كم خذلناك


عذرك سيّدي،
عذرك سيدي، فهكذا نحن. هكذا هي حضارتنا وهكذا هي ثقافتنا، وتاريخنا شاهد علينا. نحن شعوب ما بين «الوفاء» و«الولاء» عندنا برزخ شاسع فلا يتصلان؛ ترانا نهاب الموت، نتحسّر على الخسارة ونندب الفقدان لنسمي ذلك بكل فخر واعتزاز «وفاء»، أما «الولاء» لحضرة العلم والعالِم في حياة الحكمة والحكيم فأمر لم نتعلّمه بعد، وقد لا نتعلّمه أبداً!
كأنك يا سيدي لم تعش فينا سنين عجافاً، كأنك لم تكن في حياتك «فقيه انفتاح» أو «أباً رحيماً»، كأن علومك يا سيدي وأفكارك في ما مضى ظلت داخل أدراج سرية وغرف حديدية ما اكتشفناها إلا بعد رحيلك. ما أغشانا وما أتعسنا!
ها نحن ننقضّ لتوديعك أمماً حاشدة من مقلّديك ومحبيك وحتى بعض من مقدّري مناهجك ومحترميها رغم تعارضها وأفكارهم أو «سياساتهم». زمرٌ وفرادى تجتمع بضع ساعات لتعيد جثمانك الطاهر بلا روح إلى المكان نفسه الذي مرّت سنونك فيه عالماً مفكراً وإماماً واعظاً. هي ذاتها الوجوه، وهم ذاتهم الأشخاص الذين قضيت عمرك كله تحاول جمع تنافرهم وفض اختلافاتهم، تحاول نقلهم من «كانتونات» الاصطفاف والتعصب الديني والمذهبي وحتى السياسي، إلى رحاب الانتماء الوطني والعلمي بل الإنساني، وكم خذلوك وخذلناك!
كأني بك اليوم يا سيدي تنظر إلى كل تلك الجموع بفرحة وحسرة: فرحة المنظر «الوحدوي» المتراصف الذي عملتَ وجهدتَ واجتهدت من أجله، فتجلّى أخيراً في ظلال عباءة فقهك الشريف وعمامة أفكارك المقدسة، مع أن الخلافات هي هي، والتناحر هو هو، لكن جلّ فقدانك فحقّت بعد طول انتظار أحلامك، وإن لن تدوم للأسف طويلاً. وحسرة على مُرّ الحقيقة، حقيقة أن ما خُذلتَ به في حياتك مراراً صنعه بلمح البصر سحر موتك!
بالله مولاي لا تتحسّر علينا وافخر في رياض فردوسك، فالفوز لك في الدنيا والآخرة وقد أدّيتَ أمانة أجدادك الطاهرين وكنت تالله خير المؤدين. أما نحن، فالحسرة فينا من بعدك ما دمنا في وحول انقساماتنا نتخبط غارقين خاسرين. أنت يا سيدي الحي في موتك، ونحن سنظل في حياتنا ميتين، نحتاج إلى نيزك كموتك يضرب خمول ضمائرنا بين الحين والحين لنعرف قيمة مَن مثلك، وأمثالك صاروا قليلين قليلين. ما أفظع غيابك مولاي في زمن كثرت فيه العمائم والمآذن وندر فيه الرجال والدين!
أحمد باسم سبيتي