المعركة مع السلطة في لبنان ستكون متدحرجة وطويلة، وقد تتخلّلها أيضاً صراعات جانبية بين القوى التي تقود الحراك وتضع برنامجه الرئيسي. هذا ما أوضحته وقائع الأيام الماضية، ابتداءً من تشكيل لجنة متابعة تحرّك 29 آب، مروراً بخطوة «احتلال» وزارة البيئة، التي لم يجرِ التنسيق لها جيّداً، وصولاً إلى الانتصار الرمزي الذي حقّقته حركة «بدنا نحاسب» حينما أجبرت محافظ بيروت على إيقاف العمل بعدادات «البارك ميتر» بالقرب من الكورنيش البحري للمدينة.


في «الأحوال العادية» للثورات، أو الانتفاضات، تكون هذه الخطوات منسّقة بين جميع القوى المشارِكة في الاحتجاجات، ويجري التخطيط لها في إطار خطّة العمل المتدرّجة، التي تضعها هذه القوى لمواجهة تحرّكات السلطة. لكن في الحالة اللبنانية لم يحصل هذا الأمر، وبدا كأنّ الخطوات التصعيدية تحصل بتعارض بعضها مع بعض، أو على الأقلّ، من دون الاتفاق على أيّ منها ستكون الأجدى أو الأكثر فعاليّة في مواجهة السلطة. في البداية كان الاتفاق بين القوى جميعها، بما في ذلك تلك التي تملك برنامجاً «إصلاحياً» فحسب، على تشكيل إطار موحّد للحراك، فكانت ولادة لجنة المتابعة لتحرّك 29 آب، وحصل توافق ضمني بين القوى على أن تكون هي الإطار الموحّد لعمل المجموعات كافّة، على أن يُحتَفَظ بالمقابل بالكيانات الرمزية للقوى الاحتجاجية، بحيث تُحافظ على استقلالية نسبية لها، ولا تُرغَم على الذوبان في الإطار الجديد، وهو ما يحفظ للحراك ديموقراطيته، ويسمح له بهامش أكبر من الحركة والمناورة تجاه السلطة. واتفق، في ضوء هذه الاستراتيجية، على عقد اجتماعات عمل لتقرير الخطوات اللاحقة، وصياغة المطالب الأساسية التي ستتحرّك اللجنة لمتابعتها. في الاجتماع الأول للجنة، بدأت تظهر تباينات فعلية بين القوى، حول مطالب لا يمكن اعتبارها ثانوية في سياق المعركة مع السلطة، وعلى رأس هذه المطالب القضية الاجتماعية، التي تشكّل مسألة النفايات جزءاً بسيطاً جداً منها. إذ بعد الانتهاء منها ستُطرَح مشكلة الكهرباء، وبعدها الأملاك البحرية المُستولى عليها، وهكذا دواليك. المسألة إذاً تتجاوز الاشتباك الجزئي الذي يريد فريق معيّن من المحتجين حصر المعركة مع السلطة به، حيث يتضح أنّ الخلاف ليس فقط على شكل إدارة المعركة، بل أيضاً على مضمونها، الذي يريده الفريق الليبرالي صُوَرياً ومنزوعاً من السياسة والعناوين الاقتصادية، بينما يسعى اليساريون إلى وضع هذه الأخيرة في صلب الحراك. ومن هنا كانت الصعوبة التي واجهها المجتمعون بالاتفاق على توحيد الخطوات التصعيدية، وتُرجِم هذا الأمر عبر الاعتراض الذي أبداه اليساريون على آلية التنسيق، التي فشلت في أوّل اختبار جدّي لها، وبدا أن تجاوزها، ليبرالياً، هو السبيل للهروب من العناوين الكلية التي تزعج السلطة، إلى تلك الفرعية التي تدغدغها فحسب. وفيما يقول الليبراليون داخل الحراك إنهم ليسوا معنيين ببرنامج «لا يتيح اشتباكاً مباشراً مع السلطة» كما حصل في وزارة البيئة، يتبيّن من خلال تصريحات بعض المنسّقين للجنة المتابعة أن برنامجهم هو «الراديكالية بحدّ ذاتها»، مضافاً إليها بالطبع الربط الذي يفتقر إليه الليبراليون، بين الاشتباك مع السلطة والعناوين السياسية والاقتصادية التي يسعى هذا الاشتباك إلى فرضها كبديل من طروحات السلطة وبرنامجها، وهو بالضبط ما لم نشاهده في معركة وزارة البيئة. الاشتباك