لم تستحق وفاة كامل الأسعد تغطية إعلاميّة وافرة. فزعامته ماتت

قبل نحو عقديْن من الزمن، إن لم يكن أكثر. طبعاً، جريدة «النهار» الرجعيّة تعبّر كعادتها عن حنين إلى زمن الزعامات الرجعيّة. لكن جريدة «السفير» أسبغت عليه المديح هي الأخرى ناسيةً أن الأسعد لم يغفر لـ«السفير» جريمتها عندما نشرت في صدر صفحتها الأولى عام 1974 صوراً لكامل الزعيم وهو يلعب التنس فيما كان الجنوب اللبناني يئنّ ويحترق
تحت وطأة وحشيّة الاعتداءات الإسرائيليّة

أسعد أبو خليل*
لم يكن مفاجئاً أن تحتفي قناة الحريري الإخباريّة بكامل الأسعد. احتضان آل الحريري للزعامات التقليديّة الرجعيّة ليس جديداً. تملّكت عقدة دفينة نفسيّة رفيق الحريري منذ وصوله إلى لبنان في أواخر السبعينيات لشراء دور سياسي ما. مُنفّذاً أوامر سعوديّة، ربط الحريري نفسه أوّلاً بصائب سلام، حليف أو وكيل الأمير سلطان بن عبد العزيز. يبدو أن المال الحديث يتملّق للمال القديم بهدف اكتساب شرعيّة رأسماليّة (والتمييز بين المال القديم والمال الحديث هو من اختراع البورجوازيّة القديمة من أجل إعلاء شأنها إزاء الثروات المُستحدثة والوافدة التي سرعان ما تقضي على زعامات قديمة في بلادنا، وتهمّش الدور السياسي للمال القديم). كان لافتاً جهد رفيق الحريري للتحالف مع زعامات تقليدية وحتى للتحالف مع زعامات بائدة. أصرّ على التحالف مع آل فرعون ودي فريج ودي فتفت ودي أحدب عندما كانت تلك العائلات التقليديّة في الزعامة السياسيّة تعاني سباتاً عميقاً بإرادة أهل لبنان عبر العقود. كما أن الحريري أراد أن يستمرّ في تحالفه مع آل سلام، لكن عقبات حالت دون ذلك، غير أن تمّام سلام عاد وتحرّر من حقبة «التخليّ» التي أصابت ذات اليمين وذات اليسار.
لكن الحريري ليس وحيداً. فحركة أمل تتحالف مع آل عسيران وآل الزين في الانتخابات النيابيّة. وكان ملحوظاً أن علي عمّار عاجل لتقديم التعزية بوفاة الأسعد، كما أن علي فيّاض وغالب أبو زينب من الحزب ذهبا إلى الطيبة للتعزية مع أن أحمد الأسعد، تنفيذاً لأوامر مقرن، خاض الانتخابات النيابيّة ـــــ وبفشل ذريع ـــــ على أساس تقويض منطق مقاومة إسرائيل (يريد ابن الزعيم البائد أن يحرّر الأرض عبر ما يسمّيه «النضال الحضاري»، إذ إنه يظن نفسه حضاريّاً، فانتبِهوا وانتبهن).
ولكن الطريف في إعلام الحريري الدعائي أنه لا يخفي ضيقه من فشله في التأثير على الرأي العام الشيعي. يظنّ أن إبراز تصريحات لأمثال محمد يوسف بيضون (صاحب السجلّ الناصع في أكثر من وزارة) أو الشيخ المُعمّم محمد الحاج حسن (يقود جماهير الشيعة من نشرة «المستقبل») أو مُفتي صور المطرود (الذي يعطي دروساً خصوصيّة عن الفقه الشيعي لـ«كوادر» «القوّات اللبنانيّة») أو أحمد الأسعد (الذي يستفيق من غيبوبته مرّة كلّ أربع سنوات) يكفي لتقويض دعائم زعامة حزب الله وحركة أمل في أوساط الشيعة. لعلّ محطّة آل الحريري الإخباريّة، ومن ورائها الجهاز الدعائي السعودي، ظنت أن الترويج لكامل الأسعد بعد وفاته يكفي من أجل الدفع بزعامة ـــــ إذا صحّ القول في ما لا يحتلّه أحمد الأسعد من موقع ـــــ أحمد الأسعد.


