موسى عاصي*

من التهم التبسيطية التي تلصق بـ«حزب الله»، «الانقلاب» على الواقع اللبناني. وهو اتهام يفتقر إلى الحد الأدنى من شروط التدليل، حتى أن مطلقيه يبدون عاجزين عن تقديم البراهين لمسعاهم، سوى الانطلاق من الحراك الميداني الذي يقوم به الحزب أحياناً، والاستخدام، أو التلويح باستخدام القوة التي يمتلكها لتحسين وضعه السياسي، أو منع الخطر المهدد لوجوده.
لكن هذا «الحراك» يبقى في حده الأقصى مضبوطاً بحدود الحفاظ على الواقع اللبناني. ومسيرة «حزب الله» في هذا المجال لا تخرج عن حدود المحافظة على «الصيغة»، منذ بدايات تحوله إلى جزء من السلطة عام 1992، مع دخول ممثلين له الى المجلس النيابي، ومع الاتفاق الشهير الذي أُبرم بين الحزب والرئيس الراحل رفيق الحريري، القائم على مبدأ عدم تدخل الحزب بما يقوم به الحريري على مستوى الإدارات والمؤسسات والاقتصاد، مقابل عدم تدخل الحريري بعمل الحزب في المقاومة. فكان أول وأقوى اعتراف واضح وصريح من الحزب بـ«الصيغة» القائمة، التي مثّلتها سلطة الحريري الأب، وهي ليست سوى امتداد للواقع المعيش منذ قيامة لبنان عام 1943، والتي ثبّتها اتفاق الطائف، عبر توزيع جديد للسلطات، تبعاً لحسابات طائفية ومذهبية دقيقة وحساسة، تأخذ في الحسبان مصالح الطوائف كمرجعيات حصرية للمواطنين، بعيداً عن الانتماء الى وطن قائم على أسس المواطنة والمؤسسات الوطنية.
وأضاف «حزب الله» الى رصيده في الدفاع عن «الصيغة» مجدداً عام 2005، عندما اضطره الإخلال بالتوازن الطائفي لصالح المجموعات الأخرى، وغياب «منظِّم» علاقة توزيع الصلاحيات (سوريا)، بعد جريمة 14 شباط، الدخول مباشرة الى الساحة السياسية الداخلية.
في 8 آذار 2005، خرجت الى وسط بيروت حشود ضخمة من الطائفة الشيعية، تحت أعلام «حزب الله» وبعض التظيمات الموالية لسوريا. لم يكن الهاجس في حينه الاستيلاء على السلطة السياسية، أو رسم ملامح جديدة لشكل السلطة في لبنان يأخذ بالحسبان حجم الطائفة الشيعية وقوتها الجماهيرية الضخمة، بل المطلوب إعادة الاعتبار لحصة في السلطة السياسية، اعتقد أهل الشيعة أنها في طريقها الى التآكل مع خروج القوات السورية، والتلويح بعودة أشكال قديمة متجددة لهيمنة طائفة، أو عدة طوائف أخرى على البلاد، وهو اعتقاد ساعدت في بنيانه ثقافة تمددت بين الناس مثل النار في الهشيم، أخذت شكلاً عنصرياً رفعه خطاب بعض أقطاب القوى التي سميت لاحقاً «14 آذار»، حول ثنائية «الكمية والنوعية».
كان الهدف واضحاً، حتى في الوعي الجماهيري الطائفي للشيعة، أن المطلوب منع انهيار الامتيازات المفترض خسارتها مع الخروج المنتظر للجيش السوري من لبنان، والخوف من عزل هذه الطائفة وامتداداتها في المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، أدى الى حراكٍ أعاد الى التوازن الطائفي «بريقه» ووضعه من جديد على سكة «الصيغة» القائمة.
الى أن جاء السابع من أيار 2008، عندما اضطر «حزب الله» الى النزول مجدداً الى الشارع، وبقوة السلاح هذه المرة، منعاً لانهيار «الصيغة» لصالح القوى الطائفية الأخرى، على الرغم من أن العنوان الرئيس لهذه الحملة كان حماية المقاومة من الاستهداف، وهي المحطة التي تبدو في أذهان الكثيرين، وتحديداً خصوم «حزب الله»، مثل شاهد حيٍّ على محاولة الانقلاب على الوضع القائم.
كان بإمكان حزب الله في 7 أيار، أن يدفع خصومه الى أكثر من الدوحة، وربما كان الخصوم في حال من الوهن والتفكك يحملهم على الذهاب الى «طائف» جديد، يترجم فائض القوة لدى «حزب الله». لكن «حزب الله» بقي متمسكاً بالصيغة، فتوقف عند حدود اعادة شركائه في الوطن الى الشراكة الطائفية السائدة، فجرى انتخاب لرئيس الجمهورية بتوافق الطوائف كلها، خلافاً للتهديد الذي كان سائداً قبل 7 أيار، بانتخاب رئيس بمعزل عن الشيعة، وأنهى تفرداً من جانب حكومة الرئيس السابق للحكومة فؤاد السنيورة بالسلطة دام نحو سنة ونصف، على أثر خروج الوزراء الشيعة من الحكومة مطلع كانون الأول 2006.


كان بإمكان حزب الله في 7 أيّار أن يدفع خصومه إلى أكثر من الدوحة
ضخ اتفاق الدوحة الحياة من جديد في عروق «الصيغة»، وأنعش خيار حكومة الوحدة الوطنية، رمز الاتفاق الطوائفي القائم على اسس تقاسم السلطات وتحاصصها، وأحيا طاولة الحوار بمكوّناتها المختلفة – المتضاربة، ليس في السياسة فحسب، بل أيضاً وتحديداً، في موقع لبنان، ودوره في صراع المنطقة. وعلى الرغم من وجود مشروع سياسي آخر يعلن جهاراً رفضه الوجودي لمشروع «حزب الله» في المقاومة، اختار الحزب الشراكة مع هذا الفريق، وقاسمه طاولة حوار هدفها الاساس تحديد مسار ومصير مشروعه في المقاومة، وشاركه أيضاً حكومة يجلس وزراؤه ووزراء المشروع النقيض دورياً وجهاً لوجه، في حكومة ما يعرف بالوحدة الوطنية.
عام 1992، نفذ «حزب الله» انقلاباً على نفسه، فتخلص من ترسبات الاعتقاد بقيام «جمهورية اسلامية» في لبنان، وقدم اللبننة في مسيرته السياسية، ووظّف الارتباط بولاية الفقيه في خدمة قضايا لبنان، وتحول بعد مسيرة عقدين من الزمن الى حزب لبناني بامتياز. وقد ثبّت ذلك بوثيقته السياسية التي اعلنها نهاية عام 2009، عندما رأى استحالة إلغاء الطائفية السياسية في الوقت الحاضر، مشجعاً الحفاظ على ما يعرف بـ«الديموقرطية التوافقية» أسلوباً لحكم لبنان، فهو يتقاسم السلطة على أساس طائفي، مثله مثل أي حزب طائفي لبناني آخر، منح نفسه بطاقة الدخول الى المنتدى الطائفي لقيادة البلد على قدم المساواة مع الطوائف الأخرى، وتحديداً السنّة والموارنة. فشكّل مع البقية هذه «الصيغة» التي تحكم لبنان، وقد برهن في محطات عدة، ولا سيما في السابع من أيار 2008، أنه على استعداد للقتال من أجل بقاء «الصيغة»... لا الانقلاب عليها.
* إعلامي لبناني