ورد كاسوحة *

ثمة التباس مقصود في النقاش الدائر اليوم حول النقاب. والالتباس هنا مرتبط بالوجهة التي يتخذها هذا النقاش. فلو لم يبدأ الجدل حول الموضوع من دول يقضم اليمين المتطرف رصيدها التعاقدي تدريجاً، لكان الأمر مختلفاً تماماً، ولما تعالت أصوات من بقي من اليسار الأوروبي مطالبةً بتحرير موضوع حظر النقاب من سطوة الأجندة السلطوية في فرنسا وبلجيكا وسويسرا وهولندا وإيطاليا ... المشكلة إذاً هي في الحاضنة اليمينية التي فرضت بحكم موقعها السلطوي نمطاً محدّداً من النقاش على الرأي العام في أوروبا، لا في موضوع النقاش بحدّ ذاته.
بهذا المعنى، يكفّ النقاب عن كونه بؤرة الطرح كما أراد له يمينيّو أوروبا أن يكون، ويعود إلى موقعه الطبيعي بوصفه جزءاً من عدّة شغل اليمين الأوروبي الانتخابية والتحشيدية. وعدّة الشغل هذه ليست بجديدة على القارة التي «أنتجت الفكر الفاشي» وهيّأت له الظروف ليزدهر ويهيمن «قسرياً» على الحياة السياسية هناك. وإعادة إنتاج هذه البيئة اليوم، وإن على نحو مغاير بعض الشيء، تقول لنا الشيء الكثير. ومن جملة هذا القول إن أوروبا اليوم لم تعد تشبه ذاتها كثيراً. طبعاً الذات هنا تخصّ «أوروبا القديمة» أكثر مما تخصّ دولاً كبلغاريا وبولندا ورومانيا. فهذه الدول خارجة «لتوّها» من إرث اشتراكي تريد نسيانه وإزالته من ذاكرة شعوبها. والمشكلة أن هذا الفارق بين ذات عريقة استيعابية وتنويرية وحاضنة للآخر وأخرى طارئة وطاردة لإرثها «الإنسانوي» السابق، يتضاءل شيئاً فشيئاً. والفضل في ذلك يعود إلى سياسات اليمين الجديد في فرنسا وأوروبا عموماً. فمع ساركوزي وبرلوسكوني وأزنار، عادت النزعة العنصرية الممالئة لأسوأ ما في أوروبا لتستيقظ من جديد. وكي ترتدي هذه العودة شكلاً معاصراً و«مفارقاً» للإرث النازي، كان لا بدّ من اختلاق ذريعة ملائمة. ذريعة تبدو كأنها غير شعبوية، لكنها في الحقيقة تنتمي إلى النسق الثاني من الشعبوية. نسق يزعم أنه على قطيعة مع الإرث النازي»، غير أنه يغرف من المعين ذاته الذي غرفت منه النازية. ففي ذلك الوقت، لعب هتلر على عنصر الهشاشة في المجتمع الألماني (الأمن والاقتصاد) ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، ليسوّغ عقيدته التراتبية الفظيعة. واليوم يلعب ساركوزي وأقرانه اليمينيون اللعبة ذاتها، لكن مع فارق بسيط: «العدو» اليوم داخليّ وليس خارجياً. أضف إلى ذلك أنه ليس واضحاً بما يكفي لبناء «إجماع وطني» في مواجهته. من هنا أتت الحاجة إلى بلورة صورة تقنع الفرنسيين (وكذا الإيطاليين والسويسريين و..الخ) بأن هناك من يستهدفهم في أمنهم ولقمة عيشهم ونمط حياتهم.

