قبل اندلاع تظاهرات الاحتجاج والغضب العراقي، في ساحات وشوارع أغلب المدن العراقية، ورفع شعارات: مكافحة الفساد، وتوفير الخدمات، وإصلاح النظام السياسي والعمل على التغيير الشامل فيه، صدرت تقارير، ووثائق، عن أعداد مليارية في الكثير من المجالات، تنمّ عن أعمال مدبرة للنهب، والاستغلال على حساب المصلحة العامة للشعب العراقي، ولا سيما الطبقات الفقيرة، والفئات المهمّشة في المجتمع. وبالتأكيد منحت التظاهرات الشعبية فرصة أكبر للفضح، والكشف، وهو الأمر المطلوب باستمرار، ومحكّ كلّ سلطة، ونظام سياسي.


مضحك أو مبكٍ كشف هذه الأعداد، واحتساب قيمتها، وأثرها في الاقتصاد والتنمية والتقدم في العراق. الأكثر كارثية حين تقرن هذه التصرفات بأسماء وزراء، أو بمن هم بسويتهم، وشخصيات تتصدر الواجهة في المشهد السياسي، أو العملية السياسية التي جاء بها الاحتلال، ووضع فيها ألغامه وتهديداته، المعلومة والمجهولة. وقد يكون الأمر أكثر تعقيداً إذا عرف أنّ ما يتسرّب، أو يُنشر علناً، هو رأس جبل الجليد، وأنّ ما خفي عظيم، فيصبح الأعظم منه كارثة وطنية بكلّ المقاييس.
فبعض ما نقلته فضائيات ووكالات أنباء، والمقارنة بين وقائعها، والصمت عنها طيلة الفترة الماضية، منذ عام 2003 حتى اليوم، يفضح كلّ من شارك فيها بكل الأشكال، ممارسة أو غضّ نظر، أو مجاملة مرفوضة. لماذا السكوت عنها؟ ما علاقتها بما يتعرض له العراق؟
العراق هو في مواجهة تحديات متعددة، داخلية وخارجية، أبرزها الإرهاب الأسود الذي يضرب أطنابه، ويمارس سطوته على مناطق واسعة من أرضه. البيئة الحاضنة للإرهاب تتمدّد وتتوسّع داخل العراق وخارجه. أحياناً تُفصح عن نفسها بكل صلافة وعدوانية، فتتلبس لبوساً مختلفة. قد تأخذ غطاء مشابهاً لها، أو مغرياً حتى لمنظمات دولية تحمل أسماء الدفاع عن حقوق الإنسان والطوائف والإثنيات.


أهدرت الحكومة السابقة نحو تريليون دولار على المنح والمساعدات
يفرق بينها، طبعاً، المصدر والمموّل، والتوجهات التي تديرها جهات بيدها القرار والمال والمسار الخاطئ، والمشوه للحقيقة، والوقائع الدامغة لمن يريد أن يكون إنساناً سوياً، ومواطناً مخلصاً لبلده وشعبه، ونزيهاً للمصالح الوطنية والشعبية.
تقول تلك المصادر الإعلامية، التي تدور حولها ألف علامة استفهام، عن أهدافها وتوجهاتها واهتمامها بما يجري، بخاصّة في العراق، إنها تنقل ما كشفته وثائق رسمية حصل عليها برلماني عراقي سابق قبل أشهر (؟) عن حجم الإنفاق الضخم في العراق، الذي تخصّصه السلطة التنفيذية لحماية الرؤساء الثلاثة، والنواب، والوزراء، (وهنا سؤال كبير عن مصداقية القناة وأصحابها!). وفي اتصال لإحدى القنوات الفضائية، قال النائب السابق، وائل عبد اللطيف، إن تكلفة حماية المسؤولين تستنزف ميزانية الدولة النفطية، حيث أظهرت وثائق حصل عليها، أن أكثر من 6 مليارات دولار تُهدر سنوياً تحت بند تغطية مصاريف «الجيوش» المكلّفة بحفظ أمن السياسيين. وتلفت القناة، إلى أن هذه الوثائق، التي يؤكد عبد اللطيف أنها بحوزته، تقتصر على الفترة الممتدة ما بين الـ 2008 والـ2014، وهي لا تكشف عن حجم الهدر الذي استنزف خزينة الدولة بعد عام 2003. وبحسب ما نقلت القناة عن عبد اللطيف، الذي كان عضواً في مجلس الحكم الذي تولّى إدارة العراق من الـ2003 إلى الـ 2004، فإن حجم الإنفاق، على القوى المكلّفة بحماية الشخصيات، ذهب بمعظمه في السنوات الثماني الماضية إلى رئيس البلاد، ورئيس البرلمان، ورئيس مجلس الوزراء، ونوابهم.
القناة في تقريرها، تكشف أنّ حصاد السنوات المذكورة قد بلغ 48 مليار دولار أميركي، وهو رقم يعادل ميزانيات بعض الدول، ويشير إلى الفساد الذي أنهك القطاع العام، وانعكس على الخدمات الأساسية. في السياق نفسه، وردت في تقرير، بُثّ على قناة أخرى، تفاصيل عن حجم القوى البشرية المكلّفة بهذه المهمّة، حيث خصّص أكثر من 5000 عسكري لحماية الرئيس، (من البشميركة) و1500 آخرون لحماية رئيس الحكومة ونوابه، وأكثر من 400 شخص لحماية رئيس مجلس النواب ونوّابه، والعدد نفسه لبعض المسؤولين الآخرين والمحافظين.
