروت أوصافاً للمرشحين (كأن يقول، أريد مقاتلاً متمرّساً ابن مخيّم، قصير القامة وأشقر الشعر، الخ). لم يعلم المخرج أنّ أنيس نقّاش لم يلتق وديع حدّاد قطّ، وأنّه كان «مبعوثاً» من أبو جهاد لمعاينة تنظيم حدّاد من الداخل.
كذلك فإنّ الفيلم يخلط بين علي العيساوي (الذي لا علاقة له بـ«كارلوس») وأفعاله وبين شقيقه سليم. ليس هناك من دليل على أنّ «كارلوس» كان متورّطاً في محاولة اغتيال عاصم الجندي، باعتراف الجندي نفسه الذي جزم ببراءة «كارلوس» من الاغتيال. سها عن الفيلم أن يذكر أنّ السلطات اللبنانيّة المتواطئة (قبل وحتى اتفاق الطائف) مع أجهزة الاستخبارات الأجنبيّة كانت تسمح لـ«مسؤول أمني» فرنسي خبير في شؤون «مكافحة الإرهاب» بالإقامة في لبنان للتجسّس والتخريب على منظمات الثورة الفلسطينيّة. وتصوير الشخصيّات العربيّة لا علاقة له بالواقع. من التقى أنيس نقّاش يعرف أنّ لا قربى بينه وبين الشاب العصبي المتهوّر في الفيلم. شخصيّات الفيلم مبنيّة على التصوير النمطي التقليدي لثوّار فلسطين. من الأكيد أنّ أساياس لم يلتقِ عن كثب أيّاً من الذين عملوا مع وديع حدّاد، ولم يحاول التعرّف على حقيقة شخصيّة وديع حدّاد. ولم يفهم المخرج كيف طرد حدّاد من دون تردّد «كارلوس» بعدما خالف أوامر عمليّة فيينّا. ونظرة حدّاد إلى «كارلوس» لم تكن على الصورة التي أدرجها الفيلم. عندما اغتيل محمد بوضيا في فرنسا، لم يكن اسم «كارلوس» مطروحاً كخليفة له إلا في مخيّلة «كارلوس» وحده. (وقد غالط «كارلوس» في رسالة لـ«الأخبار» الوقائع في الفيلم في أكثر من نقطة).
لكن هناك ما هو أيضاً عنصري في الفيلم: الثوار من أميركا اللاتينيّة بدوا (وبدون) مبدئيّين ومبدئيّات ومندفعات بمنطلقات محض سياسيّة. والأمر نفسه ينطبق على العناصر الألمانيّة (وكم بالغ الفيلم في دورها ربّما بسبب تمويل ألماني للفيلم). أما الثوّار العرب، فهم زعران فقط يهتمّون بالمال وبتنفيذ أوامر استخبارات عربيّة.
لكن هناك ما هو مريب في الفيلم: هناك نفحة 14 آذاريّة في السرد. يبدو أنّ المُخرج جالس يساريّين سابقين في حاشية الحريري لأنّ الفيلم ركّز على علاقة «كارلوس» بالاستخبارات السوريّة، فيما تجاهل علاقات أخرى له، وأغفل الرعاية الليبيّة. من الأكيد أنّ الفيلم أراد التركيز على الاستخبارات السوريّة أكثر من غيرها، مع أنّ الاستخبارات الليبيّة والعراقيّة كانت أقرب إلى «كارلوس» وإلى وديع حدّاد. ثمّ، لماذا لم يذكر الفيلم كلمة واحدة عن علاقة «كارلوس» بالاستخبارات السعوديّة وقيامه بتنفيذ مهمّات قتل لحسابهم؟ خالد خضر آغا، وكان ذا صلة وثيقة بالملك فيصل وبالاستخبارات السعوديّة، أشار لي إلى كرسي في منزله في بيروت وقال: على هذا الكرسي جلس «كارلوس» وجرع قناني «جوني ووكر» وهو يتباحث في أمر خدمة الاستخبارات السعوديّة. وقد نفّذ «كارلوس»، بناءً على شهادة خضر آغا، عمليّة اغتيال لمُعارض سعودي وتلقّى تحويلاً ماليّاً في حساب باسم السيدة «توتو» في رومانيا. فات كلّ ذلك رواية الفيلم.

