مصطفى بسيوني *

في مقاله الخميس الماضي، شرح خالد صاغية كيف تصبح مصائر البلاد العربية الرازحة تحت الاستبداد، مثل مصر، مرهونة بصورة الدكتاتور المعلقة على الحائط، سواء كان الديكتاتور حياً أو ميتاً. وأعلن صاغية في مقاله أن مصر قد ماتت وأن الدولة التي تتواطأ على حصار المقاومة ليست هي مصر. والدولة التي تقمع عمالها وتبيعهم للشركات الأجنبية بأبخس الأثمان وتعذب أبنائها حتى الموت في السجون ويهرب منها أبناؤها للخارج، ليست هي مصر أم الدنيا، على حد تعبير صاغية.
بداية لا يجوز استقبال هذا الإعلان الصادم من جانب صاغية لما اعتبره «موت مصر»، بالتشنج والعصبية المعتادين في هذه المواقف. فالرجل يتعرض للوضع المصري ضمن الوضع العربي ككل، والذي يعاني بالفعل من هيمنة الديكتاتورية والاستبداد. وهذا الهجوم الحاد على الدور المصري الرسمي إنما يتضمن تقديراً للدور المصري وطابعه المركزي في المنطقة، ليس لاعتبارات الهوس الشوفيني المتفشية في وسائل الإعلام الرسمية، ولكن لاعتبارات موضوعية جداً مثل الجغرافيا والسكان. والأهم أنه محق فعلاً في أن من يقوم بحصار المقاومة والتعذيب وكل ما ذكره، ليست مصر.
ولكن ما يمكن مناقشة خالد فيه هو ذلك التوقيت الذي اختاره لإعلانه. فقد اختار لحظة الميلاد ليعلن فيها الموت. نعم إنه الميلاد ما تعيشه مصر الآن وأيضاً البلدان العربية، وليس الموت. إن ما تحدث عنه صاغية من تواطؤ مع الاحتلال وحصار للمقاومة وقمع واضطهاد وإهدار لثروات البلاد واستغلال للعباد، ليس سوى ممارسة قديمة وممتدة لأنظمة الاستبداد في مصر والمنطقة العربية ككل. والجديد اليوم هو رد الفعل الذي أصبح يلازم كل سياسات النظام. فتبنّي مشاريع التسوية الأميركية ومحاصرة المقاومة لم يبدآ اليوم، بل منذ أكثر من ثلاثين عاماً. ولكن اليوم، يبيت المتضامنون مع المقاومة على الإسفلت أمام معبر رفح لإعلان تضامنهم مع المقاومة. التعذيب في السجون والاضطهاد والملاحقة لم تتوقف أنظمة الاستبداد في المنطقة يوماً عن ممارستها، ولكن ما تغير اليوم أن مصرع شاب بسبب التعذيب على أيدي الشرطة يحرّك التظاهرات في طول مصر وعرضها ويضطر الدولة لاتخاذ إجراءات لتهدئة الرأي العام. سياسات السوق والخصخصة التي أدت للإفقار وتدني الأجور وتدهور شروط العمل بدأت من عقود، ولكن اليوم لا تنقطع إضرابات العمال للمطالبة بتحسين ظروف العمل والأجور وتضطر الدولة للتنازل أمامها. قائمة طويلة من الأمثلة في مصر والبلدان العربية يمكن بها اكتشاف أن ما نعيشه اليوم هو ميلاد جديد وليس موتاً. والأكثر لفتاً للنظر أن الوجوه التي تتصدر المشهد اليوم في مصر مثلاً هي وجوه شابة في العشرينيات لم يروا في حياتهم حاكماً غير مبارك ولم يعرفوا سوى الطوارئ والخصخصة وخيار السلام. ومع ذلك، هم أنفسهم الذين هتفوا بسقوط مبارك في التظاهرات وطالبوا بإلغاء الطوارئ وقطع العلاقات مع إسرائيل.
النظام الذي تمتع بالاستقرار لثلاثة عقود ولم يجد من يهمس بتغييره، يجد اليوم من يتحداه وجهاً لوجه ويطالب بالتغيير بأعلى صوت. ليست سكرات الموت ما نسمعها في مصر والمنطقة اليوم، ولكنها آلام الميلاد. ميلاد جديد تتألم فيه الأم والوليد على السواء. ميلاد سيتحقق حتماً، ليس بسبب الحديث المتكرر عن صحة الرئيس والفترة التي سيستمر بها في الحكم، ولكن لأن هناك ما تغير بالفعل بين الحاكم والمحكوم. فالمحكوم لم يعد صامتاً تجاه ما يحدث، والحاكم لم يعد لديه ما يسكت به المحكوم. أنظمة تموت وشعوب تولد، ويمسك الميت بتلابيب الحي حتى يصعب التفريق بينهما. ولكن مع الوقت، يظهر الفارق لأن الميت يزداد موتاً، والحيّ يزداد حياةً.
* صحافي مصري