مشروعية الاحتجاج على ما انتهى إليه الوضع اللبناني، على الصعد كافة، هي خارج كل جدال موضوعي لا ينطلق من مواقع تبريرية لسلوك السلطة والمشاركين فيها، قديماً أو حديثاً. المسؤولية شاملة، وإن لم تكن بالتأكيد متساوية بين مسؤول وآخر، وبين صاحب حصة كبيرة وحصة صغيرة، وبين من لا أولوية عنده سوى النهب وتعزيزه، ومن تقع أولويته في مكان آخر.


والمقصود بالصنف الأخير، فريق يكاد يصبح في موقع «الساكت عن الحق»، شاء أم أبى، بسبب أن التدهور والعجز والأنانية والفساد وانعدام المسؤولية الأخلاقية والوطنية، باتت هذه، جميعاً، تهدّد، في وقت واحد، استمرار الاستقرار الداخلي النسبي والهش (أي تهدّد قاعدة ومبرر «الحياد السلبي» حيال التناقضات الداخلية)، من جهة، ومبدأ الأولوية المطلقة، وما يمليه من مواقف وعلاقات وتنازلات، من جهة ثانية (نظراً لتفاقم آفات ومشاكل وأزمات وتدخلات... يمكن أن تدفع نحو الفوضى الشاملة التي تفرض بدورها أولويات جديدة، أو تعدُّد أولويات على الأقل...).
إن تفاوت المسؤوليات عن تردّي الوضع إلى هذا المستوى المخيف (وآخر حلقاته ملف النفايات) ليس مقبولاً أبداً التعبير عنه، باستخدام الرصيد الوطني لتيار المقاومة، عبر إثارة الأسئلة، والشكوك حول نوايا وعلاقات بعض من بادر إلى إطلاق التحرك الراهن، والاكتفاء بذلك! سيؤدي ذلك حكماً إلى المساهمة في إبقاء الوضع على ما هو عليه: أي إلى مطالبة المواطنين المتضررين (وهم الأكثرية الساحقة من اللبنانببن) بتقديم المزيد من التضحيات، إرضاءً لقلة تتحاصص موارد وإدارة البلاد، قلةٌ بلغ جشعها واستهتارها حداً لم يعد يطاق أبداً.
في وضع سياسي داخلي وخارجي مضطرب، كالذي يعيشه لبنان راهناً، تداخلت الأولويات، بفعل تعقد وتناسل الأزمات الداخلية والوافدة، إلى حدود غير مسبوقة. الاحتمالات السوداء هي التي تطغى على المشهد الإقليمي بمجمله، حتى إشعار آخر. لا بدّ إذاً، من إعادة بناء السياسات والعلاقات وفق ما تمليه المسؤوليات والمهمات الجديدة. بكلام أوضح، لا بد من أن تتكامل الأولويات العامة على المستوى الإقليمي، مع الأولويات الخاصة على المستوى القطري. يملي ذلك أن تكون للأطراف المشاركة في السلطة، وغير المنخرطة في الفساد، سياسة أخرى غير سياسة «الحياد السلبي». هي باتت مطالبة بأن تكون لها مواقف متميزة تترجم مسعى للتغيير من داخل السلطة، بما يعكس حجمها في التوازنات من جهة، ويسهِّل ويستثمر نتائج الضغط الشعبي الإيجابي، من جهة أخرى.
إذا لم يحصل ذلك، فلا بد من دفع ثمن سيأتي اليوم أو غداً، أو في وقت لن يكون بعيداً. إننا أمام محك أن نختبر صحة استنتاجنا بشأن سلبيات وفجوات وأخطاء المرحلة الماضية. هل اكتشفنا بعض هذه الأخطاء؟ أم أننا ما زلنا نحمّل المسؤولية للأعداء فقط، ونعفي أنفسنا وحلفاءنا من كل مسؤولية؟ الأعداء يخططون حتماً لاستهداف المنطقة، وثرواتها، وشعوبها (وخصوصاً قواها المعترضة على مشاريعهم ومخططاتهم). هم، لهذا الغرض، يحاولون، ومن موقع التجربة والمعرفة والخبث، إيلاء أهمية كبيرة لاستغلال التناقضات والأزمات الداخلية. بل هم يعوِّلون، بالدرجة الأولى، على هذه الأزمات والتناقضات! ألم يحصل ذلك، لكي لا نذهب بعيداً، في سوريا؟ ألم تُستغل النقمة الاجتماعية التي ولّدتها قرارات «الانفتاح» الاقتصادي بعد وفاة الرئيس حافظ الأسد، والتي استهدفت، أساساً، القاعدة التقليدية لسلطة حزب «البعث» الحاكم في الأرياف السورية؟... وعلى ذلك، لم يكن صدفة أن الاحتجاجات الشعبية، التي بدأت في آذار عام 2011، قد انطلقت من مدينة درعا: هناك حيث اقترن الخراب اللاحق بالمواطنين، بفساد وتعسّف واستغلال سلطة، ما جسّد ذروة الإساءة لشعارات الصمود والممانعة، بل هو متعارض مع هذه الشعارات، ومستلزماتها بشكل كامل.
