لم تشكل النفايات يوماً أزمة للإنسان أو للبيئة. كانت جزءاً من الدورة العادية للطبيعة، تدوِّرُ نفسها بشكل آمن، سماداً للتربة أو غذاءً للحيوان. ولم يحدث أن كانت مصدراً للمعاناة. لكن خلال العقود الأربعة الأخيرة، مع تسيُّد النيوليبرالية، ومصادرة الأرض، ودَفعُ المزارعين والفلاحين إلى ترك الريف، والهجرة إلى المدن، تشكلت أحزمة البؤس، وتحولت القرى إلى تجمعات تشبه عشوائيات متناثرة، وأصبح الإنسان كائناً استهلاكياً غير منتج، وحوصر البشر بجملة ملوثات من المواد والأدوات الخطرة. من النفايات النووية والمركبات الكيماوية، إلى البلاستيك والأجهزة الإلكترونية، غير القابلة للتدوير.


انحدار مستوى الخدمات العامة المتواصل، ليس صدفةً، ولا جاء من خارج السياق، أو نتيجة لفراغ مواقع سيادية وأزمات حكومية أو تردي الأمن. هو يأتي ضمن مسار مدروس، لفرض المزيد من الخصخصة. ولتَكدُس أكوام القُمامة في شوارع العاصمة اللبنانية، هدف واحد هو فرض «الاستثمار» الخاص في القطاع البيئي. ربما يجد اللبناني نفسه، قريباً، مطالباً بدفع رسوم وضرائب إضافية، لشركات ستفوز بعقود جمع القمامة، وتدويرها، ثم بيعها له من جديد. تماماً كما تلوث نفايات الشركات والمصانع، مياه الأنهار والمياه الجوفية الصالحة للشرب والري، لتحرم المجتمعات منها، ثم تقوم الشركات نفسها، أو متفرعاتها، بتنقية المياه، لتبيعها لاحقاً للمستهلكين، في واحدة من أكبر عمليات التخريب والاحتيال. أزمة النفايات في لبنان، أحد مظاهر غزوة الخصخصة، حيث أنتج تحالف رأس المال والسلطة وزعماء الطوائف، المرتبط بالأجنبي، واحدة من أسوأ صور النيوليبرالية، وأكثرها تخلفاً ووحشية.


انحدار مستوى الخدمات العامة ليس صدفةً ولا جاء من خارج السياق


النيوليبرالية، استراتيجية اقتصادية واجتماعية و»ثقافية»، تشبه استراتيجية التوتر في الأمن والسياسة، التي تعتمد إثارة الاضطرابات الأمنية والعسكرية وتدبر الانقلابات والاغتيالات في الدول، لتوصل المجتمعات إلى حافة الهاوية، فتسيطر حالٌ من الإذعان، تدفع المجتمع للقبول بأي حل وأي إدارة توقف الانهيار وتحفظ وجوده. الأزمات عنصر أساسي وحاسم في آليات الليبرالية الجديدة. وأبرز معالمها، عنصرا الصدمة وإثارة الذعر. ويقومان على اختلاق الأزمات الحادة والكوارث الاقتصادية والاجتماعية والحروب، تمهيداً لهدم اقتصاد «دولة الرعاية»، وترك الخصخصة تتمدد، والشركات الكبرى تتسلل، لملء الفراغ الذي يخلفه الانهيار، من دون عوائق أو أكلاف. ولتثبيت سيطرتها، تمرر هذه الشركات قرارات مؤلمة وقوانين خطرة، بعد «إقناع» المجتمع بأهميتها وجدواها وضرورتها، فتوسع هيمنتها على الاقتصاد ثم على المجتمع، لتفرض نظامها السياسي والثقافي. وبدل أن «يتسع هامش الحرية» تتغوَّل الدولة وتصبح أداة قمع أو جابيَ فواتير لحساب الشركات والمؤسسات المالية والدول الكبرى.