فيلم «وثائقي» عن الأسعد لم يكلّف نفسه عرض وجهة نظر معارضة له أو مناقضة

تعرفهم من ضيوفهم. هؤلاء أطلّوا للحديث عن شؤون الجنوب اللبناني وشجونه وعن الزعامة الأسعديّة في الفيلم «الوثائقي» الذي بثّته إخباريّة آل الحريري السبت الماضي. من حزب الكتائب: إدمون رزق، أمين الجميّل، جوزف أبو خليل. من حزب الوطنيّين الأحرار: محمود عمّار ودوري شمعون. من الزمرة الأسعديّة: علي مهنّا وأنور الصبّاح، بالإضافة إلى رفيق شاهين الذي انفصل عن الأسعديّة بعد وفاة أحمد الأسعد. ومن رجال الدين، عثر الفريق المُصوّر على أحمد شوقي الأمين ليبخّر لكامل الأسعد. ثم كان هناك نصير الأسعد. ماذا تقول فيه مما لم يُقل؟ ماذا تقول في رجل سيقضي، مثله مثل كريم مروّة، ما بقي له من عمر، في التنصّل من ماضيه والاعتذار عنه؟ لكن نصير الأسعد صرّح أنه زار كامل الأسعد في التسعينيات. هل يعني هذا أن نصير الأسعد تسكّع على أبواب أكثر من زعيم رجعي قبل أن يستقرّ في حاشية قريطم؟ لا نعلم بالتأكيد، لكن النظريّة مسلّية للغاية. ثم ماذا حدث للتجمّعات الشيعيّة الطائفيّة التي ضمّته وضمّت محبوب الجماهير الشيعي، باسم السبع، والتي أرادتها عائلة الحريري أن تصبح بديلاً من حزب الله؟ هل تبخّرت؟ وهل يمكن الجماهير أن تتخلّى عن حبّها وعشقها لنصير الأسعد وباسم السبع؟ وهل استفاق نصير الأسعد على اسم عائلته وأصبح فخوراً بها؟
لا تحتاج (أو تحتاجين) للانتظار حتى نهاية الفيلم لمعرفة أن المخرج، فادي توفيق، شكر أحمد الأسعد الذي لولاه لما تحقّق الفيلم، على ما أُعلمنا. والفيلم الوثائقي لا يخضع في بلادنا للشروط المهنيّة والحرفيّة الضروريّة في صنع أفلام مماثلة في بلاد أخرى. لكن توفيق لم يكلّف نفسه أي عناء، ولم يجهد في مسألة المهنيّة والشروط الابتدائيّة في صنع فيلم وثائقي عن موضوع سياسي. فالفيلم أهمل كليّاً، ومن دون أي استثناء ـــــ لا صغير ولا كبير ـــــ عرض وجهة نظر مُعارضة ومناقضة لكامل الأسعد. جاء الفيلم ـــــ الذي لا يستحق صفة الفيلم إذ إنه أقرب للدعاية السياسيّة الفجّة وغير الفنيّة ـــــ هزليّاً في تبجيله لكامل الأسعد وفي روايته لقصّة الجنوب عبر العقود. وقصّة كامل الأسعد في الفيلم كان يمكن أن تكون فيلماً عائلياً حضّره فرد من العائلة ليهديه إلى كامل «بيك» ـــــ كما أصرّ على تلقيبه رفيق شاهين ـــــ في عيد ميلاده.
