ورد كاسوحة*

جاءت ردود فعل «ليبراليي» لبنان على اعتداء إسرائيل الأخير لتخالف ما ذهب إليه كثيرون في شأن هذا الفريق. فالضحالة الفكرية التي يوسمون بها عادة استحالت قدرة فائقة على التنقّل بين رواية وأخرى، من دون أن تفقد هذه الروايات المتناقضة النسيج الذي يحفظ تماسكها! فمن رواية الذريعة الذائعة الصيت، إلى رواية قدرة الشرعية العسكرية على حماية نفسها من دون الحاجة إلى إسناد غير شرعي، وصولاً إلى القول بعدم رغبة إيران «بتحريك حزب الله» حالياً، ما يفسّر انكفاءه عن المواجهة... كلّ هذه الروايات تحاول أن تقول شيئاً واحداً: لن نتحرّج من التنقل بين الروايات ما دام هنالك جمهور يصفّق لنا ويطرب لسماع ما نقول، بعدما كفّ وليد جنبلاط عن هذا النسق من القول. هنا لا تعود المسألة مسألة مقارعة حجج منطقية بأخرى، فلو كان هذا هو المعيار حقاً لكفّ كثير من الناس عن رياضة الاستماع الى هراء السياسيين وأبواقهم في الصحافة والإعلام. المسألة هي في مكان آخر تماماً. مكان يستعيض عن الإقناع بالتحشيد، وعن بناء الحجج بهدمها وسوقها على نحو اعتباطي ممنهج. بهذا المعنى يمكن تفسير «العزل» الممارس على وليد جنبلاط اليوم في إعلام 14 آذار. فخطاب «التوبة» والإقرار بالهزيمة لم يعد يلائم ماكينة تتغذّى على صناعة الأوهام، وتسويقها كما لو كانت تعويذة ضد الاعتراف بالانهيار. «فثوار الأرز» باقون ما بقيت الشرعية والمؤسسات والسيادة و...الخ. وأكبر دليل على نجاعة هذا البقاء ما حصل في العديسة قبل أيام. فلو لم ينحصر التصدي لاعتداء إسرائيل على لبنان بالجيش اللبناني لكان المشهد مختلفاً تماماً، ولما أخذت المواجهة هذا الشكل الموضعي المحدود. والغمز هنا طبعاً هو من قناة حزب الله. حزب جرّ لبنان بحسب سردية الذريعة ذاتها إلى حرب مدمّرة مع إسرائيل في 2006. وكان يمكن هذا الأمر أن يتكرر إذا ما استعان الجيش بقوة إسناد من مقاتلي الحزب. لكنه لم يفعل ذلك وفوّت على حزب الله فرصة أخرى لافتعال حرب تخرجه من المأزق الذي يقبع فيه (المحكمة الدولية). كلّ هذا مفهوم، نظراً إلى المرجعية السلطوية الموحّدة التي يصدر عنها هذا المنطق، لكن غير المفهوم أن يعود هؤلاء إلى توسّل جزء محدّد من الخطاب هو الجزء المتعلق بفكرة الذريعة. وهو جزء لاقى رواجاً منقطع النظير أثناء حرب تموز وما تلاها، بعدما وضعه أصحابه في رسم بيئة تناصب حزب الله خصومة هي في صلب الترسيم المذهبي للحقبة البوشية. ولا يبدو أن ذهاب هذه الحقبة قد أخرج مسلّماتها من التداول. فحتى اليوم لا يزال هناك من يظنّ أن سردية الذريعة قابلة للاستخدام. ولكنه استخدام مقونن وخاضع للظرف والطلب والتوقيت الملائمين. والظرف اليوم (وكذا الطلب والتوقيت) قضى بتجميد الاستخدام أعلاه، نظراً لدخول الجيش اللبناني على خط المواجهة، وانكفاء حزب الله لأسباب تكتيكية. وعليه لا يعود مجدياً توسّل فكرة الذريعة، لأن توسّلها من طرف هؤلاء سيضعهم في مواجهة خاسرة سلفاً مع المؤسسة التي يراهنون على «إحلالها محلّ المقاومة». أصلاً لا يمكن عاقلاً أن يفهم تنظير هذا الفريق ضد «الشرعية» التي أمضى عمره يطالب بتسيّدها (في مواجهة الفلسطينيين والسوريين حصراً!)، إلى أن ساد «عكسها» في 1982. وفضلاً عن هذا وذاك لم تترك الهمجية الإسرائيلية في تعاطيها مع ما يفترض أنه «حادث حدودي» مكاناً لتحليل آخر غير التحليل المعادي للصهيونية. تحليل يفترض أن القتل كان في هذا الاعتداء كما في غيره مقصوداً بذاته، بغية ردع الآخرين عن التفكير (مجرّد التفكير) في عدم الإذعان لإجراءات إسرائيل. وهذا ما فرض على مناوئي خيار المواجهة مراجعة حساباتهم قليلاً. فاضطروا إلى الاصطفاف خلف موقف مفارق لموقفهم التقليدي، لئلا يؤخذ عليهم أنهم يراعون حسابات إقليمية لا تضع تضحيات الجيش اللبناني الأخيرة في سلّم أولوياتها. وعندها يقع المحظور ويضيفون من حيث لا يدرون خصماً جديداً (غير تقليديّ بالمرّة) إلى رصيد خصومهم التقليديين.