النيوليبرالية، مجموعة سياسات اقتصادية تقضي بتحرير السوق كلياً، وتفرض تقليص دور الدولة في الاقتصاد، وترفض تدخلها بما يتجاوز حدود حفظ الأمن وحماية الملكيات الخاصة، باعتبارها «رب عمل سيئ»، إذ كلما زاد تدخلها في الاقتصاد، زادت سيطرتها على الأفراد. وتعتبر أي دور اقتصادي للدولة عائقاً أمام تطور السوق ونموها.
أهم عناصر النيوليبرالية:
1- إلغاء الحدود السياسية والجغرافية والثقافية والقومية، وفتحها أمام تدفق السلع والعمالة، من دون إجراءات حماية قانونية للعمال وللسلع المحلية، ما يتيح لرب العمل (وهو غالباً الشركات متعددة الجنسيات) التحكم بالعلاقة مع العامل والمستهلك، فتنهار النقابات وجمعيات حماية المستهلك، وتسود ثقافة الاستهلاك، وتتراجع القيم والقدرة على التمييز، وتتغير طبيعة القوى والتجمعات السياسية، وتصبح أضيق وأكثر شراسة. يتصادم أصحاب المصلحة الواحدة والمهنة الواحدة، فتتقاسم القوى المتصارعة والمتناقضة ولاءاتهم. ففي غياب الدولة الراعية، ترضخ الجموع وتلجأ الى الزعامات الطائفية والقبلية وأصحاب رأس المال، بحثاً عن الحماية والمنفعة. وهو ما يمكن تحالف الدول والشركات والمؤسسات المالية الدولية الكبرى، و»الزعماء» المحليين من إنتاج ثقافة جديدة، وإعادة تشكيل العقول، وتعليب الأفكار، بل والتدخل في خصوصيات المجتمع وعقائده وطريقة عيش أفراده، فيعيدون تدويره بحسب ما تقتضيه مصالحهم، لاستخدامه في مشاريع وبرامج، جديدة ومتجددة.
2- تخفيض، أو وقف، الإنفاق الحكومي على القطاعات الخدمية الأساسية مثل التعليم، والصحة، والطاقة بأنواعها، وصناديق الضمان الاجتماعي، وعلى المواصلات والاتصالات، وغيرها. فتسوء الخدمات وترتفع الأسعار وتنخفض القيمة الشرائية للرواتب مهما ارتفعت، وتزيد نسب البطالة والفقر لدى قطاعات اجتماعية واسعة، بالتوازي مع تضخم ثروات الأثرياء. والنتيجة هي وقوع جمهور «المواطنين»، وخصوصاً الفقراء، تحت ضغط البحث عن حلول لمشاكلهم، وغالباً ما يفشلون، فتدفعهم الآلة الإعلامية ونمط الحياة الاستهلاكي السريع، إلى الاعتقاد بأنهم مسؤولون عن فشلهم وفقرهم.
3- لا تحتوي النيوليبرالية على أي منظومة قيم، فهي معنية بتحقيق النمو الاقتصادي فقط، من دون الالتفات إلى نتائجه، وإضراره بفئات اجتماعية واسعة. الربح هو القيمة المطلقة، وليس ضرورياً أن يحقق النمو هدفاً، هو بذاته الهدف، حتى لو رافقه ارتفاع معدل الفقر ونسبة الفقراء، وتعرضت للخطر أسس الاقتصاد وتطوره في قطاعات الإنتاج الحقيقي القائمة على النشاط الإنساني، المرتبط بالزراعة والصناعة والصناعات التحويلية وبالمعرفة واقتصاد المعلومات.
إذا كانت الخصخصة صالحة في بعض المراحل، في بعض القطاعات، فإنها قطعاً لا تصلح في قطاعات الخدمات العامة. عندما تتفاقم الأزمات الاقتصادية في «دولة المنفعة العامة» أو «دولة الرعاية» نتيجة إخفاق عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتتراكم ديونها وتعجز عن السداد وخدمة الدين العام، تلجأ إلى الاقتراض من الدول الغنية ومن المؤسسات المالية الدولية. فتفرض هذه الأخيرة، شروطاً قاسية، أساسها خصخصة المشاريع الكبرى وقطاعات الخدمة العامة، التي تباع لمستثمرين أجانب أو محليين، مرتبطين غالباً بالخارج. وبعض هذه القطاعات استراتيجي، مثل التعليم، الذي تعني خصخصته إدخال النشء عالم القطعان، بدءاً من الزي الموحد، مروراً بطرق التفكير، وانتهاءً بالنظرة إلى الآخر والعالم.
