كان خليطاً غير متجانس من طبقات اجتماعية شديدة التفاوت، ومن رؤى سياسية واجتماعية أشدّ اختلافاً، وبطبيعة الحال من مذاهب لم تجتمع يوماً إلّا على نقض بعضها البعض. ولكنّ ما وحّد تلك الجموع في ساحة واحدة هو ذلك الشعور الذي تتشارك به كل الكائنات، وهو الشعور بالمهانة والمذلة...


وقبل كل هذا بالقرف. فلقد استطاع القرف أن يعبر الزوايا المعتمة التي تفصل بين أبناء الكيان الواحد ويتخطى اختلافاتهم العميقة ليجمعهم في هتاف واحد وفي مسيرة واحدة طغت عليها للمفارقة صبغة «مدنية» واضحة، في مؤشرات ذات مغزى عميق لحضور لافت لبورجوازية متوسطة في مسيرة همّها الأساس مطالب معيشية يتحمل وزرها في الحقيقة الفقراء وأبناء الطبقات المسحوقة. لوهلة بدا أن المحتجين ينتمون إلى طبقة أخرى مغايرة تماماً لجموع البروليتاريا البائسة، حتى إن وجود الأخيرة في المكان كاد أن يثير حفيظة المنظمين والقائمين «بالثورة». فالتفاوت الطبقي كان فاضحاً في مشهديّة حفلت بالتناقضات، لكنّها تناقضات من نوع آخر بعيدة كلّ البعد عن تلك التي نعرفها والتي اعتدنا على تردادها في مجتمع طائفي مذهبي لم يتجاوز المفهوم البدائي للصراع، وهو القائم على أبعاد الانتماء الديني.
ما شهدته ساحة الشهداء في تتبع لتحركات المحتجين ونمط وطريقة تعبيرهم عن الغضب لا يترك مجالاً للشك في أن وسائل التعبير اختلفت باختلاف الطبقة والبيئة الاجتماعية وحتى الحيّ الذي يخرج منه المحتج، ثمّ إنّ مطالب العامة كانت تختلف وتتفاوت بالتفاوت الطبقيّ عينه، في وقت كانت فيه الإشارات المذهبية شبه غائبة. وهي مؤشرات بمجملها تشير إلى أنّنا أمام جيل جديد يحمل مفردات حديثة بعيدة كل البعد عن المنطق التقليدي السائد، في صياغة تتجاوز بكثير الخطاب السياسي المعروف وتتخطاه إلى رؤية حقوقية لا يلبيها إلا نظام مدنيّ حديث، وهو ما يضع التركيبة السلطوية برمتها في مرمى الغاضبين. فالطبقة المتوسطة الشابة الحالمة بـ«التغريب» والتي ترى في الليبرالية الغربية مثالاً يُحتذى به، لديها من الطموحات ما يدفعها إلى تحطيم القديم. بينما لا تجد بروليتاريا المعدمين إلّا الالتحاق بركب عشّاق التغيير، أملاً بتغيير الواقع بعدما يئس الفقراء من الانسياق في مسيرة لم تحمل لهم إلّا المزيد من البؤس، وهم يجرجرون سلاسلهم الثقيلة على أعتاب وطن لم يمنحهم سوى شرف التضحية والتضحية فقط. دائماً، ما هو غير متوقع يحدث تبدلات عميقة وجذرية في حركات التاريخ. وما يجري اليوم لا بدّ من أن يثير خوف وهلع «القديم». فمن المكابرة بمكان عدم الاعتراف بأنّ هناك انهياراً كبيراً يحصل في البيئة المؤسسة للسلطة وفي الجماعات التي تقوم عليها هذه السلطة، بل في الأسس ذاتها للنظام. وسيكتشف القائمون على هذا النظام أنّ هناك عطلاً ما خطيراً طرأ، وأنّ بعض الجمهور لن يستجيب للأوامر، فهناك إرهاصات تمرد والمنشقون قد أخذوا في بناء كيانهم، وهو كيان له من حظوظ البقاء والارتقاء الشيء الكثير. فليس لدى الجمهور ما يخسره سوى قيوده والكثير من القرف. فلقد أصبح هذا النظام خارج العصر تماماً بل خارج الخدمة، وليس عليه إلا الرحيل فهو في حالة موت سريري، لكنّه وفي نزعه الأخير سوف يستجدي البقاء وسوف يتوسّل بالمذهب طبعاً وباستدعاء كل الآلهة والقديسين وبما تبقى من «أوفياء» في معسكرات التجهيل. غير أنّه يبدو أنّ الرياح قد غيّرت اتجاهها تماماً والغضب الواعي يتأهب لمسلسل جديد من صراع بدأت تباشيره جليّة بوضوح وفي ساحة الشهداء بالذات، وهو الصراع الذي سيأخذ طريقه نحو حتمية تاريخية هي نهاية التاريخ.