في منتصف القرن العشرين، تعاظمت الروح الثورية، بشكل هائل لدى مختلف الشعوب التي رزحت تحت نير القوى الاستعمارية الكبرى، في أفريقيا وآسيا وأميركا الجنوبية. وتشكّلت التيارات والحركات التحررية، التي اجتذبت إلى صفوفها أعداداً كبيرة من الطلاب والمثقفين الممتلئين حماسة لتغيير واقعٍ انبنى على الظلم، والافتئات، والاحتلال، وتقييد الحريات، وسلب الثروات الوطنية. كان الاحتقان قد وصل إلى ذروته في كل تلك البلدان، وبدأ النضال السياسي، والكفاح المسلح يتّسع، ويتصاعد لمواجهة الاستعمار وأذنابه، وما ولّده وأنتجه من أزمات.

حركة الإنسان الاجتماعية والسياسية والثورية أخذت تنضج وتنمو في أوسع نطاق، وازداد التقارب والتواصل بين مختلف الحركات التي تحمل هموماً مشتركة وقضايا متشابهة، وتواجه أعداء يمارسون أبشع أنواع الاستغلال والاستعباد ضد شعوبها. وعلى الرغم من العوازل الجغرافية، والمسافات البعيدة أحياناً، بين شعوب وحركات تعاني مما فرضه الاستعمار عليها، من حصار اقتصادي وتسليحي وتعتيم إعلامي، إلا أنّها استطاعت أن تتجاوز جلّ هذه العقبات، وتقيم في ما بينها روابط عميقة، وصلات وثيقة، وعلاقات سياسية وثورية تتبادل على ضوئها الخبرات والتجارب، وتضع الاستراتيجيات الكفيلة بتحقيق الاستقلال وتأمين مصالح بلدانها.

الإمام الصدر وانطلاقاً من القيم والتعاليم الإسلامية، لم يكن يعيش عقدة الذهنية المحلية والإقليمية والقومية، بل أراد لحركته (الإنسانية) أن تمتدّ نحو العالم كله. صحيح أنّ الحركة التي أسّسها الإمام لها خصوصيات جغرافية وثقافية ودينية ذاتية، ولكنّه كان يرى أنّها قادرة، من موقعها، أن تتكامل مع مختلف الدوائر الثورية العالمية، في الأدوار والمواقف والمهام لمصلحة الشعوب المستضعفة في إطار الصراع مع الاستعمار. يقول الإمام عن ذلك: «... فعلنا الخارجي، الفردي أو الجماعي، لا يرتبط فقط بقناعتي، بمجتمعي، بل يرتبط بما هو أوسع من مجتمعي وقناعتي، وهو الكون». ثم يحاول إعطاء الحركة بعداً عالمياً وعميقاً، مُظِهراً الدور القيادي لها، باعتبارها حركة ثورية حديثة، تمتلك القدرة على التعبير، والمشاركة في منح الإنسان الثقة والإيمان والحافز على تغيير مصير العالم. فيقول: «إنّ هذه الحركة في مبادئها، تكاد تكون كتاليزور cataliseur تجاه الحركات والنشاطات، والمناخ التقدمي في العالم».
هنا، تجدر الإشارة بناء على ما تقدّم، إلى أنّ حركة الإمام الثورية كانت تتميّز بأمرين أساسيين:
1- الأصالة: بمعنى البقاء والثبات على المبادئ الإسلامية الأصيلة في ممارسة العمل الثوري. من دون الاندماج، أو التماهي، أو محاكاة التجارب اليسارية وأساليب عملها في النضال. ومن دون الخضوع لأي معادلة تسعى إلى الفصل بين عناوين كــ(الإسلامية والوطنية والقومية)، وتباعد بينها، وتوّلد الفجوات والمسافات التي تجعلها أشبه بالمبادئ المتناقضة. وعليه يعلق الإمام على هذه المسألة بالقول: «إنّ الإسلام رؤية للكون والحياة والعالم، لا يتنافى إطلاقاً مع العمل الوطني مع العمل القومي».
2. الانفتاح: بمعنى التواصل مع الحركات الثورية العالمية، المبني على قواسم فكرية ونضالية، ومشتركات دينية إن أمكن. يقول الإمام: «جميع النضالات، النضالات المؤمنة، نحن نعتبرها شقيقتنا وحليفتنا... من خلال المشاركة في المؤتمرات، نستكشف هذه الحركات، ونفتح جسوراً معها، ونعمل اتصالات».