لماذا التركيز على الاستخبارات السوريّة مع أنّ العراقيّة والليبيّة أقرب إلى كارلوس؟
ولماذا هذا التركيز في الفيلم على صدّام حسين حتّى عندما لم يكن معروفاً؟ أليس ذلك من أجل التأثير على المشاهد المُعاصر المُتأثِّر بما يعرف اليوم عن طغيانه؟ ولماذا لطّف المُخرج كثيراً من تصوير استخبارات أوروبا الشرقيّة، وخفّف من حميميّة علاقتها بـ«كارلوس»؟ يذكر قيادي بارز في الجبهة الشعبيّة كيف اشتكى له حدّاد في السبعينيات من سيطرة الـ«كي.جي.بي» على تنظيمه. ولماذا فات المُخرج أن يغطّي النقاشات الطويلة التي كانت تدور حتى في وسط تنظيم وديع حدّاد عن مسألة ضرورة تجنّب إلحاق الأذى بالمدنيّين (دون نفي حصول إلحاق ضرر بالمدنيّين والمدنيّات جراء أعمال أشرف عليها وديع حدّاد، وقد تنبّهت الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين لهذه المسألة عند النقاش الطويل الذي أدّى إلى قطع العلاقة التنظيميّة بين حدّاد والراحل الكبير جورج حبش). هذا لا ينفي أنّ الأعمال «الخارجية» ساعدت على وضع اسم فلسطين على الخريطة العالمية.
وهناك مسألة «ميشال مكربل». ليس من الهيّن أن تدرك أنّ السلطات اللبنانيّة قبضت على مكربل وسلّمته إلى السلطات الفرنسيّة بعد تعذيبه. لم يكن يقوم بأي نشاط في لبنان: كان كلّ نشاطه منصبّاً في أوروبا. لكن السلطات اللبنانيّة حتى عهد أمين الجميّل كانت سلطات عدوّة لكلّ المصالح العربيّة، وكانت أجهزة أمنها وجيشها واستخباراتها مرتهنة بالكامل لاستخبارات أجنبيّة مُتعاونة مع إسرائيل. السلطات اللبنانيّة كانت ترصد كلّ من كان ينشط ضد إسرائيل حتى لو خارج لبنان. إنّ عمل جول بستاني (أو جوني عبده بعده) يجب أن يصبح معروفاً للناس في لبنان، وفي خارج لبنان. كان «كارلوس» مُصرّاً على أنّ مكربل مشبوه، وكان يروّج لذلك أينما حلّ. كما أنّ مراجع إسرائيليّة أكّدت شبهات «كارلوس» عندما تحدّثت عن دور لمكربل في الوصول إلى بوديّة. الفيلم يصوّر مكربل مغلوباً على أمره، لكنّ الحقيقة ليست واضحة هنا. لم يكن من مصلحة الجبهة الشعبيّة الاعتراف بصوابيّة شكوك «كارلوس» في هذا الصدد.
تبقى مسألة تقويم عمل «كارلوس». لا شكّ أنّ الثورة جذبت متطفّلين ومغامرين ومجرمين ومرتزقة ومتهوّرين، كما أنّها جذبت ثوّاراً حقيقيّين (وحقيقيّات). آخر أعمال «كارلوس» كانت في بيان أخير له حيّا فيه بن لادن وأسبغ عليه صفات الثورة. من قرّر أنّ «كارلوس» هذا هو الذي يُصدر الأحكام في ما يتعلّق بالعمل الثوري العربي؟ ليس حتميّاً علينا أن نؤيّد مَن يؤيّد قضايانا عندما يسيء إليها.
هذا الفيلم يلخّص الدعاية الصهيونيّة. يجب التحقّق من كلّ سيناريو قبل مشاركة العرب فيه. أذكر في أوّل سنة دراسة جامعيّة في واشنطن أنّ مخرجاً كان يُفتِّش عن عرب شبّان للظهور في فيلم «بروتوكول» لغولدي هون (وكانت المكافأة اليوميّة نحو مئة دولار لمن يظهر في الفيلم). أتى للقاء الـ«كاستنغ» عدد كبير من الشبّان العرب في المدينة وواجهوا الفريق المُعدّ. وتم الاتصال بعدد من الذين اختيروا. اتصلت بي مديرة الـ«كاستنغ» لتخبرني أنّني بين مَن اختيروا. قلت لها إنّني لن أقبل قبل أن أقرأ السيناريو لأتأكّد من خلوّه من الإساءة للعرب. ضحكت وقالت لي: وهل تظنّ أنك ممثّل في الفيلم؟ نحن نريدكم فقط «كومبارس». أصررت على موقفي، فضحكت وانتهت المكالمة. المغرب بات خبيراً وعريقاً في استضافة أكثر الأفلام معاداة للعرب والإسلام، على نسق «إنديانا جونز» وغيره. لبنان، كالعادة، لا علاقة له بشؤون الحساسيّة للذات العربيّة. على العكس، لعلّ البعض في لبنان زها بالتعاون الذي بدا في الفيلم بين أجهزة الشرطة في لبنان ومصالح إسرائيل (في السبعينيات من العقد الماضي). لكنّه فيلم، فقط. أما الرفض العربي لوجود إسرائيل، فذاك حقيقة عنيدة. سجّل ذلك يا أساياس.
* أستاذ العلوم السياسيّة
في جامعة كاليفورنيا
(موقعه على الإنترنت:
angryarab.blogspot.com)