فرج الأعور *

جاء اشتباك برج أبي حيدر بين حزب الله والأحباش في شهر آب المنصرم بمثابة إعادة لحلقة قديمة من مسلسل اشتباكات الزواريب البيروتية التي كانت تحدث على نحو شبه يومي أثناء الحرب الأهلية، وخاصة في منتصف الثمانينيات، في الفترة التي تلت الاجتياح الإسرائيلي و«انتفاضة» 6 شباط التي انتهت بعودة الجيش السوري إلى بيروت في عام 1986.
وإذا كان بعض المواطنين ما زالوا يتمتعون بإعادة بعض المسلسلات المحلية القديمة المرة تلو الأخرى على تلفزيون لبنان، فإن جميع الناس أصيبوا بالهلع من إعادة هذه الحلقة بالذات، التي تحولت إلى فيلم رعب في أذهان الذين حضروها، سواء مباشرة أو على الشاشات، ليس فقط لأنها ذكّرت هؤلاء بفترة مشينة من تاريخ البلد بل لأنها مثّلت أيضاً «مسطرة» لما يمكن أن يحدث إذا وقعت الفتنة المذهبية المنتظر أن يؤدي إليها صدور القرار الاتهامي «الموعود» من المحكمة الدولية.
والهلع المذكور أعلاه زاد عليه الحزن والأسى اللذان ألمّا بالجمهور الحريص على المقاومة في لبنان وعلى صورة هذه المقاومة لدى الرأي العام في لبنان والوطن العربي (ولا نعني هنا الجمهور المذهبي اللصيق بحزب الله، بل الجمهور العريض العابر للطوائف). والحزن والأسى لم يأتيا من حادثة الاشتباك بحد ذاتها بقدر ما أتيا من الطريقة التي تعامل حزب الله بها مع الحادث والطريقة التي اتبعها «لحل المشكل» وتبعاته.
فقد تعامل الحزب مع الاشتباك وكأنه خلاف بين فريقين (حليفين؟) لا علاقة لسكان بيروت والمواطنين اللبنانيين والرأي العام به. فعُقدت اللقاءات، وأجريت المصالحات، وأُلّفت اللجان المشتركة بين الحزب والأحباش، واتُّفق على دفع التعويضات للمتضررين، وانتهى الأمر. أما البشر الذين أذهلهم منظر الرصاص والقذائف الصاروخية، سواء في برج أبي حيدر أو على شاشات التلفزيون، فلم يتوجه إليهم أحد من الحزب بكلمة سوى الدعوة إلى التقليل من أهمية ما حدث وإلى نسيانه وكأنه لم يكن.
وممّا يدعو للعجب أيضاً، أن حزب الله بدا كأنه متفاجئ بمسارعة رئيس الحكومة سعد الحريري لاستغلال ما حدث من خلال قيامه بزيارة جهة واحدة من سكّان برج أبي حيدر وأخذ الصور معهم أمام سياراتهم ومحالّهم التجارية المدمرة وأداء صلاة الجمعة، بإمامة المفتي، في المسجد المحروق في المنطقة. ويبدو أن المفاجأة حدثت لأن سعد الحريري قرر عدم ترك الفرصة الشديدة الإغراء، فخرج على قوانين اللعبة الجديدة المُتفق عليها والتي استجدت بعدما انتظمت زياراته الدورية إلى دمشق على خطى والده من قبله. علماً بأن الحزب يجب أن يدرك أن الزيارات الدورية لدمشق لا تلغي وجود فريقين متصارعين في البلد، واحد يريد استمرار المقاومة وآخر يريد الخلاص منها بأي ثمن.

المعركة الدائرة حالياً بشأن المحكمة الدولية هي معركة على صورة حزب الله
وارتبك الحزب مرة أخرى في مواجهته شعار «بيروت منزوعة السلاح» الذي أطلقه سعد الحريري وفريقه إمعاناً في استغلال وقوع الاشتباك. فبدل الرفض المطلق للشعار (الذي يلقى قبولاً لدى الرأي العام)، بداعي الجهوزية بوجه إسرائيل، وإعطاء الحجة للفريق الآخر لتكرار محاولة الخلط بين سلاح المقاومة والسلاح «الشوارعي» المنتشر لدى «حلفاء» المقاومة، كان على الحزب المسارعة إلى رفض التفرقة بين بيروت وباقي المناطق اللبنانية وتطوير الشعار إلى «لبنان منزوع السلاح». وكان على الحزب أيضاً المبادرة إلى طرح نزع السلاح «الشوارعي» من جميع الأطراف، ومن الفريقين المتصارعين في البلد على حد سواء. بل كان يمكن الحزب لو أراد أن يستعيد الرأي العام فعلاً، أن يبادر إلى النزع الفعلي للسلاح «الشوارعي» من أفراده غير المنخرطين في المقاومة أولاً، ومن حلفائه ثانياً، والإبقاء فقط على سلاح المقاومة. وللّذين يستهْوِلون هذا الأمر، نسأل هل المقاومة بحاجة فعلاً إلى سلاح «شوارعي» سواء في أيدي أفراد من حزب الله، أو في أيدي «الحلفاء» من أحزاب وحركات وجمعيات وسرايا و«لجان عمل مقاوم» في مختلف المناطق اللبنانية؟ والجواب عن هذا السؤال هو، حسب اعتقادنا، النفي. ومن المفيد التذكير هنا بأن هذا السلاح تحول إلى عبء في 7 أيار عندما حاول الحزب استعمال بعض حلفائه كواجهة في بيروت وبعض المناطق.