نسق شعبوي يزعم أنه على قطيعة مع الإرث النازي غير أنه يغرف من المعين ذاته الذي غرفت منه النازية
التسويق لهذه الصورة لم يأتِ عن عبث. فلو لم يكن اليمين الأوروبي المتطرف واثقاً من قدرته على إحداث بلبلة في الشارع، لما أقدم على ذلك أصلاً. وهو يستند في يقينه هذا إلى هشاشة الأوضاع الداخلية في أوروبا وتردّي الأوضاع الاقتصادية فيها (لم تكن الأزمة الرأسمالية العالمية قد نشأت بعد). واللعب على هذين العنصرين كفيل بزحزحة قناعات راسخة أملتها التقاليد الجمهورية العريقة في أوروبا وثورات شعبية عارمة كثورة الطلاب في عام 1968. وقد مثّل التضامن مع الشعب الجزائري وثورته عنصراً مكوّناً في هذه التقاليد. لذا كان لا بد من ضرب هذا العنصر حتى يتاح لليمينيين الجدد داخل فرنسا وخارجها أن يشكّكوا في جدوى فكرة الهجرة إلى أوروبا. والتشكيك في فكرة الهجرة يعبّد الطريق أمام هؤلاء لنزع الشرعية عن المهاجرين العرب وغير العرب إلى «القارة العجوز»، الأمر الذي يسهّل لاحقاً إلحاقهم على نحو فظّ ومبتذل بسردية «تغيير الهوية الوطنية» في كلّ بلد على حدة.
وقد أتت انتفاضة الضواحي في فرنسا أواخر عام 2005 لتزوّد هذا التيار المهيمن بحجّة إضافية، وتسهّل عليه مهمة إزالة الهوامش التي أبقاها اليسار الأوروبي والعربي قائمة بعد حرب تحرير الجزائر وثورة عام 1968. فتلك الهوامش كانت تسمح للمهاجرين العرب بالاحتجاج على تهميشهم المتزايد واستثنائهم من خطط «التنمية الوطنية». أما بعد اندلاع انتفاضتهم في تشرين الأول من عام 2005، فقد كفّ احتجاجهم عن كونه كذلك في نظر «شرائح متزايدة» من المجتمع الفرنسي. لقد باتوا عالة على فرنسا كما أشاع كثيرون في تلك الفترة. والعالة في قاموس وزير الداخلية الصاعد آنذاك نيكولا ساركوزي طعّمت بنبرة سوقية قريبة من الرطانة الفاشية لتصبح: حثالة. و«مجتمع الحثالة» لا يمكن التعامل معه كما لو كان محصّلة طبيعية لفلسفة الثورة الفرنسية في المواطنة والإخاء والمساواة. فالصيرورة التاريخية لا مكان لها في مفردات اليمين الذي يريد لفرنسا أن تبقى «نقية عرقياً». ومنظّرو «النقاء العرقي» لا يعترفون أساساً بوجوب التعامل مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تطرأ مع الزمن، وتفرض على كلّ بلد أن يتكيّف معها بحسب إمكاناته وواقعه الديموغرافي المتغير. ولو جرى التعامل مع واقع الهجرة من منظور ديموغرافي بحت لأمكن هؤلاء السذّج والأغبياء في اليمين الفرنسي والأوروبي أن يفهموا أن عجلة اقتصادهم ما كانت لتدور أصلاً لولا العمالة الرخيصة التي أتتهم من شمال أفريقيا ودول المغرب العربي. فـ«أوروبا القديمة» تعاني اليوم فعلاً من مشكلة ديموغرافية تتمثّل في تناقص اليد العاملة الشابة وعدم قدرة من بقي منها على تغذية نهم الرأسمال الأوروبي إلى الربح. واللافت أن قواعد اليمين الأوروبي المعادية للمهاجرين تنتمي في جزء كبير منها إلى طبقة رجال الأعمال المشغّلة لأولئك المهاجرين أنفسهم. وهذا تناقض أساسي بين منطق الربح الرأسمالي وقيم الفاشية السياسية على اليمين الأوروبي أن يحلّه قبل استكمال سعاره المجنون ضد مجتمع الهجرة داخل فرنسا وخارجها. والعجز عن حلّ هذا التناقض يعني وصول الخيارين السياسي والاقتصادي إلى مأزق كما هي الحال مع التجارب الفاشية كلّها. وعندها لا يبقى سوى الحلّ الأمني سبيلاً إلى «إخراج» هذا النسق اليميني المتطرف من القعر الذي يقبع فيه. «إخراج» سيفضي به لاحقاً إلى قعر أعمق، غير أن غباءه المزمن وقلّة حيلته المستديمة سيمنعانه من رؤية ذلك.