واختيار الأشخاص لرواية قصّة الجنوب اللبناني والزعامة الأسعديّة كان أقرب للهزل. أي إن «الموسيو» توفيق قرّر أن حزب الكتائب اللبنانيّة وحزب الوطنيّين الأحرار، بالإضافة إلى حفنة من الأسعديّين، هم أفضل من يختزن ذاكرة جنوب لبنان. كان مضحكاً جداً سماع أمين الجميّل وجوزف أبو خليل يفتيان في مواضيع الجنوب والشيعة في لبنان. ولم يجد أمين الجميّل (الذي لم يتخرّج من حوزات النجف على حدّ علمنا) حرجاً أن يفتي في موضوع ورع كامل الأسعد وتقاه ـــــ يعني حتى الأسعديّون لا يُحرجون أنفسهم في حديث كهذا، مع أن أحمد شوقي الأمين اخترع تواصلاً بين كامل الأسعد والمرجعيّة الدينيّة في النجف. كاد أحمد شوقي الأمين أن يفتي بجواز تقليد كامل الأسعد.
والطريف أن قناة المُستقبل الإخباريّة قرّرت عرض الفيلم مع أن أوامر سعد الحريري، بناءً على أوامر أبو متعب، كانت صارمة من حيث عدم بثّ أو نشر ما يزعج أو يحرج النظام السوري. لكن الفيلم يعود إلى حقبة ماضية على ما يبدو من حيث تحميله سوريا كل آثام ما حصل في لبنان، وحتى تحميل النظام في سوريا مسؤوليّة اندثار الزعامة الأسعديّة. الفيلم مُعدّ في حقبة ماضية لأنه لم يتطرّق إلى وفاة الأسعد، كما أنه اختار أن يتجاهل الخلاف المستعصي بين كامل الأسعد وابنه أحمد. ونتذكّر أن كامل الأسعد أصدر بياناً عنيفاً ضد ابنه عندما زار واشنطن بدعوة من عتاة اللكيوديّين وفي استضافتهم، واتهم ولده في بيانه بالتعاطي مع اللوبي الإسرائيلي. لكن الخلاف بين كامل وابنه أحمد انتهى في تأبين كامل عندما صرخ أحمد أن كل ما يفعله كان من أجل الدفاع عن والده (من قال لأحمد الأسعد إن أفضل طريقة للتعويض عن انعدام البلاغة والطلاقة عنده، وللتعويض عن حجم صغير جداً من المفردات باللغة العربيّة، يكون عبر الصراخ من وراء الميكروفون؟ ومن قال له إن الزعامة في صالون المنزل تنتقل برَشَق ألفاظ إلى جبل عامل؟).
قرّر الفيلم أن الزعامة الأسعديّة هي التي عبّدت الطرق وأوصلت الكهرباء إلى جنوب لبنان. ومن أفضل من يشهد بذلك غير نوّاب الكتائب والوزير الأسعدي السابق، أنور الصبّاح؟ أي إن وجهة نظر هؤلاء موضوعيّة ولا يرقى إليها الشك كما يقولون. ينسى هؤلاء أن الجنوب اللبناني كان متخلّفاً عن باقي المناطق من حيث الإنماء والإعمار حتى بداية الحرب الأهليّة. لم يكترث كامل الأسعد للجنوب وكان دوره في موضوع مشروع الليطاني وموضوع مجلس الجنوب ـــــ الذي سمّاه الجنوبيّون باكراً «مجلس الجيوب» ومن غير تحبّب ـــــ كان جدّ سلبي. وكانت زيارات كامل للجنوب موسميّة، وتحتاج لتحضير رسمي قبل أسابيع من أجل الإتيان بالحشد. ثم كرّر الفيلم تلك المعزوفة أن كامل تجنّب تكوين ميليشيا لأسباب أخلاقيّة. لنحسم الأمر: بادر عدد من الزعامات التقليديّة (مثل كامل الأسعد وصائب سلام وبطرس حرب، قائد لواء تنّورين) إلى إنشاء ميليشيات لكنها لم تستطع التنافس مع ميليشيات ذات شعبيّة فاضطرّ الزعماء إلى حلّها. وكامل أنشأ ميليشياه بمساعدة النظام السوري يومها. حتى تمام سلام كان قائداً لما يسمّى ميليشيا «روّاد الإصلاح» (كان أهل بيروت الظرفاء يلقّبونهم بـ«روّاد الفضاء»).
