أوّلاً: الشّعار

لأن قلّة من الناس تثير الموضوع وتطرحه، صار من الضروري لفت الانتباه الى مفارقةٍ أساسية في الحراك القائم في لبنان: في كلّ خطاب وشعارات ومطالب الحراك، وبخاصّة مجموعته المؤسسة، وهو الذي يقدّم نفسه كحراكٍ «مطلبي» يتماهى مع أوجاع الناس التي أفقرها الفساد وحرمها الحياة الكريمة، لا يوجد شعارٌ أو مطلب واحد يمكن تصنيفه على انّه «اشتراكي»، أو يطالب بالعدالة الاجتماعية، أو اعادة التوزيع.

حتّى على مستوى الهتافات واللافتات والشعارات الدعائية، كان مسلسل «لعبة العروش» أكثر حضوراً من الفقر أو المصارف أو النظام الضريبي. ما هو «النظام اللبناني» ان لم يكن نظاماً اقتصادياً يُفقر الناس، ونظاماَ طائفياً يحميه ويشرّعه ويحرسه؟ (بالمناسبة، على الرغم من أن تنوّع الحراك ولاطائفيته هي أبرز ميزاته، لا يوجد في خطابه المركزي أي مطالبة واضحة بالغاء الطائفية السياسية).
ان تكلّم المرء يُقال «نظرية مؤامرة»، الّا انّ هناك سمتان مشتركتان في كلّ حراكٍ مرضيّ عنه من الغرب، أو يقوده شخوصه: لا مشكلة في أن يطالب بقلب النظام بأكمله، ولكن ممنوعٌ أي شعار يهاجم الليبرالية الاقتصادية، وأي شعار ينتقد السياسات الأميركية والاسرائيلية. السؤال هنا ليس موجّهاً لمن يعتقد بالفعل أنّ المشكلة في لبنان هي مشكلة «حوكمة»، وأن الرقابة والمحاسبة على نهج «منظمة الشفافية الدولية»، أو تغيير رؤوس، أو انتخاب رئيس، هو ما سيمنحنا العدالة؛ السؤال موجّه الى اليساريين الجذريين والمتكلمين باسم «الشعب»، الذين ساروا في تظاهراتٍ لا تتبنى شعاراتهم، سقفها المطلبي جمع القمامة، وسقفها السياسي ـــ خارج شعار «كلّن» الذي لا يعني شيئاً ـــ هو الهجوم على وزيرين (أو وزيرٍ ونصف).
ثانياً: الأشخاص
كبداية، يجب أن نستعيد، في الوقائع البحتة، أنّ الحراك لم ينبثق، عضوياً، من «رحم الشارع»، بل له مجموعة نظّمته وأطلقته وما زالت مركزية فيه («طلعت ريحتكم»)، والمشترك بين أبرز قادتها انّهم يعملون، منذ سنوات، ضمن شبكة «المجتمع المدني»، التي تتلقى جلّ تمويلها من حكومات ومنظمات غربية، وينخرطون في نشاطات ذات طابعٍ سياسي واعلامي. المسألة هنا بعيدة عن التهويل والإشاعات التي راجت في الأيام الماضية، واستسهال الاتهام بـ «العمالة»، والتشهير المغرض بأفرادٍ بسبب معتقداتهم، وترويج أمور كاذبة عنهم. المسألة هي عبارةٍ عن سؤالٍ بسيطٍ وواضح، لا مناص من طرحه، وهو مبدئيّ لا علاقة له بالأفراد وموقفنا الشخصي منهم: هل يحقّ لمن يتلقى تمويلاً أجنبياً غربياً، كثيره حكوميّ ومن جمعيات صرنا نعرف جميعاً أجنداتها، أن يمارس في الوقت نفسه، نشاطاً في السياسة والاعلام وتكوين الرأي العام؟
الإجابة، لكلّ من يعرف معنى فتح هذا الباب، أو لديه معايير في الوطنية وخطوط حمر، هي بالقطع «لا». بمعنى آخر، قد يحق لك أن تتلقى تمويلاً من حكومات غربية وأن تعمل معها في لبنان، ولكن، ساعتها، لا يجوز لك أن تصير قائداً سياسياً وأن تقود حركات «شعبية»؛ وإن فعلت، يصبح لزاماً عليك أن تكشف عن كلّ قرشٍ جاءك من الخارج وكلّ نشاط وعقدٍ وورشة تدريب (وهذا ليس طلباً ثقيلاً، بل هو بديهي وتفرضه القوانين في اميركا، مثلاً، وهذه ليست شركات مالية لها أسرار تجارية حساسة، الا ان كان لديهم ما يخفونه).
