سمر محمد سلمان

عند كل استحقاق مفصلي .. يتجدد الشعور بالاغتراب الروحي والنفسي عن هذا البلد الذي أصبح بـ«فضل» بعض أبنائه «بدعة» بين البلدان. شعور مرير بالغربة، نتوارثه جيلاً بعد جيل .. وإحساس مر باللاانتماء يكبر فينا يوماً بعد يوم ويعرّج بنا في معارج اليقين بأنّ لبنان زائل ...
كل شيء في لبنان يدعونا إلى مفارقته .. مع أنّ كل شيء فيه يدعونا إلى ملاقاته ...
قد نرتضي أن تقسو هذي البلاد علينا وتلقي بنا في متاهات الرحيل .. قد نرتضي أن نجوع فيها ونعرى ... أن نحزن فيها ونشقى ... أن نُحرم نوراً يضيء حياتنا ... أو شربة ماء تروي ظمأ أجسادنا والحقول ...
لكننا لن نرتضي لبلادنا الجحود والنكران، لن نرتضي لها أن تنحر ذاتها، وتتنكر لمقاومة هي كل ما بقي لها من عنفوان وعزة ... مقاومة شريفة حررت أرضها وكرامتها وسعت جاهدة إلى تحرير إرادتها... مقاومة حوّلتها من موقع جغرافي صغير جداً يقصده كل راغب في المتعة واللهو، إلى وطن كبير، يقلب المعادلات السياسية في المنطقة، ويهزم الجيوش التي «لا تهزَم»، ويوقف زحف المخططات والمشاريع الدولية التي تستهدف أمنها واستقرارها ...
لن نرتضي لبلادنا أن تجحد روحها الوثابة التي أيقظتها المقاومة، فدبت الحياة في أوصال أرض تحولت من 10.452 كلم مربعاً إلى 10.452 معنى عميقاً وجديداً للوطن ... لن نرتضي لبلادنا أن تظلم فيها المقاومة التي لولاها، لظل لبنان خاضعاً، ذليلاً، أسيراً لموقعه الجغرافي على حدود كيان غاصب، استطاعت المقاومة اللبنانية وحدها أن تدرك مواطن الضعف فيه، لتصنع من قسوة هذه الجغرافيا تاريخاً مجيداً للبنان وللعرب ...
لن نرتضي لبلادنا أن تنشئ أجيالاً رضعت حليب الجحود وتغذّت على موائد التبعية والنفاق والتكاذب..
لن نرتضي لبلادنا أن تقف على الحياد بين الحق والباطل لتصبح، في نهاية المطاف، بلاداً لا ثوابت وطنية وأخلاقية لها، فيلتبس الحق على الناس، وتصبح المقاومة التي آوت ونصرت وحررت أشد خطورةً على لبنان من العدو الإسرائيلي الذي فتك وقتل ودمر ..
لن نرتضي لها أن تسمح لأقلام، تكتب بحبر تبعيتها، أن تتطاول على المقاومة وتسمّي سلاحها «بدعة»، هي التي ابتدعت كل الوسائل الماكيافيللية الممكنة لتواصل قهر اللبنانيين وسجنهم خلف قضبان «استحقاق» طال، ففاض حتى تجاوز الحق والمنطق والعقل والعدل والعدالة ...
«بدعة سلاح المقاومة» .. تعبير يثير الرعب لشدة خبثه وخطورته وما يضمره من «كلمات تحت كلمات»، ومن مسكوت عنه أشد بوحاً من المنطوق به. هو رسالة مزدوجة، الأولى واضحة، إلى المجتمع الدولي تقول إنّ ازدواجية السلاح في أي دولة من الدول بدعة غير قانونية وأمر غير مألوف، أمّا الثانية والأخطر، فلعلها لجهة تعرف جيداً ما لكلمة «بدعة» من أبعاد قد تستوجب التحرك لمنع «الضلالة» التي قد تسببها هذه «البدعة».