من الدروس أيضاً، أن القوى المعادية، الدولية والإقليمية، قد استغلت مسائل القمع التفرد والاستئثار والفساد والاستبداد إلى الحدّ الأقصى. هي استغلتها، رغم أن الفريق الدولي يرعاها، وأن الفريق المحلي فيها، سبّاق و»مجلّ» بوصفه الأكثر تخلفاً واستبداداً واعتداءً على مصالح وحقوق شعبه، الفردية والعامّة. هذه المحاولات مستمرّة الآن، بقوة التآمر، وإثارة الانقسامات والحروب الأهلية، والاستخدام والتدخل المفرطين للمال السياسي النفطي، وللإعلام المسخَّر، مع ما يرافق ذلك مع مساع مسعورة، لا ضوابط لها، لتأجيج التناقضات، وتعزيز العصبيات، وتوظيف الدين والمذاهب والتطرف والتكفير والإرهاب. ولبنان ومقاومته، أساساً، ما زالا هدفاً أوّل للقوى المعادية، بعد التمكّن من تعطيل الدور الذي كانت تمارسه سوريا على الصعيد الإقليمي.
لا يمكن، طبعاً، الاكتفاء بفضح ما يفعله العدو الداخلي والخارجي. لا بدّ من خطط لمحاربة ذلك عبر مراجعة الأساليب (بعضها يخدم العدو، ويلاقيه في منتصف الطريق)، وتقديم البدائل، مروراً بالتخلص من الأخطاء والفئويات، وخصوصاً من أوهام خداع الناس بتعليق كل الارتكابات والعجز والأخطاء على مشجب التآمر الخارجي أو الإقليمي، وتجاهل كل مسؤولية ذاتية في هذا المجال.
ليس أسوأ من سياسة الغطرسة والقمع والهراوات، إلا سياسية التجاهل والتشكيك والاتهامات. خصوصاً أن ذلك يصادف مرحلة تعاظمت فيها الارتكابات والأنانيات، وانعدام المسؤولية والأخلاق والمحاسبة. إن معاناة المجتمع الللبناني قد بلغت الذروة، فيما عطلت السلطات المتعاقبة القانون، والدستور، ومؤسسات الرقابة الرسمية، وصادرت، واستتبعت المؤسسات الشعبية التمثيلية (الاتحاد العمالي العام، لجنة التنسيق النقابية...). أمّا أحزاب التغيير فهي أيضاً تتدهور، من فشل إلى فشل، ومن سيئ إلى أسوأ. استمرار إدارة الظهر لآلام ومعاناة المواطنين، وإقفال مخارج نجاة الإصلاح والتغيير، سيكون أقرب السبل لدفع المتضررين باتجاه اليأس، وبالتالي نحو الفوضى والعنف. لم تنشأ الحركات المتطرفة إلا نتيجة تراكم طويل لمعاناة قرون السيطرة الاستعمارية، ولانتهاك مصالح شعوبنا، وسيادة بلداننا. لم يشهد العصر الحديث، سوى في هذه المنطقة من العالم، حصول احتلال بلدين (لبنان والعراق) خلال عقدين من الزمن، فيما الاحتلال الصهيوني لفلسطين يكاد ينهي عقده السابع! أمّا معظم البلدان العربية الأخرى، فتغرق في الحروب والدمار وتواجه خطر التقسيم أو الانهيار.
لقد تراكمت عوامل الخيبة واليأس لدى قطاع واسع من اللبنانيين (وخصوصاً الشباب) إلى درجة غير مسبوقة. الإصرار على المعالجات الخاطئة والأنانية والفئوية، هو الذي سيدفع الأمور إلى انفجار لن يستفيد منه إلا المستعمرون والصهاينة. تكراراً: لقد طفح الكيل. وقف التدهور الراهن مسؤولية السلطة الراهنة، بكل أطرافها. ليس مقبولاً التأجيل، أو التبرير، أو التغطية. المتربّصون يتحينون الفرصة للانقضاض على كل ما هو إيجابي في حاضرنا، وواعد في مستقبلنا. يرتب ذلك مسؤوليات استثنانية على كل القوى المعنية بالتغيير، الجزئي أوالجذري. لا بدّ من تكرار تأكيد الارتفاع إلى مستوى ما تفرضه التحديات الراهنة. هذا مطروح بالدرجة الأولى على كل قوى التحرك: التي بادرت، والتي استجابت، والتي ساهمت. لن تتمايز القوى غير المنخرطة في الفساد، ما لم تتوحد قوى الحراك الشبابي والشعبي، بعيداً من التنافس المرضي الذي يغري السلطة بالتجاهل والقمع، والمضيّ في النهب والفساد والتفريط بالمصالح العامة لحساب المصالح الخاصة.
المسؤولية الوطنية، بمعناها الشامل، هي ما ينبغي أن يوجّه مواقف وسلوك وعلاقات الفئات، والقوى التي تحمل شعارات التغيير، وتكافح من أجل رفع المعاناة عن أكثرية المجتمع. ينطبق ذلك أيضاً على القوى التي ترفع شعارات المواجهة والتحرير. فالشعارات تلك المتّصلة بالتغيير، والأخرى المتّصلة بالتحرير، إنما وجهان لمسألة واحدة، هي كرامة المواطن وحقوقه، من جهة، وسيادة الوطن وتقدّمه، من جهة ثانية.
* كاتب وسياسي لبناني