وشهادة نصير الأسعد كانت إما لإضحاك الجمهور أو للسخرية منه. لا ندري سبب ظهوره في البرنامج إلا إذا كان اسم عائلته وطلب خاطر كامل الأسعد بعدما تخلّص نصير من يساريّته (كما اعترف لنا) يؤهلانه للحديث عن كامل الأسعد. والأسعد ذكر عرضاً أنه كان يعاني من معارضة للأسعد لأن كل اليسار كان ينزعج من الأسعد بسبب زهوه في مشيته وفي جلسته. نسي نصير أن سبب معارضة اليسار والقوميّين العرب والسوريّين للأسعد كان سياسيّاً وليس شخصيّاً. نسي أن الأسعد كان متحالفاً في تاريخه مع أكثر القوى الرجعيّة في لبنان وفي العالم العربي، ونسي نصير أن اليسار عانى من تنكيل أجهزة كامل الأسعد والدولة المُتحالفة معه ما عانى، وأن الحركة الوطنيّة التي كان نصير الأسعد ينتمي إليها مهما حاول أن ينسى وأن يدعنا ننسى، تبنّت برنامجاً يدعو لتحديث الحياة السياسيّة اللبنانيّة بصورة مُناقضة لنهج كامل الأسعد ومسلكه. ليس هناك أبشع من اليمين إلا اليساري السابق الذي يحاول في ما بقي له من سنوات التملّق لليمين كي يُقبل في صفوفه. وأضاف نصير الأسعد أن الأسعد لم يُعرف عنه فساد.
هنا، كان يجب أن يحاول الفيلم الهزلي المذكور أن يستصرح شيوخاً ونساءً وفتياناً في الجنوب للإدلاء بدلوهم. لا يزال أهل الجنوب إلى اليوم يتناقلون روايات عن فساد كامل الأسعد. دور الأسعديّة في الوزارات وفي مجلس الجنوب بات مضرباً للمثل. لكن دعنا من هذا الموضوع الذي يعرف عنه أهل الجنوب الكثير. ماذا عن الفساد السياسي؟ ماذا عن تغيير كامل الأسعد لرأيه كرئيس للمجلس النيابي بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982؟ صدرت صحيفة «النهار» بعد أيّام فقط من بدء الاجتياح وفيها تصريح للأسعد يؤكّد فيه ان لا جواز لإجراء انتخابات رئاسيّة في ظلّ الانتخابات. وفي مقالة سابقة ذكرت أن رأي الأسعد تغيّر جذريّاً بعد جلسة «إقناع» مع ميشال المرّ (العرّاب المالي لحملة بشير الجميّل آنذاك، كما أن إسرائيل أنفقت أموالاً من أجل دعم حملة الجميّل كما تذكر المراجع العبريّة)، لكن الأسعد أجاب في ردّ طويل على كلامي (نشرت «الأخبار» جزءاً مقتطفاً منه) بالقول إنه غيّر رأيه بعدما توصّل إلى تغيير عقيدة بشير الجميّل وآرائه. الفيلم ـــــ أو ما شُبه لكم ولكنّ إنه فيلم ـــــ كرّر الرواية وزاد أن الأسعد توصّل إلى إقناع الجميّل بقطع علاقته مع إسرائيل.