وقد فاقم من مأزقهم إعلان حسن نصر الله في خطابه الأخير أن كمون حزب الله نسّق بالتفاهم مع الجيش. وفي ظل انعدام إمكان إحداث وقيعة بين طرفين مصطفين معاً في مواجهة همجية إسرائيل، لا يجد الابتذال «الليبرالي» إلا التقيّة سبيلاً لتسويغ انكفائه خلف سردية «المقاومة الشرعية». وقد بدا المشهد على الشاشات هزلياً. فترى أحد منظّري «الحياد الإيجابي» يزايد في العداء لإسرائيل! وتشاهد آخر يردّ «انكفاء حزب الله عن المواجهة» إلى عدم نضوج إيران للحرب، وكأنها كانت كذلك في تموز 2006، حين كان جورج بوش وأتباعه العرب يهلوسون بإسقاط النظام السوري. ويكمل المشهد الهزلي تفاصيله باستدعاء أحد المنظّرين السابقين لخطاب الذريعة صورة القمة الثلاثية في بيروت ليخلص إلى نتيجة مفادها: إن جناحي المقاومة اليوم هما الشرعية والدبلوماسية. وهنا عود على بدء. فالشرعية لا تستوي إلا في مواجهة من يرفض هذه الشرعية. وهؤلاء موجودون فقط في إيران وملحقاتها. أما وجودهم في سوريا فكفّ عن كونه كذلك بعد القمتين الأخيرتين في بيروت ودمشق. ذلك أن سوريا بدأت تبتعد تدريجياً عن إيران. وبقدر ما تبتعد عن طهران فإنها تقترب من المحور الذي يرعى الشرعية اللبنانية. صحيح أنها لا تزال تتمسك بدعم المقاومة، إلا أن مقاومة اليوم ليست هي ذاتها المقاومة التي حضنتها سوريا بالأمس. وبما أن مصلحة النظام في سوريا هي في استمرار مقاومة لا تكلّفه أثماناً باهظة، وتحفظ له في الآن ذاته استقرار لبنان، فلا بدّ من أن يكون النموذج الذي قدمه الجيش اللبناني أكثر ملاءمة له من ذاك النموذج العبثي الذي يتعهّده حزب الله إلى ما لا نهاية!
لا أدري ما إذا كان هذا «المنطق» قادراً على إقناع أحد، إلا أن التجارب الماضية مع اليمين اللبناني علمتنا أن لعبه على تناقضات الخصوم غالباً ما يصل إلى طريق مسدود. ورغم ذلك يستمر أفرقاؤه في رهانهم على تجزيء المحور الذي يناصبونه الخصومة (وهي مؤقتة طبعاً). والجديد في هذا التجزيء هو القسمة التي يقيمها الخطاب «الليبرالي» المبتذل بين «إيران الأيديولوجية» و«سوريا البراغماتية». لكنّ البراغماتية والأيديولوجيا لا تقعان على طرفي نقيض كما تشيع السردية «الليبرالية»، بل تشكلان معاً عجينة (صالحة أو غير صالحة) لبناء «الدول الوطنية» المعنية بخلق مجال حيوي لحركتها، بما يحفظ أمن النظام ومصالح الدولة في آن معاً. وعلى هذا الأساس بنى نظام الخمينية السياسية في إيران «شرعيته» المصلحية والأيديولوجية. وغالباً ما يضع مؤرّخو السياسة هذا النظام في خانة الأنظمة التي تتوسّل البراغماتية لتحقيق غاياتها الأيديولوجية. والغاية الأيديولوجية هنا ليست «إزالة إسرائيل» أو «محوها عن الخارطة» كما تشيع رطانة أحمدي نجاد الرديئة، بل الحدّ من هيمنتها على قرار المنطقة، بما يجنّب النظام في إيران مصيراً مماثلاً لمصير نظامي عبد الناصر وصدّام حسين (مع حفظ الفارق الكبير بين التجربتين). أما سوريا فيقوم نظامها السياسي على ركنين أساسيين: الأيديولوجيا البعثية، وحنكة المقاربة «الناعمة» لملفّات المنطقة. وقد حرص الراحل حافظ الأسد على سيرهما معاً، لأنه يعرف أن تغليب أحدهما على الآخر سيفضي حتماً إلى «نزع الشرعية عن نظامه». نظام لا قدرة له بفعل تحدّره من سلالة أنظمة ما بعد ثورة تموز 1952 على وضع الأيديولوجيا في مواجهة المصلحة البراغماتية الخالصة. لنقل إنه زواج على النسق الكاثوليكي. نسق «يحفظ» العلاقة بين الزوجين، ولكنه لا يحفظ بالقدر نفسه مردود هذه العلاقة على المدى الطويل. وإذا لم يقتنع «ليبراليونا» بهذا التوصيف للعلاقة الجدلية بين الأيديولوجيا والبراغماتية (في حالتي سوريا وإيران) فعليهم بالنموذج الصيني. وهو «نموذج مثالي» لمن يريد دحض التعارض بين الأدلجة والنفعية الخالصة.
* كاتب سوري