فهل هنالك ما هو أدعى إلى الحزن والأسى والغضب من هذا الكلام الخطير الذي ينضح خبثاً وحقداً؟ هل هنالك ما هو أدعى إلى الشعور بالاغتراب واللاانتماء من العيش في ظل واقع قادر على كل هذا الجحود؟
هل هنالك ما هو أكثر إيلاماً من ظلم ذوي القربى في بلاد باتت الخيانة فيها وجهة نظر؟
وهل هنالك من مفر، بعد هذا التحريض السافر، من رفع الصوت وتسمية الأشياء بأسمائها؟
فيا شركاءنا في هذا الكيان، الذي سمّته المقاومة وطناً، البدعة هي ما اجترحتموه من صيغ «فذة» يتحالف فيها القتيل مع القاتل، والغاصب مع المغتصَب .. البدعة هي ما تفتقت عنه قرائح بعضكم من نظريات ومصطلحات تلفيقية للمواءمة بين بقيةٍ من ماضي قناعاتكم «الشرقية» وحاضر مصالحكم «الغربية» .. البدعة في تلك «العروبة الحديثة» التي ابتدعتموها تناغماً مع «حداثة» المحافظين الجدد والليبراليين الجدد .. البدعة هي في اللعب على تناقض مزعوم بين ما سمّيتموه «ثقافة الحياة مقابل ثقافة الموت»، وهل تولد الحياة إلا من رحم الموت؟ هل تفنى البذرة إلا لتحيا الشجرة؟
البدعة هي في تحوّل البعض منكم من أمميّي الأمس إلى فئويي اليوم، ومن عابرين للطوائف والمذاهب إلى محرضين ورعاة لغرائزها.
البدعة هي في التغاضي عن تحول الوطن إلى ممرات ودهاليز آمنة لعبور الجواسيس والمؤامرات ومشاريع التقسيم والتفتيت والفوضى .. يغذّيها بعض من في الداخل، مردّداً في صلاته صبح مساء «أينما وجّهت وجهي فثمّ وجه أميركا ..».
البدعة هي في أن نحاكم المقاومين الذين حرّروا ونحمي شهود الزور الذين ضلّلوا .. البدعة هي في أن نحتكم إلى محكمة فيها الخصام وهي الخصم والحكم ..
أما السلاح .. الذي امتزجت خلاياه بدم الشهداء و عرق المجاهدين .. السلاح الذي شرب أفراح الدموع و أحزانها في عيون الأمهات .. فقد صوّب الوجهة وطهّر الأهداف منذ زمان بعيد، وبات الدليل الوحيد على النخوة والكرامة في هذا البلد ..
أما السلاح ... الذي حوّل الجنوب إلى واحة استقرار وأمان وبحبوحة بعد طول حرمان وإهمال وتخلٍّ، فقد ثبّت أقدام اللبنانيين في أعماق هذه الأرض وفي ثنايا تلك الجذور، وبات جزءاً أصيلاً من روحها ...
أما السلاح ... فقد أطاح أحلام العدو الصهيوني وأحلام حلفائه، وجعل فلسطين أقرب إلينا من أيّ وقت مضى ...
هذا السلاح ... يا شركاءنا في الوطن هو بالنسبة إلينا «سنّة» مؤكدة من سنن الله، ملائمة للفطرة البشرية السليمة، التي تدفع الإنسان السويّ إلى الدفاع عن النفس ومقاومة المحتل من دون تردّد، وبكل الوسائل الشريفة .. «وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم».
سلاح المقاومة «سنّة» عربية إسلامية إنسانية، أمّا المحكمة الدولية، فبدعة غربية سُرّبت في ليل واستباحت البلاد والعباد والسيادة، وخرقت القوانين والدساتير والأعراف، وخرقت حتى قانون إنشائها الذي يقتضي أن تعنى بجرائم الحرب لا باغتيال أفراد ..
البدعة يا شركاءنا في الوطن هي ذاك «اللبنان أولاً»، «الذي يستعد لتسليم إسرائيل رأس المقاومة التي، لولاها، لما صدّقنا يوماً أنه يستحق الحياة ...
سلاح المقاومة «سنّة» سنحميها برموش العيون ... فانتظروا «بدعة» القرار الاتهامي .. إنّا معكم منتظرون».