أولاً، هذه الرواية تفترض إما كذب الأسعد أو كذب الجميّل أو كذب الراوي في الفيلم. لا أذكر أن الأسعد زعم أنه توصّل إلى إقناع الجميّل بقطع علاقاته مع إسرائيل. ولو قال ذلك، فهو إما كان جاهلاً أو كاذباً لأن علاقة التابع الإسرائيلي الصغير، الجميّل، براعيه لم تتوقّف حتى يومه الأخير، مهما أرادوا منّا أن نذرف الدموع لأن مناحيم بيغن أهان الجميّل في آخر لقاء لهما. هرع الجميّل عند والده مؤسّس الفاشيّة اللبنانيّة، مثل الطفل ليشكو سوء معاملة بيغن له. كيف يمكن أن نصدّق تلك الرواية عن إقناع الأسعد للجميّل بقطع العلاقة مع إسرائيل، التي حاك عنها ومنها الجميّل أكاذيب متعدّدة ومتنوّعة؟ ويريد نصير الأسعد منّا (وهو واحد من البكّائين المُحترفين في عائلة الحريري) أن نصدّق روايته عن الأسعد ونحن لم نصدّق بعد روايته الملحميّة عن رفيق الحريري وعن ابنه من بعده.
وتضمّن البرنامج ضخّاً دعائيّاً للبرنامج الرجعي لحزب الكتائب اللبنانيّة والقوّات. فقد كرّس فقرة لتسويغ اتفاق 17 أيّار المشؤوم ـــــ وهو لا يزال محطة عار في تاريخ مسخ الوطن الزاخر بمحطّات العار. وفي ذكر لجوء نظام أمين الجميّل الإسرائيلي، ذكر السيّد توفيق أنه «كان على الحكومة اللبنانيّة» الشروع في مُفاوضات مباشرة مع العدو الإسرائيلي لكنه لم يوضّح لنا لماذا كان عليها أن تفعل ذلك، إلا إذا كان يقصد أنه كان على الحكومة اللبنانيّة المُباشرة في خوض مفاوضات مباشرة مع إسرائيل من أجل تحقيق إذلال متزايد للحكومة اللبنانيّة. ولم يكتف توفيق بذلك، بل باشر في رصّ صفوف المطبّعين مع إسرائيل عبر الاستشهاد بأمين الجميّل وجوزف أبو خليل في موضوع 17 أيار. والأخير حلّ المشكلة: فقد أصرّ على أن 17 أيار كان اتفاقاً لجلاء «القوات الإسرائيليّة» عن لبنان. يعني كان يمكن أمين الجميّل ـــــ وفق رواية أبو خليل ومريده فادي توفيق ـــــ أن يكون مُحرّر لبنان من إسرائيل لو لم يزعج خاطره هؤلاء الذين انتفضوا ضد الاتفاق المُذلّ. نسيت رواية توفيق أن المفاوضات أدت إلى اتفاق سلام بين لبنان (لبنان الكتائبي) وإسرائيل، وأن إسرائيل نصّت على تشكيل وإعادة تركيب الجيش اللبناني في الجنوب من أجل إدماج جيش العميل لحد فيه.
والطريف في البرنامج أن علي مهنّا وأنور الصبّاح أرادا تفسير سقوط آل الأسعد المتكّرر والمُذلّ في الانتخابات النيابيّة منذ التسعينيات. رويا أن النظام السوري هو الذي أبعد الزعامة الأسعديّة ونفاها. لكن علينا أن نتساءل: هناك زعامات أخرى حاول النظام السوري أن يبعدها وأن يضعفها فلم يقدر، مثل القواّت اللبنانيّة أو البطريركيّة المارونيّة أو حتى حزب الله في الثمانينيات. فلماذا نجح هذا النجاح الباهر ضد هذه الزعامة فقط؟ ثم، ألم يكن كامل الأسعد ـــــ على عكس ما أوحى الفيلم الدعائي ـــــ متحالفاً عضويّاً مع النظام السوري إلى أن «اقتنع» من ميشال المرّ بصوابيّة ترشيح بشير الجميّل؟ كان الأسعد يفرح كالأطفال عندما يتلقّى خبر إعطائه موعداً مع حافظ الأسد. وأضاف علي مهنا وأنور الصبّاح كلاماً عن تسخير القوى الأمنيّة في الجنوب لدعم أمل وحزب الله. نسي كيف كان محافظ الجنوب في السبعينيات، هنري لحود، يقوم بالواجب مع كل قوى الدولة في الجنوب في عهد فرنجيّة لخدمة الأسعديّة ولإسقاط مرشّحي اليسار والبعث في الجنوب.

