معتصم حمادة *

يسيطر على الفلسطينيين هاجس حل وكالة الغوث (الأونروا) وإحالة خدماتها إلى الدول العربية المضيفة. ويرون في هذا، حال حصوله، إعلاناً دولياً بإسقاط حق العودة، لمصلحة التوطين، وانسحاب المجتمع الدولي من واجباته نحو اللاجئين الفلسطينيين، وتركهم لمصيرهم المجهول.
مرد هذا الهاجس، وقوع الأونروا في عجز مالي مركب بدأ مع التوقيع على اتفاق أوسلو نهاية عام 1993. وهذا العجز المالي يمثّل تعبيراً عن تراجع الدول المانحة عن التزاماتها التاريخية نحو الأونروا، والتعهد بتمويلها سنوياً إلى أن تجد قضية اللاجئين طريقها إلى الحل. ولقد جاء إعلان كندا، أخيراً، التوقف عن المساهمة في تمويل الوكالة من الآن فصاعداً، ليوفر لهواجس اللاجئين مبرراتها، وليزيد من قلقهم وتخوفهم من احتمال شطب الوكالة، وكذلك شطب حقهم في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم التي هجروا منها منذ عام 1948، باعتباره، كما وصفته الأمم المتحدة، حقاً غير قابل للتصرف.
غير أن الواقع يؤكد، بعيداً عن أية هواجس، أن حلّ وكالة الغوث يمثّل عملية معقدة ويحتاج إلى قرار لا يمكن أن تتخذه إلا الجهة التي قررت إنشاء هذه المنظمة الدولية، نعني بذلك الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها الشهير 302 تاريخ 8/12/1949. والجمعية العامة، وفي دورتها العادية، خريف كل عام، تجدد التفويض لوكالة الغوث (باعتبارها منظمة مؤقتة إلى حين حل قضية اللاجئين) وتصادق على مشروع موازنتها السنوية، بناءً على توصية مقدمة من اللجنة الاستشارية، المكوّنة عادة من ممثلي كبار المانحين وممثلي الدول المضيفة. ولم يبدر عن أي طرف حتى الآن ما يشير إلى أن ثمة نية لحل وكالة الغوث وترك اللاجئين لمصيرهم.
فالوكالة، كما هو معروف، تمثّل، في السياسة، اعترافاً من المجتمع الدولي بمسؤوليته عن نكبة الشعب الفلسطيني وتشريد حوالى ثلثيه خارج وطنهم، كما تمثل في الوقت نفسه شاهداً على الجريمة التي ارتكبت بحق هذا الشعب على يد الجهات المسؤولة عن تقسيم فلسطين بموجب القرار 181. أما من الناحية الاجتماعية، فإن الوكالة تمثّل المصدر الرئيس للخدمات المقدمة إلى اللاجئين في مخيماتهم، وخاصة في مجالات التعليم والصحة والإغاثة. وحرمان اللاجئين من خدمات الوكالة، يعني حرمانهم من الجهة التي توفر لهم جانباً مهماً من احتياجاتهم المعيشية.
إلا أن استبعاد قرار حل «الوكالة»، في الوقت الحالي، لا يعني أن الوكالة لا تتهددها مخاطر من نوع آخر، تطال قدرتها على تقديم خدماتها إلى اللاجئين، كما تطال موقعها السياسي ورمزيتها القانونية بالنسية لقضية اللاجئين وحق العودة.
فالدول المانحة لا تستجيب لنداءات الوكالة بضرورة زيادة مساهمتها في التمويل، وبما يتناسب مع الزيادة السكانية للاجئين، وارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية للدولار (العملة المعتمدة من الوكالة). ولم تجد الوكالة حلاً لأزمتها المالية، وتجاهل المانحين لنداءاتها، سوى التوجه نحو الدول العربية لتزيد من مساهمتها. علماً بأن جامعة الدول العربية كانت قد أقرت ألا تزيد المساهمة العربية في تمويل الوكالة، عن 7،8% من مجموع موازنتها، حتى لا تتحول الوكالة، في ظل زيادة التمويل العربي، من منظمة دولية (تموّلها الولايات المتحدة وأوروبا خاصة) إلى منظمة عربية، وهو ما يقود عملياً إلى إعفاء المجتمع الدولي من مسؤولياته القانونية عن قضية اللاجئين. فتتحول قضية اللاجئين من قضية دولية تتحمل مسؤوليتها المنظمة الدولية للأمم المتحدة (صاحبة القرار 181) إلى قضية عربية، تلقى أعباؤها كاملة على عاتق العرب، وهو ما يساوي، في مضمونه، التوطين بطريقة أو بأخرى.
إن هذا لا يعني إعفاء الدول العربية من واجباتها نحو اللاجئين. لكن هذا يمكن أن يتم عبر الجمعيات والمؤسسات الأهلية الفلسطينية والعربية الناشطة في المخيمات. ولعل تجربة الهلال الأحمر الإماراتي في الإشراف المباشر على إعادة بناء ما هدمه العدوان في مخيم جنين، تمثّل سابقة ناجحة يمكن الدول العربية أن تحذو حذوها.

إعادة صياغة البرامج لتحويل الأونروا من منظمة إغاثة إلى منظمة تنموية إقليمية!