بالنتيجة، تصبح التكاليف طائلة لهذه الأعداد. يُضاف اليها المخصّصات الاستثنائية لكل الرئاسات والهيئات ومؤسسات الدولة والمتقاعدين منهم، ورواتب النواب والوزراء ومستشاريهم ومساعديهم. المجموع يستنزف خزينة الدولة وميزانيتها، التي أعلن أخيراً رئيس الوزراء عزمه إلغاءها، ووافق عليها مجلس النواب، وتنتظر التنفيذ، وما ستواجهه من مجابهات وتحديات!
من جهة أخرى، كشف نائب رئيس الوزراء العراقي لشؤون الطاقة السابق، بهاء الأعرجي، المشمول بإلغاء وظيفته، والمتهم بالفساد، في مؤتمر صحافي عن هدر حكومة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي نحو تريليون دولار. ونقلت صحيفة تصدر بالعربية في لندن (تاريخ 3/8/2015) عن الأعرجي قوله إنه مع تصاعد وتيرة التظاهرات ضد سوء الخدمات، خاصّة الكهرباء، «لا بدّ من وضع النقاط على الحروف، وتتمثل في أنّ الحكومات السابقة لم تكن لديها استراتيجية، سواء على صعيد نصب المحطات، أو نوعيتها، ونقل الطاقة وتوزيعها، أو على مستوى الاستثمار الذي لم تكن تؤمن به الحكومة السابقة، بينما نحن الآن بدأنا بالاستثمار في محافظات عدّة». وأضاف الأعرجي: «لقد أهدرت الحكومة السابقة نحو تريليون دولار هي عبارة عن 800 مليار دولار موازنات العراق النفطية، منذ عام 2004 وحتى الـ2014. بالإضافة إلى نحو 200 مليار دولار منحاً ومساعدات»، مُتابعاً أنه «لا توجد حسابات ختامية حتى نعرف كيف أنفقت، ولا يوجد إنجاز على الأرض حتى نتلمس تلك الأموال». من ناحية أخرى، يرى الأعرجي أن « المشكلة الوحيدة التي يعانيها رئيس الوزراء حيدر العبادي هي أنه يريد أن يعمل، ولكن لا أحد يقف معه أو يسند ظهره»، (انتهى اختيار الصحيفة لما ورد في مؤتمر الأعرجي).
أما في بيان وزير النفط، عادل عبد المهدي، فقد وردت أرقام أخرى للميزانية، وتقديرات للفساد الشخصي والرسمي، وكلها تخلص إلى أن يكون العراق في أدنى درجات سُلّم الدول المتفشي فيها الفساد، بحسب معدلات تقييم المنظمات الدولية المختصّة. (بموجب «منظمة المسح الدولي» و«الشفافية الدولية» فإن العراق يحتل المرتبة السادسة، أو السابعة ما قبل الأخيرة بدرجة 16 من أصل 100 دولة).
في السياق ذاته، كشفت لجنة النزاهة في مجلس النواب، في 16 آب الحالي، عن تقديمها أكثر من 90 ملف فساد إلى الادّعاء العام، فيما أظهرت أن الملفات تدين وزراء حاليين وسابقين. وصرّح عضو في اللجنة أنّ «هيئة النزاهة قدّمت، كوجبة أولى مؤخراً، 99 ملف فساد إلى الادعاء العام العراقي، توزعت على وجبتين، ضمّت الوجبة الأولى 60 ملفاً، والوجبة الثانية 33 ملفاً»، كاشفاً أنّ «الملفات تتعلق بالكهرباء، والسياحة، والعقود الوهمية، والتسليح، وأمانة بغداد»، (تلاحظ الأرقام، وجمعها، وسهولة التصريح بها).
اللافت للانتباه هو ما أعلنه المتحدث باسم وزارة التخطيط، في 17 الشهر الماضي، عن ارتفاع معدّل خط الفقر خلال العام الماضي، ذاكراً أنّ «هذا الارتفاع جاء في ظلّ أزمة النزوح في العراق، وانخفاض أسعار النفط. وهنا نتحدث عن وجود أكثر من 3 ملايين نازح. والأزمة في العراق اليوم مزدوجة، أمنية واقتصادية». وقال إن «هذه الشريحة تتركز في المحافظات الجنوبية، وتحتلّ المراكز الأولى بمؤشر الفقر، لا سيما في محافظتي المثنى والديوانية، وتليها المحافظات الأخرى في الوسط والجنوب. أمّا في إقليم كردستان، فهي بنسب أقل بكثير ممّا هي في باقي المحافظات، لاستقرار الأوضاع فيها. ولكن بعد موجة النزوح الأخيرة، قد تتغير هذه المعطيات، وتتركز هذه المعدّلات في أماكن أخرى».
ما تقدّم هو معلومات رسمية، أو شبه رسمية، وهي وقائع مكشوفة أو مفضوحة. هنا تتوالى الأسئلة، والخلاصة فيها. ماذا تعني الأعداد المليارية في العراق اليوم؟ لماذا السكوت عنها؟ ومن هو المسؤول؟ هذه هي حال المواطنين، بخاصة الطبقات الكادحة والفقيرة، وحتى الوسطى. إلى متى ستظلّ سياسات الاحتلال، والنفوذ الاستعماري، ومن يتخادم معها، تتحكّم بإدارة العمل السياسي والاقتصادي في العراق؟
* كاتب عراقي