ألم يكن الأسعد متحالفاً مع النظام السوري إلى أن «اقتنع» من ميشال المرّ بصوابيّة ترشيح بشير؟

لكن علي مهنّا يحتاج لمواجهة الحياة بقدر أكبر من الواقعيّة والحقيقة والمنطق. نفهم أن يعترض أحمد الأسعد أو علي مهنّا لو كان فارق الأصوات ضئيلاً بينهما وبين مرشحي أمل ـــــ حزب الله. يعني لو كان سقوط مهنا والأسعد في الانتخابات بفارق مئات الأصوات أو بعض الآلاف، كنا فهمنا. لكنا ننصح الأسعد ومهنا والصبّاح بمراجعة «الموسوعة الانتخابيّة النيابيّة» 2009 لكمال فغالي من أجل مواجهة الواقع المرّ. كان مجمل ما كسبه علي مهنّا من نسبة أصوات الشيعة في انتخابات بنت جبيل عام 2009 0.5% فيما كان مجموع أصوات منتحل صفة الزعامة، أحمد الأسعد عام 2009 1.8% من مجمل تصويت الشيعة في دائرة مرجعيون حاصبيّا. أي إن فرص نجاح أحمد الأسعد في استرجاع الزعامة توازي نسبة حظوظ الهاشميّين في العودة إلى الحجاز، أو نسبة حظوظ نصير الأسعد في حيازة جائزة المصداقيّة في الصحافة. قليل من التواضع ومن قبول الواقع دون مكابرة، أيها
الأسعديّون.
يمكن تقييم الفيلم الوثائقي من خلال كلمات الشكر في ختامه. لكن الفيلم لم يكن في وارد إعطاء صورة شاملة ومُنصفة عن زعيم سابق في تاريخ لبنان. كان الفيلم مُعدّاً ربّما من أجل تدعيم الأسعديّة في مرحلة الانتخابات النيابيّة وتوافَقَ بثّه اليوم مع خبر وفاة كامل الأسعد ومع مصلحة آل الحريري في إنعاش الزعامات الرجعيّة. وهناك من يقول إن الحركات السياسيّة التي ورثت الزعامة الشيعيّة في الجنوب لا تتفوّق في الأداء على الزعامة الأسعديّة. يمكن قول شيئيْن هنا: إن مقاومة حزب الله ساهمت بصورة أساسيّة ليس فقط في تحرير الجنوب بل في صدّ العدوان الإسرائيلي. الزعامة الأسعديّة لم تساهم ولا بحبّة رمل في تحرير الجنوب. أما حركة أمل، فهي تعاني فساداً في القيادة، وسكنى القصور باتت سمة من حركة بدأت باسم المحرومين، لكنّ هناك فارقاً أساسياً بينها وبين الزعامة الإقطاعيّة. قيادة حركة أمل لا تُورّث. هناك لافتات في الجنوب مُوجّهة لنبيه برّي من قاعدة حركة أمل وهي تقول: «يا ويلنا من بعدك». لا يستطيع نبيه برّي أن يفرض ابنه زعيماً، كما كانت الزعامات الأسعديّة تفرض أولادها والعصيّ. ولّى ذاك الزمن إلى غير رجعة. لكن هذا لا يعني أنه ليس بمقدور الأمير مقرن أن يدغدغ أحلام أحمد الأسعد. دعوه يحلم.
* أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة كاليفورنيا
(موقعه على الإنترنت:
angryarab.blogspot.com)