الخطر الثاني هو لجوء الوكالة إلى إعادة صياغة بعض برامجها الخدمية، بما يحوّلها من منظمة إغاثة (وهو الهدف الرئيسي الذي أنشئت لأجله) إلى منظمة تنموية إقليمية. والفارق بين الصفتين كبير وواسع وله معانٍ سياسية لا يمكن إخفاؤها. فمنظمة الإغاثة تعني توفير الحاجات المعيشية للاجئين دون أن يمس ذلك حقوقهم السياسية وفي مقدمها حقهم في العودة. أما التحول إلى منظمة تنموية، فمعناه توفير مقومات «الإقامة الدائمة» للاجئ في مكان إقامته الحالي، بحيث تتوافر صلات بينه وبين محيطه المحلي، على حساب تطلعه نحو العودة. وفي السياق نفسه، تلجأ الوكالة إلى تقليص مساحة برنامجها الإغاثي، كأن تشطب منه بند «إصلاح المأوى». والمأوى يعني، في ما يعنيه، صون المخيمات، كمجتمع فلسطيني قائم بذاته، يصون الشخصية الوطنية للّاجئ، ويمنع ذوبانه في محيطه المحلي، إن من حيث صون اللهجة الفلسطينية أو العادات أو التقاليد وغيرها، ما يمثّل في مجموعه المكوّن المجتمعي للشخصية الفلسطينية. وعندما يتحوّل المأوى إلى مكان غير صالح للسكن، فإن ذلك معناه دفع اللاجئ للبحث عن مكان سكن آخر. وفي ظل انسداد آفاق السكن البديل في المخيم، بسبب الاكتظاظ وكثافة السكان، يصبح البديل السكن خارج المخيم. ولتظهير هذه القضية بارزة نلفت النظر إلى قضية «نهر البارد» ومعاني تشريد سكانه.
المسألة الثالثة هي أنّ ما أسهم في وقوع الوكالة في العجز المالي، وبالتالي تقليص خدماتها، هو تسرّب سياسة الهدر المالي والفساد إلى دوائرها العليا. فمرتبات كبار الموظفين (وهم عادة من الأجانب الذين يحاولون أن يطبقوا على مخيمات اللاجئين نظريات اجتماعية وسياسية فبركتها وصاغتها دوائر غربية في سياسات معينة ومكشوفة) ترهق موازنة الوكالة وتسبب لها نزيفاً كبيراً يستهلك قسماً غير قليل من وارداتها. وهناك على الدوام بنود توفر لهؤلاء الموظفين امتيازات لا تتوافر لغيرهم من الموظفين المحليين. في الوقت نفسه، تتصدى إدارة الوكالة للموظفين المحليين، كلما طالبوا بزيادة مرتباتهم لتتساوى مع مرتبات نظرائهم في الدول المضيفة، وتتذرع الوكالة على الدوام بنقص التمويل، وهو «نقص» لا يستذكره أي من كبار المسؤولين في هذه المنظمة الدولية وهم يرسمون لائحة مرتباتهم كخبراء إغاثة وتعليم وعلم اجتماع(!). كما يسهم في استنزاف مالية الوكالة سياسة الفساد التي تعشّش منذ سنوات في اثنتين من لجانها الرئيسية في كل إقليم من أقاليم خدماتها الخمسة، هما لجنتا المشتريات، والإنشاءات. فالأولى مسؤولة عن مشتريات الوكالة كلها من سيارات وشاحنات ووسائط نقل، نزولاً حتى القرطاسية في المدارس والمكاتب الإدارية. وكثيراً ما أوضحت بعض الصفقات كيف يذهب جزء غير يسير من ثمن المشتريات إلى الجيوب من باب السمسرة والكسب غير المشروع. والحديث هنا يطال مبالغ، يمكنها، لو رصدت في خدمة اللاجئين، أن تعالج أكثر من مشكلة مزمنة في المجال البيئي أو التعليمي.
أما اللجنة الثانية فمسؤولة عن إنشاءات المنظمة كالمدارس والمستوصفات والمراكز الاجتماعية النسائية والشبابية وغيرها. وسجل الوكالة حافل بالفضائح ذات الصلة بالمباني التي تشاد، عبر مقاولين معنيين، يثبت، عند هطول المطر، أنها غير صالحة للسكن، وأن بناءها مخالف لدفتر الشروط. الغريب في الأمر، أن لجنة الإنشاءات تلجأ «لصيانة» المباني الجديدة إلى المقاولين أنفسهم الذين تولوا إقامة هذه المباني، وهكذا تدور الصفقات في دائرة مغلقة.
يقودنا ذلك إلى الحديث عن الحاجة الماسة إلى تفعيل المجتمع المحلي في المخيمات وتجمعات اللاجئين، في إطار منظم، لفرض الرقابة على أداء الوكالة، من موقع العارف بخفايا أوضاعها الداخلية، وآليات اتخاذ القرار فيها، وبما يمكن المجتمع المحلي، عبر أدواته المختلفة (اللجان الشعبية، الاتحادات النسائية والعمالية والشبابية. والأندية على اختلاف وظائفها) من صون حقوقه، والدفاع عنها، إن في العلاقة مع الجهات المانحة، أو الجهات المعنية في إدارة أعمال الوكالة في هذا الإقليم أو ذاك.
* كاتب فلسطيني