الإمام، وفي سياق تواصله مع الحركات الثورية العالمية، كان حذراً من مسألتين: الأولى، من أن تقع الجماهير تحت تأثير الإغراء الكبير لبعض الأنظمة الشيوعية التي كانت وقتها ترفع شعارات ثورية تحررية، ولكنّها تعاطت مع القضايا العربية والإسلامية بمنطق براغماتي، ومع الحركات التحررية العربية بمنطق استغلالي، لا بمنطق ثوري نضالي قيمي. والمسألة الأخرى، هي خوفه من انسياق الجماهير وراء الأحداث العالمية، ونسيان الأحداث الداخلية. وبعبارة أخرى التسابق من أجل الدفاع عن القضايا البعيدة، والتفلّت من القضايا الوطنية القريبة. وقد عمد الإمام إلى التحذير من تلك المناخات، التي كانت سائدة آنذاك بالقول: «لا أُريد أن أقول: نحن منفصلون عن العالم، بل بالعكس، نحن جزء من ميثاقنا، وجزء من برامج أعمالنا السياسية، أننا مرتبطون بشعوب العالم الثالث، نتعاطف معها بكل معنى الكلمة، جزء منها وهي جزء منّا. ولكننا نريد أن نقول: نحن ابتلينا بمحاولات إجهاضية. بلادنا كانت مستعمرة... فلم نكن نعمل أي مظاهرة لبلدنا، وكنّا نعمل مظاهرات لرزمبورك، أو لتشيكوسلوفاكيا، أو لألمانيا الغربية، أو لألمانيا الشرقية، أو للفيليبين... وكان الاستغلال بفرعيه الشخصي والدولي... الحركة الصحيحة أن تعطي لنفسك ولبلدك ولوطنك ولأمتك ولعالمك، لكل منها حجمه».
الإمام كان قد أخذ على العديد من الحركات التحررية، سلوكها الانتهازي، وتزحزحها عن مواقعها السياسية ومواقفها المبدئية، واستعمالها للشعارات قناعاً تغطي به مآربها ومطامعها للوصول إلى الحكم. وكان يفضّل العلاقات مع الحركات التي تستند في أفكارها وسلوكها إلى القيم الدينية. حيث كان يعتبر أنّ الحركات الدينية الكنسية، أو الحركات الاجتماعية الدينية، التي تعطي الإيمان بالله بعداً إنسانياً، والنضال الإنساني في سبيل التقدم بعداً دينياً، هي شقيقة لحركته ومن نوع حركته. وكان معجباً بالنضالات التي قادها رجال الدين، كما في زمبابواي والبرازيل، وبعض بلدان أميركا اللاتينية الذي أثبت فيها (المطران الأحمر) جدارته ضد الاستعمار والأنظمة الفاشية الاستبدادية. وكذلك أبدى حماسه وتقديره لتلك النضالات التي قادها علماء مسلمون كبار، على امتداد الساحتين العربية والإسلامية، والتي أظهرت دور الدين في إيجاد، ودعم الحركات التحررية، وأسفرت، لاحقاً، عن بروز تيارات فلسفية نظّرت لـ»لاهوت الحرب»، إذ كان لتلك النضالات ذات الأصول الدينية، تأثير كبير في مستوى العلاقات الدولية بشكل عميق. وكان الإمام لا يتوانى عندما تُعرض أمامه تجارب الحركات الشيوعية، وتجارب الحركات الثورية المؤمنة، عن كشف وتبيان الفوارق المادية والمعنوية بينها، فيشكك في مدى إمكانية أن تكون التجارب البعيدة عن القيم الدينية قادرة على أن تحظى بالمقبولية والصلاحية والأهلية داخل التربة اللبنانية. فيما اعتبر أنّ «الحركات الثورية المؤمنة التي انطلقت مؤخراً في أقطار العالم عامة، وفي العالمين العربي والإسلامي خاصة، واطلاع اللبنانيين جميعاً على تاريخها ونتائجها، لا سيما بعد أن فقدت الحركات الماركسية رونقها الثوري والتقدمي والمناقبي، بسبب التطورات العالمية، وبعد أن تسلمت هذه الحركات مسؤوليات الحكم في ثلث العالم تقريباً. [إنّ هذه] الحركات الثورية المؤمنة، الوطنية التحررية منها، أو الاجتماعية السياسية مع تنوّعها، أحدثت تفاعلات كبرى في نفوس اللبنانيين».
