من الأمور المعروفة أن بعض الدول الكاريكاتورية تنشئ مراكز بحثية، فقط للتباهي بأنه «لدينا مؤسسات بحثية»، تماماً مثل وضع نظام سير «مابعد بعد حداثي»، لكن لا يلتزم أحد به، ما يجعله مصدر زيادة دخل شرطة المرور المرتشية.

لقد حدث ما حدث في بعض بلاد العرب، فهل قرأ أحد، أو حتى سمع، بأن أياً من تلك المراكز والمؤسسات العتيدة توقعت تلك التطورات!

إن بعض ما حدث أخيراً في بعض البلاد العربية نتاج تراكم طويل وليس طفرة غير متوقعة - قد نستثني تدمير ليبيا من هذا حيث أيدي التآمر والشر العربية الناتوية/ الصهيونية واضحة في ما حصل وما آلت إليه الأمور هناك، من دون نفي مسؤولية المغدور عما آلت إليه البلاد. ربما علينا انتظار «ويكيليكس» جديدة حتى نعرف تفاصيل التآمر الأعرابي/ الناتوي.
كتبت عام 2009 أني سألت صديقة مصرية مناضلة عن آخر النكات السياسة في بلادها، فأجابت: «ما فيش نكات. دي حاجة خطيرة خالص ومعناه إن الثورة جاية. الحكومة عبيطة خالص إنها مش فاهمة إيه إللي بيجري في الشارع المصري. إللي حيحصل ثورة». وهذا ما حصل حقاً.
هكذا يكون إحساس المناضلين حاملي هموم الشارع وآلامه وعذاباته، ولم تكن ثمة حاجة إلى مراكز بحثية ولا بطيخ، ولا إلى أكاديميين، ولذا نحترم قرار صديقنا العزيز أيمن الصياد وقف إصدار «وجهات نظر» لأنها لم تتوقع ما حصل في مصر، مع حنيننا لتلك المجلة وافتقادنا، فقد كانت واحة في صحراء تحاصرنا تلتهم الأخضر واليابس.
لكن من الأمور المهمة للغاية أخذها في الاعتبار عند النظر في مراكز أو مؤسسات كهذه تدعي خدمة الثقافة وعالم الأكاديميا العلمي شخصيات المدراء، ذكوراً كانوا أو إناثاً، ومواقفهم الفكرية والسياسية. على سبيل المثال، من غير الممكن فصل عالم الثقافة في العراق ما بعد الاحتلال عن حقيقة أن وزيرها الذي عينته سلطات الاحتلال الأميركي عضو مكتب سياسي في الحزب الشيوعي العراقي! «المناضل» العتيد ضد الإمبريالية استحال إلى خادم لها، من دون ترك مقعده الحزبي، ويمتلك من بعد الوقاحة للحديث في الثقافة.
وكيف ننسى حقيقة أن عشرات المثقفين العرب، خصوصاً من معسكر أقصى اليسار ممن وضعوا ماركس ولينين وتروتسكي وغيفارا إلى يمينهم، استحالوا، من دون مقدمات، خدماً ومنظرين لرأس المال المتوحش، رأسمال النيوليبرالية التي نشأت في تشيلي الطاغية بينوشيه وبريطانيا مارغريت ثاتشر! هم لا يختلفون عن كبير السحرة الذي ادُّعي بأنه نبي الفكر العِلماني، فإذ به يكشف عن حقيقته عندما عرَّف نفسه أخيراً، بعدما بلغ من العمر أرذله، بأنه عثماني سني!
طبيعة شخصيات أدرات مراكز كهذه من الضروري تتبعها، لأنه من غير الممكن أن يصدق المرء، أياً كان، إن وجد في شخص ما تناقض بين الفكر والممارسة.
فعلى سبيل المثال، ما حكم مسؤول مؤسسة بحثية، ذكراً كان أم أنثى، الذي يصم الآذان عندما يتحدث في أهمية العائلة ومركزيتها في حياته، بل وينافس القحبة في بلاغتها عندما تحاضر في العفة، لكنه يحتفظ، كالمراهق، بعشيقة أو عشيق، أو كليهما، ليس فقط في كل بلدة يزورها، بل في كل غرفة من غرف مبنى المؤسسة! ويعد أجساد العاملات والعاملين ملكاً حصرياً. كيف يمكننا أن نصدق صحة أبحاث تصدر عن مؤسسات بحثية كهذه يقودها أو تقودها نوعيات كهذه.
مراكز كهذه في هكذا دول أقيمت للعاطلين من العمل، ولإرضاء هذا أو ذاك من البطانة وقوادي عالم الأكاديميا وتخريب ما لم يخرب فيه أصلاً، لخدمة النظام وطاعته على نحو مطلق، وليس لأي أمر آخر.
لكن أجهزة استخبارات غربية ترى أن بعض هكذا مراكز عربية أقيمت غطاء لاستقطاب إرهابيين إسلاميين وتمويلهم، وهو ما ستفصح عنه الأيام المقبلة.
هي حكاية لا تنتهي، لكننا نكتفي الآن بهذا.