هذا السؤال، ايضاً، ليس موجهاً الى هؤلاء الأفراد، وهم صاروا، مع كثرة التمويل الأجنبي في السنوات الأخيرة، فئة اجتماعية معتبرة ــــ كما في الضفة الغربية ودول عربية أخرى ــــ وهم اختاروا بوضوح مكانهم ويعرفون ماذا يفعلون (كما كتب جمال غصن، لم يكن من الغريب أن يرفع هؤلاء مطلباً محقاً، كأزمة النفايات، ليطلقوا نشاطاً جديداً، المستغرب كان أن تمرّ «فرصة» كهذه من أمامهم بلا أن يستغلوها). السؤال موجّه الى الوطنيين واليساريين الذين، على ما يبدو، لا يمتلكون الشجاعة لطرح هذا السؤال، أو نقاشه أو الإجابة عليه (سلباً أم ايجاباً). هم قد يهاجمون رموز «منظمات المجتمع المدني» كأفراد وينتقدون أداءهم، ولكنهم، بالفعل، لا يمتلكون الشجاعة للتصريح بأنهم يعتبرون هذا النمط من العمل السياسي اشكاليّاً بالمبدأ (أو أنهم يوافقون عليه)، بل يتعامون عن المسألة بكاملها كأنها غير موجودة. هذا يشرّع المال الأجنبي، المبهم المصدر، في الحقل السياسي. وحين يجلس أناسٌ وطنيون وشرفاء مع هذه الفئة، فهم لا يشكّلون «ضمانة»، بل هم من يُسألون عن ارتضائهم عملاً سياسياً مشتركاً معهم، من دون ابراز الاختلاف المبدئي أو الانطلاق منه.
ثالثاً: الإعلام
الوهم الأكبر الذي يحاول البعض بيعه للبنانيين هو أن في البلد «اعلام سلطة» و»اعلام شعب»، وأن الصحافيين ــــ الذين استحال بعضهم فجأة قادةً ومشاركين ومنظمين ــــ هم خارج نظام الفساد الذي نصّبوا أنفسهم ثواراً عليه. حتى لا يستغل نجوم الشاشة جهل الجمهور بهم وبمؤسساتهم وخلفياتهم، يجب أن نوضح أن الصحافيين هم، باختصار وللأسف، من أفسد الفئات في مجتمعنا (وفي بلدٍ كلبنان، هذا يعني شيئاً عظيماً) وآخر من يحقّ له قيادة حملة على «الفساد».
لبنان بلدٌ لا يجد الاعلاميون فيه غضاضة من استعراض «صداقاتهم» بالسياسيين والأمنيين، ولا يتحرجون من نشر صورهم سوية، يسهرون ويمرحون (في أي بلدٍ فيه مقاييس، الصحافي الذي يأخذ الـ «سيلفي» مع سياسي على يخت، أو يناوله صحن البزورات، ليس صحافياً بل شيء آخر ــــ كيف نصدقه حين يتكلّم عن هؤلاء؟ وكيف نثق به حين يهاجم غيرهم؟). في لبنان، الكثير من الصحافيين يشكلون «شبكة» واحدة مع ناشطي المجتمع المدني المذكورين أعلاه، وبينهم علاقات مهنية ومالية وغير ذلك. لهذا السبب، تحديداً، لدى جماعة «المجتمع المدني» ومحيطهم الاعلامي مشكلة مع «الأخبار» فهم، كما قال أحد العارفين، يريدون اعلاماً هو اعلان لهم، يقدّمهم كما يريدون أن يتم تقديمهم. ولا يمانعون، في الوقت ذاته، أن تكون مع النظام وضدّهم. أما أن يكون هناك اعلامٌ داعمٌ للحراك ومطالبه، ولكنه نقديّ وفيه تنوّع في الآراء، فهذا لا يرغبونه.
لا يمكن لاعلام متورط في التحريض الطائفي، أو لمحطةٍ يمتد تراثها المجيد من «القوات اللبنانية»، الى الوليد بن طلال، الى دورٍ «مشرّف» خلال احتلال العراق (أي انها لم تعرف في تاريخها قرشاً حلالاً)، أن يقدّم نفسه قائداً ثورياً، وحين يفعل، تدخل كل هذه العوامل في الحسبان. فأنت لم تعد صحافياً يؤدي وظيفة، بل سياسيّ وتُعامل على هذا الأساس، وتصير المحاسبة باتجاهين. لا داعي للتكرار بأن الإعلام ليس صديقك، ولا يريد مصلحتك، ومن يُعلن عن موقفه بوضوح ففي وسعك التعاطف معه أو كرهه؛ ولكن ان كنت لا تعرف مصدر تمويله وانحيازاته، أو كان يدعي الموضوعية والحياد، فعليك الهروب منه بأسرع ما تستطيع. و»الثورة» لن تكون متلفزة.