هناك بقي في حدود الضغط الذي تمارسه كلّ الحركات الاحتجاجية، ولكنه في غياب طرح يتجاوز استقالة الوزير يبقى «احتجاجاً لمجرّد الاحتجاج» تماماً مثل المعارك التي خِيضت، بشجاعة وبطولة قلّ نظيرهما، في مصر ضدّ وزارة الداخلية، ولكنها «لم تؤدِّ إلى شيء» بسبب افتقادها إلى الربط بين العنف المُمارس ضدّ السلطة، والجذر الاجتماعي والطبقي الذي يصدر عنه. في مصر كان الوضع أفضل لأنها معارك خِيضَت بشجاعة، من قبل مهمّشين وفقراء لم تستطع الأحزاب أو الحركات الاحتجاجية تأطيرهم، فذهبت تضحياتهم العظيمة هباءً، بينما الاشتباك هنا يفتقر، فضلاً عن التأطير والربط بالمسألة الاجتماعية ــ الاقتصادية، إلى الوقود الذي يشعل الثورات والاحتجاجات، ويقود إلى تحقيق نتائج حقيقية في مواجهة بطش السلطة (المهمّشون). لا أريد إسقاط النموذج المصري «ميكانيكياً» على الحراك في لبنان، لأن العنف الذي انطوى عليه لا يناسب البنية الاجتماعية اللبنانية، وقد يفجّرها بالكامل، وهذا آخر ما يتمنى المرء حصوله، ولكن تناوله في سياق استعراض نماذج الاحتجاج التي مُورست حتى الآن في بيروت يبقى مفيداً، على الأقلّ لتفادي ممارسة العنف، الرمزي أو الفعلي، في أماكن لم يحصل اتفاق بين القوى على أنها تمثّل عنواناً من عناوين السلطة المراد تغييرها. وزارة البيئة لا تحمل هذه الرمزية قطعاً، وقد جرى اختيارها من قبل الجناح الليبرالي داخل الحراك بسبب هامشيّتها، وعدم تشكيلها عنواناً مُتَّفقاً عليه للصدام مع السلطة. وإذا كانت معركتها قد «وسّعت من إطار الاحتجاج»، و»دفعته قدماً»، فهذا لأنّ الاشتباك مع السلطة يبقى في كلّ الأحوال اشتباكاً، وفي الصدامات، عادةً، تتخلّى كلّ الأطراف المتباينة عن اشتراطاتها، وتتّحد في مواجهة السلطة، ثمّ تعود إلى طرح العناوين الخلافية حين تطمئن إلى أنّها قد ربحت، أو على الأقلّ لم تخسر. بهذا المعنى، إنّ معركة وزارة البيئة كانت بالنسبة إلى الجناح اليساري، داخل الحراك، معركة «الحفاظ على ماء الوجه»، وعدم ترك السلطة تستفرد بالفريق الذي اختار مواجهتها وحده، بغرض إحراج الآخرين ودفعهم إلى الاصطفاف معه. والحال أنّ المواجهة بحدّ ذاتها كانت «مفيدة»، ولم تسئ إلى الحراك ككلّ، لكنها في المقابل غيّرت من استراتيجيته، التي كانت تعتمد على التصعيد الموحّد، والمتدرّج في مواجهة السلطة، وبذلك تكون قد أحرجته أمام المجموعات الأخرى، التي باتت تريد هي الأخرى حيزاً خاصاً بها داخل اللجنة. هنا تكون لجنة المتابعة قد «ربحت» معركة جانبية لم تكن من ضمن خياراتها الأساسية، ولكن ليس دون ثمن، فقد تخلّت لقاء ذلك عن «الاستراتيجية الموحّدة» التي كان مقرّراً العمل بها، تاركةً الخيار للمجموعات المختلفة كي تبادر من تلقاء نفسها في مواجهة السلطة. وهو بالضبط ما فعلته حركة «بدنا نحاسب» حين أقدمت على تعطيل عدادات «البارك ميتر» التي نصبتها السلطة بجانب البحر، بغرض تدفيع الشعب ثمن نزهة بسيطة. هنا بدا التحرك في مكانه تماماً، بدليل تراجع السلطة عن الإجراء خلال فترة قياسية، والاتفاق بين المجموعات على تثمير ما حصل لمصلحة المزيد من التصعيد ضدّها. في هذه الحال يستفيد الجميع من المبادرة، ولا يكون تضارب في المواقف، كما بدا من الاختلاف الأولي حول مسألة وزارة البيئة، والأهم من هذا وذاك هو تراجع السلطة لمصلحة الحراك، في خطوة تحمل الكثير على المستوى الرمزي.
* كاتب سوري