والغريب في الأمر أن المقاربة الأمنية لقضية المهاجرين العرب استحالت مع انتقال وزير الداخلية اليميني إلى رئاسة الجمهورية «استراتيجية وطنية». «استراتيجية» وضعها حزب «التجمع من أجل أغلبية شعبية» الحاكم قيد النقاش منذ أن دخل رئيسه ساركوزي في مأزقه الداخلي. وعندما تأكّد «ورثة ديغول» المزيّفون أن السجال في شأنها لن يتخذ الوجهة التي أرادوها بفعل معارضة كثير من أحزاب اليسار لافتعال سجال لا يمسّ المشاكل الحقيقية للفرنسيين اضطروا إلى تعديل أجندتهم قليلاً، من دون المساس بالوجهة الرئيسية. من هنا كان اللجوء إلى تصيّد موضوع هامشي وفرعي كموضوع النقاب وإدماجه في النقاش الذي سحب لتوّه حول قضية «الهوية الوطنية». والتعويل على إحلال «الفرع» محلّ «الأصل» كان في مكانه مع الأسف. فساركوزي وحاشيته يدركون جيداً الحساسية المفرطة التي يبديها الفرنسيون تجاه «الهويات الجزئية»! وارتداء النقاب بات بالنسبة إلى كثيرين داخل فرنسا وخارجها علامة من علامات هذه الهويّة. هويّة يرون أنها باتت «تأكل» تدريجاً من رصيد العلمانية الفرنسية! وما فعله ساركوزي هو بالضبط استثمار عنصر «التآكل» هذا (وهو تآكل غير حقيقي نظراً إلى تسامح المجتمع الفرنسي مع هويات جزئية أخرى كاليهود والسيخ...الخ!)، وإيهام الفرنسيين بإمكان الحدّ منه إذا ما أوعزوا إلى ممثليهم في البرلمان بذلك. والحيلة هنا هي اللجوء إلى التشريع لإسباغ صفة قانونية على قوانين منافية للحرية الشخصية ولحقوق الإنسان في آن معاً. وهو ما أكده مجلس الدولة الفرنسي (مشورته غير ملزمة للحكومة) عندما أشار إلى احتمال تعارض قانون حظر النقاب مع القانون الدولي لحقوق الإنسان، ومع دستور الجمهورية الفرنسية. إلا أن هذا لم يمنع من التصديق على مشروع القانون بما يشبه الإجماع في الجمعية الوطنية الفرنسية (البرلمان). وهذه فضيحة حقيقية طالت النخبة الفرنسية الحاكمة بجناحيها الموالي والمعارض. ذلك أن انسحاب بعض نواب حزبي الخضر والشيوعي من الجلسة أثناء التصويت على القانون لا يضعهما خارج الإجماع السلطوي على استثناء مسلمي فرنسا من بركات الحرية والعدالة والمساواة! وعبارة مسلمو فرنسا هنا لها مدلول خاص. والسبب في ذلك أن مشروع القانون لم يكن «لينفذ» على هذا النحو سلطوياً و«شعبياً» لو لم يربط واضعوه بين الإسلام كدين وشعائر ومجتمع الهجرة كحاضن لهذا النّسق من التدين الإسلامي.
وهنا مكمن الخطورة. فمن وضع هذا القانون كان يعرف أن المجتمعات الأوروبية بعد تفجيري مدريد ولندن في عام 2005 لم تعد تميّز كثيراً بين إسلام الممارسة والشعائر والتدين التقليدي، و«إسلام» القاعدة التكفيري والمفارق لروح التديّن. والمشرّع الفرنسي (وكذا البلجيكي) هو جزء لا يتجزأ من هذا المجتمع. لذا فإن سنّه لقوانين مجحفة كهذه سيبدو كما لو أنه تخلٍّ عن شرائح إسلامية واسعة (من مواطنيه) لا تريد أن تلحق على نحو فظّ ومبتذل بسردية «طالبان». سردية اتخذ منها اليمين الفرنسي والأوروبي ذريعة لطمس الأذى الذي ألحقه أشخاص مثل ساركوزي وبرلوسكوني وأزنار ببنية المجتمعات الأوروبية.
* كاتب سوري