حسان الزين

المحكمة أو السلم الأهلي. هذا هو سؤال ــــ شعار المرحلة، الذي انضم وليد جنبلاط إلى رفعه والتهويل به.
تحت هذا الشعار، تتخوف المعارضة السابقة، لا سيما حزب الله وحليفه التيّار الوطني الحر، من دور المحكمة الدولية في شأن اغتيال الرئيس رفيق الحريري وجرائم الاغتيال الأخرى، من فتنة مذهبيّة لأهداف إسرائيليّة ــــ أميركيّة. وتستند المعارضة السابقة في موقفها هذا إلى الورقة التي وفّرها اعتراف سعد الحريري، ابن رفيق الحريري ورئيس الحكومة الحالي، بشهود الزور، وإن كان لم يبادر إلى تحريك هذا الملف قانونيّاً، أو مع «المعنيين به»، وخصوصاً «المتضرّرين» منه سابقاً ولاحقاً.
هل السؤال الذي يضع المحكمة في كفّ والسلم الأهلي في الكف الأخرى، حقيقي؟
ما يُستنتج هو وجود خدعة في هذا الشعار ــــ السؤال، من دون إغفال حقيقة أن المحكمة أو قرارها الاتهامي المنتظر ربما يؤديان إلى فتنة وتهديد للسلم الأهلي.
تقوم الخدعة على تصوير المحكمة كمؤامرة ضد السلم الأهلي. وهذا الأمر غير دقيق، مهما «سُيّست» المحكمة. فالسلم الأهلي لا يمكن أن يتحقق، أو يستمر، من دون معرفة حقيقة من اغتال رفيق الحريري. وأي حركة يقوم بها سعد الحريري، تحت الضغوط السعودية أو السورية، أو السعودية ــــ السورية المشتركة، لا يمكن أن تُنتج إلا تجديد صيغة «لا غالب ولا مغلوب»، وتحويل سعد الحريري إلى وليد جنبلاط الذي ذهب إلى دمشق بعد أربعين والده كمال جنبلاط وبقي في تحالفه معها كجمر تحت الرماد، وحين راهن على الانقلاب عليها فعل وتحالف مع خصومها، في الداخل والخارج، ومنح كمال جنبلاط، مؤسس الحركة الوطنية اللبنانية، إلى خطاب هؤلاء. فأخذ هؤلاء كمال جنبلاط رغم كونهم خصومه وقد اغتيل حين كانوا هم حلفاء سوريا التي اتهمت بالاغتيال.
لا تتحمل المعارضة وحدها مسؤولية مذهبة السلم الأهلي وجعله رهينة المحكمة. الطاقم السياسي كله شريك في هذا، والشعب اللبناني مسؤول. الجميع أوصل السلم الأهلي إلى هذه الهشاشة. وحين يوضع السلم الأهلي الآن في مواجهة، أو مقايضة، مع المحكمة يكون الطاقم السياسي كله يمارس فعل إخفاء الجريمة، مذهبة السلم الأهلي وتعريضه للفتنة والحروب.
صحيح أن المعارضة السابقة تؤكد، كلاميّاً، أنها تريد حقيقة من اغتال رفيق الحريري والرفاق الذين باتوا رموز القوّات اللبنانية، لكنها في الطريق تنسف المحكمة. وهنا الخطر على السلم الأهلي، وما يضع علامات استفهام على الأسباب والدوافع.
تفعل المعارضة السابقة، المشاركة في الحكومة الموجودة في المجلس النيابي، ذلك بدلاً من العمل لتحرير المحكمة، وبالتالي الحقيقة، من التسييس، إذا ما كانت حريصة على السلم الأهلي.
في المقابل، بدلاً من أن يلتفت سعد الحريري إلى هواجس حزب الله وحقيقة تسييس المحكمة، تراه في الاتجاه المعاكس: «يبيع» لسوريا الهدنة والتزامه بها. والأسباب وراء ذلك انصياعه للإدارة السعودية وليس الاهتمام بحماية السلم الأهلي وتحصينه.
الغريب أن وليد جنبلاط الذي أبدى غير مرّة، مع حادثة الزيادين وغيرها، قلقه على السلم الأهلي، يقفز في خطابه الراهن فوق السلم «الحقيقي»، إلى التهويل من المحكمة والترويج لصفقة سياسيّة دوليّة. علماً بأنه يدرك انعكاسات ذلك على السلم الأهلي، ويتخوّف هو نفسه منها.
وإذا كان غريباً من وليد جنبلاط الاكتفاء بخطاب الملجأ وحماية الذات وعدم تجاوزه إلى ما يؤسس فعليّاً للسلم الأهلي غير المنفصل عن الديموقراطيّة والعدالة الاجتماعيّة، لا يجد المرء في تماهي ميشال عون مع موقف حليفه حزب الله، سوى الرهان على الحليف من أجل التوازنات المذهبيّة. وإلا لكان قد حاور حزب الله بهدف إنتاج موقف عقلاني من المحكمة، يفصل ما بين العدالة والحقيقة من جهة، والآليّة الدوليّة القائمة حالياً لتحقيق العدالة وإظهار الحقيقة.
ما يهدّد السلم الأهلي هو هشاشة السلم الأهلي ومذهبته وجعله رهينة الطاقم السياسي والمحكمة الدولية أو الموقف منها. ما يهدّد السلم الأهلي ليس المحكمة بل مواقف الأطراف كافّة منها. مواقف من يتّهمها بالتسييس ومن يرفض اتهامها بالتسييس. مواقف المشكّكين فيها ولا يسعون إلى «تصويب» أدائها بالحوار مع الفريق الآخر وبالعمل «القانوني». ومواقف من لا يرى ولا يعترف بأن فيها شوائب ويغفل نتائج الشوائب ومخاطرها.
ما يهدّد السلم الأهلي قبل المحكمة هم اللبنانيّون الذين ينتحلون صفة الأبرياء.