حسام كنفاني

رجال السلطة الفلسطينية على أعصابهم بانتظار القرار الذي سيأخذه رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو. قرار سيعلنه محمود عبّاس انتصاراً لمطالبه التي على أساسها أعلن وقف المفاوضات المباشرة، أما غير المباشرة فكلام آخر. «فعلها محمود عبّاس»، هكذا يتخيّل الرئيس الفلسطيني رد فعل الشارع في الضفة الغربية والدول العربية إذا اتخذ نتنياهو قراراً بالتجميد الجزئي للاستيطان للشهرين المقبلين، رغم أن لا ناقة ولا جمل لأبو مازن في مثل هذا القرار. جل ما قام به هو «الفرجة» على الرئيس باراك أوباما وهو يقدّم الحقوق الفلسطينية على طبق من ذهب إلى نتنياهو من أجل ثمن بخس عبارة عن تجميد جزئي لا يغيّر من واقع الأمور شيئاً. كل هذا لينزل أبو مازن عن شجرته، ويعلن على الملأ أنه حقّق ما أراده، وأنه عائد إلى المفاوضات وفق الشروط التي أملاها.
هل هذا الكلام صحيح؟ بالتأكيد لا علاقة لمثل هذا الأمر بالواقع. هو نوع من نسج خيال سياسي باحث عن «نصر» ولو بالاسم.
لكن عن أي «نصر» نتكلم، هذا إذا صادقت حكومة نتنياهو على التجميد الجزئي كما حفلت وسائل الإعلام الإسرائيلية خلال الأيام الماضية؟ وبأي ثمن حقّق محمود عبّاس مراده؟
مراجعة بسيطة للضمانات والمعطيات الواقعية لـ«التجميد» المرتجى تشير إلى الخديعة الإسرائيلية – الأميركية الجديدة، التي يبدو أن الفلسطينيين يعرفونها ويقبلونها عن كل طيب خاطر.
فالمسؤولون الفلسطينيون يشيرون إلى أنهم بانتظار ما ستفعله الولايات المتحدة لوقف الاستيطان، ليكون بعده القرار النهائي الفلسطيني، والعربي، من موضوع المفاوضات. وبغضّ النظر عما تفعله واشنطن، فإن المهم هو الوصول إلى هدف التجميد. وعلى هذا الأساس فإن المسؤولين الفلسطينيين لم يعلّقوا كثيراً على حديث الضمانات الكثيرة التي تقدمها الولايات المتحدة إلى بنيامين نتنياهو.
لم يُدلِ أبو مازن بدلوه في حفلة «السخاء» الأميركي للحكومة الإسرائيلية، ولا سيما أنها لم تغرف فقط من الجيب الأميركي، بل جاءت على حساب المطالب الفلسطينية أيضاً. الإدارة الأميركية استبَقت المفاوضات، إذا استمرت، ووضعت محاذير لا يمكن الاقتراب منها، مادامت قد تعهدت لنتنياهو بها. فها هو غور الأردن بات خارج سياق الوضع البدائي أو النهائي، والوجود الإسرائيلي فيه سيكون إجبارياً، تلبية لرغبة نتنياهو، حتى لو كان عباس رافضاً لذلك. فالمطلوب اليوم هو تلبية مطلب التجميد، أما المطالب الأخرى فستسقط تباعاً. ولا بأس في تحقيق مزيد من رغبات نتنياهو؛ اليوم غور الأردن، وغداً المزيد من تبادل الأراضي وربما لاحقاً المياه والسيطرة الأمنية.
الكرم الأميركي لم يقف عند هذا الحد، بل التعهد يطال أيضاً منع المزيد من مطالب التجميد إذا أقر نتنياهو بوقف البناء في المستوطنات لشهرين سيخصصان لترسيم الحدود. لكن ماذا لو فشل الجانبان في التوصل إلى مثل هذا الاتفاق في الفترة المحددة؟ لم يُجِب التعهد عن هذا السؤال، لكن واقعه يقول إن الولايات المتحدة في الحال هذه ستعطي الضوء الأخضر لإسرائيل، أو على الأقل ستقف موقف المتفرج على استباحة الضفة الغربية استيطاناً وهدماً ومصادرة للأراضي.
إضافة إلى هذا وذاك، فهناك ضمانة التسليح، التي تشمل معدّات حديثة لضمان تفوّق إسرائيل، على اعتبار أن السلاح الذي تقدمه الولايات المتحدة للدول العبرية ليس كافياً.
هذا الجزء المعلن من الضمانات التي تحتوي، بحسب ما ذكرت الصحف الإسرائيلية، بنوداً سريّة تخفي المزيد من التقديمات والإغراءات لنتنياهو، الذي لا يزال متمنّعاً.
كل هذا في مقابل ماذا؟ تجميد جزئي للاستيطان لا يشمل القدس المحتلة، ولا يشمل الوحدات التي بدئ العمل على بنائها خلال الفترة التي انتهى فيها التجميد. عملية حسابيّة بسيطة تشير إلى أن عدد الوحدات التي يجري الحديث عنها تفوق الألفي وحدة، ما يعني أن «التجميد الجزئي» هو نفسه ما سبق أن عرضه نتنياهو قبل نهاية فترة تجميد الاستيطان وعرف وقتها بـ«الاستيطان المقلّص». ما سرّب حينها عن الاقتراح يتحدث عن تعهّد ببناء ألفي وحدة استيطانية خلال العام، أي أقل مما كان يتم خلال حكومة إيهود أولمرت، حين لم يكن وقف الاستيطان مطلباً فلسطينيّاً للاستمرار في المفاوضات أو الذهاب إلى أنابوليس أو الوصول إلى اتفاق إطاري أعلنه أبو مازن قبل فترة.
محصلة الربح والخسارة واضحة؛ بنيامين نتنياهو حصل على عروض أميركية سخية وهدايا ومكافآت لقبول اقتراح كان سبق أن قدّمه هو نفسه في واشنطن. لكن لا بأس ما دام ذلك يؤمّن لأبو مازن «انتصاره» على الاستيطان وعودته المظفّرة إلى المفاوضات.