في التعليم المخصخص يتدنى مستوى التعليم وترتفع الكلفة، وتصبح الربحية الأساس والهدف، وتتفلت المؤسسات من الرقابة، وتتحكم المدارس بأسعار الكتب ومحتواها، وأسعار القرطاسية وكل مستلزمات الدراسة. كما تنشأ مستويات متفاوتة من التعليم والقدرة على التحصيل. يحظى أبناء الطبقة الثرية بمستوى عالٍ من التعليم، بينما يحصل أبناء الطبقات الأدنى والفقراء، بشق الأنفس، على مستوى متدنٍ وسطحي، بحيث يصعب ردم الفجوة بين النخب الاقتصادية والاجتماعية، وبين عموم المجتمع، وربما تتسع. كان الهدف من الزي المدرسي الموحد، إلغاء الفوارق الطبقية والدينية والقومية بين التلاميذ. لكن الهدف في عالم النيوليبرالية، مختلف. الفوارق الطبقية واضحة، فلكل طبقة مدارسها وكتبها ومستوياتها وطرق التعليم الخاصة بها، ولكل طائفة وقومية مؤسساتها التعليمية والتربوية. الزي الموحد هو العلامة الفارقة «للقطيع» وللمؤسسة التي ترعاه إلى «معتلفه».
في الصحة، تتعمد، أو تضطر، الدولة إلى خفض الإنفاق على هذا القطاع، فينخفض مستوى الخدمات والرعاية الصحية، وتبدأ المستشفيات والمراكز الصحية الحكومية بالتلاشي، فيما تتكاثر نظيراتها الخاصة، وترتفع فاتورة الطبابة والاستشفاء، وتعجز صناديق الضمان الاجتماعي عن تسديدها، او تفتعل العجز. تتقدم شركات التأمين، لاقتناص الفرصة، ولا يجد الأفراد والأسر والمؤسسات بديلاً منها، لتتحكم مع المستشفيات بالأكلاف والأسعار، فتتراكم نفقاتٌ إضافية على كاهل المواطن المثقل أصلاً. وهنا، مجدداً، تحظى النخب الاقتصادية والأثرياء برعاية صحية من الدرجة الأولى، فيما يترك أبناء الطبقات الأدنى نهباً لكل مساوئ المستشفيات وشركات التأمين. والأخيرة بدأت التسرب إلى الجيوش، أبرز رموز السيادة. كانت هذه المؤسسة هي الضامن لعسكرييها ولذويهم، في حال الإصابة، أياً كانت، وأياً كان سببها ونتيجتها. اليوم، بدأت تلك الشركات في وضعهم على لوائحها في كثير من الدول، ليتحول العسكريون إلى أرقام، أو مجرد موظفين مهجوسين، لا بخدمة البلاد، بل بشروط تلك الشركات، التي تتحكم في حجم الضمان والتعويض، وقد تلغيهما لأتفه الأسباب. أما في الأمن، أمن المؤسسات الرسمية والخاصة، والشركات، وحتى أمن المواطن، فالشركات الأمنية والمقاولات الأمنية (يديرها غالباً رجال السلطة ورجال الأعمال ووكلاء الأجنبي)، تجاوزت مرحلة التجربة، وأصبحت واقعاً، وهي تتمدد وتتكاثر، وتشارك في صياغة القوانين وصناعة القرارات الأمنية. أبرز النماذج في المنطقة شركة «بلاك ووتر» في العراق والشركات الأمنية الخاصة في لبنان. كل ذلك بعيداً عن الدولة وفي غيابها. لا فرق في عالم النيوليبرالية، بين السيادة ومكبات القمامة، وبين التعليم وتدوير النفايات، وبين ومعالجة المرضى ومعالجة المياه المبتذلة. هي سوق يحكمها تاجر يبيع في متجره الأحذية والكتب والخردة ولوحات رسامين عالميين، ولا يميز بينها، إلا بكلفة الشراء وسعر البيع ونسبة الربح.
* صحافي لبناني