جميلة هي الثورة على الظلم والقهر. جميل أن نصرخ ملء صدورنا بوجه من أسكت أصواتنا سنين طويلة. جميل أن ننتمي إلى حراك نبيل، نطالب فيه بأبسط حقوق عيشنا. الأجمل هو صحوة الشعب اللبناني من «كوما» الخمول، والتنظير عن بعد، ليتحوّل إلى حراك شعبي حاشد، غير محزّب، مستقل، ضمّ عشرات الآلاف من المتظاهرين. لطالما طُلِب من الشباب اللبناني التحرّك ضد الفساد في الدولة، والمطالبة بحقوقهم. لطالما أُلقي عليهم اللوم لخمولهم، وعدم تحركهم للتظاهر، أو الاستنكار. كنّا بدأنا نشكّك بوجود أي قطرة دماء في عروق الشعب اللبناني، إلى أن انتفض أخيراً.


بدأت تجمعاتهم خجولة في البداية، وما لبثت أن تضاعفت في الأعداد، وأصبحت ما هي عليه الآن، وربّما أكثر. بدأ البعض بالتحرّك، لقوا اهتماماً من الكثيرين، منهم أنا. ما شدّني للتحرّك هو أحقية مطلبه. من منا لم يتقزّز من مشهد الزبالة ورائحتها، في أحرّ أشهر الصيف؟ من منّا لم يتعب من تقنين الكهرباء والماء؟ ما شدّني، بالأخص، هو حيادية التحرّك، لم ينتم إلى أي جهة أو حزب سياسي. ليس هذا فقط، بل مُنِع فيه إلقاء أي شعارات، أو أغان تشير إلى أي توجّه سياسي. وأخيراً... أنا في تجمّع لبناني غاضب غير «مُكودر». لعلّني مثل أكثر اللبنانيين، سئمت الانتماء الحزبي، تعبت من التبعية، أرهقني ذلّ السؤال، و«الوسايط» لمن قد يوظّف قريباً لي إن ضمن صوتي في الانتخابات. لذا تراني أركض إلى أي كان، يكره ما أكره، ولا ينتمي بدمه، أو بروحه إلى أيّ زعيم، كان أو رحل.
حصلت الطامّة، توسّع التحرّك، بدأت الانقسامات والتخوين والخوف من التراجع. في خضمّ هذا الضجيج، تنبّهت الذئاب لرائحة وليمة تتحضّر لهم. بدأت أخبار التحرّك تنتشر بسرعة البرق محلياً وعالمياً. هناك من أراد أن يسبق لـ«شمّ الحبق» فتهافتت المحطات الإعلامية بالتبني للحراك، بالنقل الحيّ المستمر، باستضافة بعض المنظّمين، ولسماع صرخات المواطنين والتطييب لهم، كأنّهم لم يسمعوا بهم سوى من خلال هذا التحرّك، فضلاً عن الأحزاب والزعامات التي حاولت الانضمام إلى حراك يتمرّد عليها، لقطف ثمار التعاطف الأولى، لكن من دون جدوى.
الذئاب تجلّت بمن رأى في صرخة الحراك الشعبي فرصة لتحقيق أهدافٍ لهم، لتكاثر ثرواتهم، لإنقاذ مؤسساتهم من الإفلاس، لإمرار أحكام، أو صفقات لهم. لذلك أقول لكم: هؤلاء لا يهمّهم أمركم، فاحذروهم. هم سمعوا في صرختكم وقوداً لتسريع تحقيق أهدافهم، فحثّوكم على الصراخ أعلى، وصوّروكم. رموا بكم في وكر الدبابير، وقالوا لكم حاربوهم، دوسوا في قلب الوكر، هو لكم وملككم، فلسعتكم الدبابير، وعلا صراخكم، فزاد وقودهم، واقتربوا أكثر من أهدافهم، وزاد رصيدهم من المشاهدين. لا تدعوهم يركبون موجة غضبكم هذه، بينكم من هو قادر على تحقيق أكبر عدد من المطالب، بالمفاوضات الذكية، ممّا قد يحقّقه اقتحام المباني. صوتكم الآن أعلى من أن يُقمع. كونوا أقوى من أن يُستغل وجعكم لصفقات فردية، ولتصفية حسابات قديمة.
ما الحلّ؟ لا أدري ما الحلّ. ما زلت أتخبّط بين فخري بأصواتكم، وخوفي من يقين استغلالكم. أدرك صميم وجعكم، لكني أدرك أيضاً أنّكم أدوات وأبطال لمسرحية كبيرة، أدخِلتم خشبتها من دون علمكم. فحذار تطويعكم لخدمة أهدافهم. كونوا أذكياء، كونوا كثراً، احذروا من يُبجّل ويُصفّق لكم لكي يزداد عدد المتفرّجين، وتزداد أرباحهم على ظهوركم. لا تدعوهم يُبرمون صفقات سلاح «خريف» آتٍ على ظهوركم المُثقلة بالهموم. لا تعادوا من يُشكّك بالتحرّك، فهو حريص عليكم من ذئاب اشتمّت رائحة الدّم، فتجمّعت مشاركةً، مهللةً، منتظرةً موعد سقوط الضحية للنهش بلحمها البريء. كونوا يداً واحدة، لكن بذكاء.
* أكاديميّة لبنانيّة