علي غندور*

دخل لبنان بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري مرحلة جديدة من تاريخه المعاصر. من أهمّ سمات هذه المرحلة الصراع المذهبي (سني – شيعي) الذي حمل في طيّاته مفاعيل الصراع الإقليمي – الدولي على الساحة اللبنانيّة. تماماً كما هو الشأن الطائفي (الإسلامي – المسيحي) الذي ميّز كلّ مراحل تاريخ لبنان الحديث والمعاصر منذ أواخر القرن التاسع عشر إلى يومنا هذا، وكما هو الحال في كلّ مرحلة من مراحل تاريخ لبنان، كان لا بدّ أن تلعب طائفة من طائفتيه الرئيسيّتين دور اليسار المطالب بالتغيير بينما تُمثّل الأخرى دور الدفاع عن النظام وما يوفّره من امتيازات طبقيّة لبورجوازيي الطوائف. ويكون نتيجة الصراع في كلّ مرحلة الخاسر الأكبر هو لبنان الوطن ومشروع بناء الدولة القانون والمؤسسات.
ففي عام 1958، جاءت أحداث الحرب الأهليّة بفؤاد شهاب ومحاولته اليتيمة لمشروع إرساء دولة القانون والمؤسسات والتي انهارت قبل الوصول بها إلى نهايتها الحاسمة. وكان العامل الحاسم في انهيارها هو سلطة المكتب الثاني، هذا الجهاز الذي وُلد وساد وهيمن بسبب تمنّع الطوائف ورموزها ورفضها الانخراط في مشروع الدولة. بمعنى آخر فإن المشروع الشهابي هُزم بالنقاط أمام الطوائف.
كذلك فإن أحداث الحرب الأهليّة لأعوام 1975 – 1990، أنتجت اتفاق الطائف بعد إنهاك الطوائف بالاقتتال المرير الدامي والعبثي، هذا الاتفاق الذي حمل وعوداً واعدة بمستقبل زاهر للبنان... لكن، تمنّع الطوائف أفرغ الطائف من إيجابيّاته، لا بل جمّده وألغاه. واستمر البلد يُراوح في الجمود إلى أن وصلنا إلى اتفاق الدوحة الذي كان نتيجة لمواجهات متعدّدة كادت أن تودي بالبلد إلى التهلكة. احتلال وسط بيروت، محاولات إسقاط الحكومة، الاعتصامات والتظاهرات العنيفة، قطع الطرق الرئيسيّة وصولاً إلى أحداث السابع من أيّار.
إذاً، كان اتفاق الطائف بمثابة انتصار نهائي للمشروع الطائفي الذي يُبقي البلد بعيداً عن دولة القانون والمؤسسات. في الماضي، كانت الأحزاب اليساريّة تحمل مشروع إلغاء النظام بدعوى أنها تحمل مشروعاً بديلاً هو النظام الاشتراكي. أمّا اليوم، فإننا أمام هيمنة الطوائف التي يعمل كلّ منها على تدمير بنى الدولة لتحلّ محلّها وتُعيدنا إلى عهود العشائريّة والقبائليّة وصراع الأديان. وهنا مكمن الكارثة. أكثر من خمس سنوات مضت مليئة بالشحن الطائفي عبر خطاب زعماء الطوائف الموجّه ضد الدولة ومؤسساتها، بالإضافة إلى ممارسة على الأرض من قبل الجماهير المطيّفة. والنتيجة هي، بالإضافة إلى تطييف الشعب اللبناني، تربيته على الفوضى ورفض القانون وفكرة الدولة والتعامل السلبي مع مؤسساتها مثل قوى الأمن والجيش، وهما المؤسستان اللتان تعكسان هيبة الدولة، لكونهما منوطاً بهما تطبيق القوانين عبر استخدام القوّة المشرعنة. فقد تحولت هاتان المؤسستان إلى محامٍ أو حاكم صلح يُحاول الفصل بين المواطنين المتخاصمين بالسلاح. وكذلك تعلّم الشعب الامتناع عن دفع الضرائب أو التهرّب منها بالاحتيال وصولاً إلى نهب المال العام وسرقة المؤسسات (مياه، كهرباء...) وكذلك الاعتداء على المشاعات وضفاف الأنهار والشواطئ البحريّة.
حتى أصبحنا نرى طبقة تتكوّن في المجتمع من أثرياء المال العام تماماً مثل طبقة أثرياء الحرب التي ظهرت أثناء الأحداث السابقة. أمّا الحديث عن الرشى والسرقات على المكشوف والتي أصبحت الحديث اليومي للأفراد العاديين، فحدّث ولا حرج.
وأخيراً تألّفت بعد مخاض عسير حكومة ما يُسمّى بالوحدة الوطنيّة. حكومة لأول مرّة في تاريخ البلد تتمثّل فيها قوى سياسيّة وتمارس دور المعارضة. كما أن أطراف هذه الحكومة يتراشقون ويتبادلون التهم من العيار الثقيل، أقلّه العمالة، الفساد وهدر المال العام.


اتفاق الطائف هو بمثابة انتصار نهائي للمشروع الطائفي
وأخيراً، بدأنا نشهد عجز هذه القوى، سواء المحسوبة على المعارضة أو الموالاة. عجزها عن إقناع جماهيرها ومواطنيها وردعها عن التمادي بما ربّتها عليه سابقاً من سرقة المال العام ونهب أملاك الدولة والالتزام بالنظام العام. ففيما ترفع الضاحية الجنوبيّة لبيروت مثلاً شعار النظام من الإيمان، يبقى شعاراً فضفاضاً لا يكترث له أحد. لا بل يتمادى كثيرون في العمل على خرق القوانين سواء بالأبنية المخالفة أو سرقة التيّار الكهربائي أو سرقة المياه وكلّ الملكيّات العامّة. واليوم يُحاولون ثنيهم عن ذلك، لأنهم أولاً في موقع المسؤوليّة – نواباً ووزراء – وثانياً لأنهم يرون أن الكيل كاد يطفح.
وكلنا يرى ما يحدث في مختلف المناطق من احتجاجات شعبيّة نتيجة انقطاع التيّار الكهربائي والمياه. كذلك هناك ما يُشبه العصيان المدني يواجه وزير التربية بعد قرارات إغلاق بعض المدارس التي لا تتوفر فيها الشروط القانونيّة. وثمّة موظفون يسرحون ويمرحون ويعيثون فساداً في إدارات الدولة، جاءت بهم الوساطات والأساليب غير الشرعيّة من قبل زعماء الطوائف بعيداً عن الكفاءة والأهليّة.
النتيجة التي يواجهها مجتمعنا اليوم، هي أن الطبقة الطوائفيّة الحاكمة لم تعد قادرة على وضع حدٍّ للفساد المستشري، فالفاسد لا يُحاسب فاسداً. إنهم يقطفون اليوم ما زرعوه بالأمس بسياساتهم التعبويّة والمليئة بالشحن الطائفي. من زرع الشوك لا يحصد الورد.
* كاتب لبناني