في الواقع، كان مأخذ الإمام على الحركات الماركسية، والعديد من التنظيمات الثورية أو التقدمية، والتي كان جميعها يقترح مجتمعاً أفضل، وأوضاعاً سياسية واقتصادية وثقافية أفضل، أنّها لم تستطع تجاوز دائرة القناعات والنظريات، إلى خلق المناخات القوية المبنية على الحق والعدل والاستقامة وتطبيقها على أرض الواقع، بل اندفعت اندفاعاً هائلاً وخطيراً وراء أنانياتها، من دون ملامسة القضايا الجوهرية للشعوب، بحيث تصبح رمزاً لتحرر المجتمع كله سياسياً، ونضوجه اجتماعياً، فتساعده في تجاوز هزائمه وأوهامه. ومن خلال تقييمه لها يرى أنّه، «وبعد نصف قرن من تجربة الثورات العالمية الماركسية، ومشتقاتها العربية، تبيّن بصورة موضوعية أنّ هذه التجارب لا تتناسب مع أرضنا وتاريخنا، ولا تحوّل إنساننا إلى ثائر حقيقي بالمعنى الصحيح. ولذلك فإنها لم تقدّم خلال هذه المدّة أيّ خدمة وطنية سياسية أو اجتماعية للناس، كما لم تسجّل أي موقف حقيقي لمصلحة العرب أمام إسرائيل، إن لم تكن ميّعت في بعض الأوقات مواقف الآخرين، وساهمت، بوجه أو بآخر، في التراجع العربي أمام إسرائيل». إنّ هذا الكلام من الإمام يشير إلى حالتين أصابتا تلك الحركات. أولهما: حالة التراجع عن الموقع النضالي والثوري، والتخلي عن المبادئ التحررية لصالح مكاسب شخصية وظرفية. والحالة الثانية: هي ارتداء الأقنعة الإيديولوجية والقومية والوطنية، وحتى الدينية التي تعكس صورة مغايرة تضلل الجماهير بطريقة وبأخرى.
ولذلك مثلّت هذه الأوضاع نتائج عكسية دفعت الإمام ليوضح علاقة الدين بالتحرّر من الناحية الموضوعية، وما إذا كان الدين قد أدّى دوراً إيجابياً في العالم العربي على وجه التحديد، العالم الذي تتكالب عليه القوى الاستعمارية الكبرى، وترزح شعوبه تحت نيرها. ليميّز بين خطين من النضال، أحدهما يُشكّل فيه الدين المرجعية والإطار والمسار، الذي على أساسه تبنى حركة النضال، في مختلف أبعادها السياسية والجهادية والثقافية. والخط الآخر، يعتمد على المباني والأصول الفكرية البشرية، وما ينبغي الوصول إليه من أهداف بمعزل عن الوسائل والآليات المتبعة. وفي محاضرة ألقاها في قاعة المهنية العاملية، في بيروت، يلفت الإمام الصدر إلى أنّ نفي كل آلهة الأرض، التي هي من المؤثرات الأساسية في حياة الإنسان، والتي تحوّلت إلى قدس الأقداس لدى كثير من البشر، تعتبر بداية التحرك، وتُشكّل أساس الإيديولوجيا الإسلامية التي تدعو «إلى التحرّر من كلّ تخلّف، جهلاً كان، أم فقراً، أم عجزاً، أم ضعفاً، أم استسلاماً، أم قسوة، أم تجاوزاً». ثم يستعرض الجهود الجبارة للدين، عن طريق الأنبياء والأئمة والعلماء المجاهدين، التي قادت جهودهم وجهاداتهم، مسيرة الإنسان تاريخياً إلى الحرية والهداية، ورفعت عن كاهله صنوف الاستبداد والظلم، وصولاً إلى المرحلة المعاصرة التي كان للدين دور فاعل ومؤثر، في استنهاض الشعوب في العالم العربي، وتوسعة مساحة الوعي، وتحريك الجماهير في الحفاظ على مكتسبات بلدانهم، والتخلّص من دوائر النفوذ الأجنبية، ومقاومة الأعداء والتصدّي لهم، وفي مقدمهم إسرائيل. ولئن ثبت سابقاً أنّ الاستعمار استطاع تخدير الواقع الإسلامي، أو جرّ بعض الحركات الثورية الدينية، أو غيرها، إلى مداره، أو جرّد بعضها، بحيث منع عنها الوسائل والقدرات لمواصلة اندفاعها. ولئن نجح أيضاً في قسمة العالم الإسلامي إلى مناطق ومربعات، وزرعها بالأحقاد والصراعات، إلا أنّه لم ينجح في سدّ كل الآفاق أمام الإيديولوجيا الدينية الثورية الأصيلة في أن تنعتق، ويخرج أصحابها من أسر الأفخاخ والمطبات والإغراءات، والانتقال بالأمة من وضعية ساقطة فكرياً وسياسياً وثقافياً، إلى وضعية تاريخية تقوم في جوهرها على التجديد الروحي والإنساني والقيمي.
* كاتب وأستاذ جامعي