وبمناسبة الكلام عن 7 أيار، يجب التذكير بأن على حزب الله، كي يتخلّص من صورة «البعبع» المذهبي التي التصقت به، أن يتحول إلى ضامن للسلم الأهلي في البلد بالاشتراك مع الجيش اللبناني. لا بل إنّ وأد الفتنة المذهبية، التي يجري الحديث عنها كثيراً هذه الأيام، يستلزم أخذ الحزب هذه المسؤولية على عاتقه بمنتهى الجدية. ويبدأ هذا الأمر باتخاذ الإجراءات الداخلية التي تضمن عدم إمكانية اشتراك أي من أفراده أو مجموعاته في اشتباك مماثل لاشتباك برج أبي حيدر في المستقبل وفي أي ظرف من الظروف.
وتكمن الأهمية الشديدة لهذا الأمر من واقع أن المعركة الدائرة حالياً بشأن المحكمة الدولية هي برأينا معركة على «صورة حزب الله». فالهدف الأساسي لمُدَوْزني حركة المحكمة، من أجهزة استخبارات غربية (أو بالأحرى أميركية وإسرائيلية)، هو نزع صورة المقاومة الفعّالة بوجه إسرائيل عن الحزب، وإلصاقه بصورة الميليشيا المذهبية المتقوقعة على نفسها والجاهزة لضرب المذاهب الأخرى في لبنان. أي بمعنى آخر، عزل الحزب عن الرأي العام اللبناني والعربي، وحصر الجمهور الحاضن للحزب في الوسط الشيعي فقط. والخطر في هذا الأمر هو مساهمته في تحويل إيران إلى العدو الأساسي في نظر الشارع العربي بدلاً من إسرائيل، وهو ما تعمل عليه أجهزة الاستخبارات المذكورة ليل نهار.
ومن المؤكد أن الذين هم وراء المحكمة الدولية لا يطمحون لسوق قيادات حزب الله إلى لاهاي ومحاكمتهم هناك كما سيق سلوبودان ميلوسيفيتش من قبل. فلا خوف من هذه الناحية على الحزب الذي لم تتمكن إسرائيل من إسقاط شعرة واحدة عن رأس أي رمز من رموزه في حرب تموز. لكننا بصراحة نخاف على الحزب ونخشى أن تنجح الأجهزة الغربية في تحطيم صورته وعزله إذا لم يتمكن من خوض معركة المحكمة بكفاءة تحاكي كفاءته العسكرية.
وكان الحزب قد بدأ هذه المعركة بداية جيدة من خلال الحملة الإعلامية التي قادها السيد حسن نصر الله. لكن هذه الحملة ليست كافية وحدها على الإطلاق، واستكمالها يبدأ بالمعالجة الحقيقية لأسباب اشتباك برج أبي حيدر ونتائجه ولا ينتهي بمبادرة الحزب إلى الانفتاح الحقيقي على «الخارج» اللبناني والعربي على حد سواء. فالحزب يعاني من قصر علاقاته التحالفية على الجهات والشخصيات المستعدة لتلقي الأوامر عبر الأقنية الاستخبارية، والمستعدة للعمل بالأوامر والتصريح بالأوامر والاتصال بالغير بالأوامر ونقل الرسائل بالأوامر. وغني عن القول إن هذا النوع من العلاقات لا يبني رأياً عاماً ولا يؤدي إلى تحلّق الجماهير حول المقاومة. فالأمثلة على «اختراع» الجماهير المؤيدة للأنظمة العربية، المعتدلة منها والممانعة، أكثر من أن تعد وأن تحصى. لكن المحسوم أن الرأي العام في منطقتنا، أو ما يسمى بالشارع العربي، هو في مكان آخر تماماً.
ونتمنى أخيراً ألا تكون حرية حركة الحزب في الانفتاح على الغير، وفي خوض معركة المحكمة أمام الرأي العام، مقيدة من بعض «الحلفاء»، وألا نصل إلى يوم نضطر فيه إلى القول «ومن الحلف ما قتل».
* كاتب لبناني