ياسين تملالي

فرض قانونُ المالية التكميلي للسنة الماضية على المستثمرين الأجانب أن يخصصوا على الأقل 51 في المئة من أسهم مشاريعهم الجديدة لطرف جزائري يختارونه، كما رهن الموافقةَ على هذه المشاريع بإثبات أصحابها عدم اختلال ميزان العملة الصعبة في حساباتهم. هذان الإجراءان أثارا غضبَ الشركات الأجنبية العاملة في البلاد، لكن الحكومةَ لن تتراجع عنهما في قانون المالية التكميلي للسنة الجارية، ولها من الأسباب ما يبرر ذلك.
صحيحٌ أن الاستثمارَ الأجنبي في الجزائر تراجع بنسبة 50 في المئة في 2009 مقارنة بـ 2008 (حسب مرصد إعلانات الاستثمار في البحر المتوسط، Anima-Mipo)، لكن هذا التراجعَ لا يفسَّرُ فقط بتغيّر سياسة الحكومة، بدليل تراجع الاستثمارات الأجنبية بين 2008 و2009 في المنطقة المتوسطية عامةً (17 في المئة)، بل في العالم كله (37 في المئة). بالإضافة إلى ذلك، يُلاحظ أن سياسةَ الحكومة الحمائية لم تمنع اهتمام الأجانب ببعض القطاعات الصناعية، وأوضحُ برهان على هذا إعلانُ الوزير الأول أحمد أويحيى في 11 تمّوز/ يوليو الماضي إبرام اتفاق بين وزارتي الدفاع والصناعة، من جانب، ومجمع ألماني (شركات إي آي دي آس وروهد أند شوارز وكارل زايس)، من جانب آخر، لإنشاء مؤسسة مختلطة كبيرة لإنتاج النظم الإلكترونية.
ويُنتظر من قانون المالية التكميلي لـ2010 أن يواصلَ تشجيعَ المتعاملين المحليين (الخواص والعموميين) عن طريق إدخال تعديلين على قانون الصفقات العمومية يمكن اعتبارُهما استجابةً لضغوط الشركات الجزائرية التي حُرمت من ملايين مخططات التنمية الحكومية منذ 2001. التعديلُ الأول يُعطي الأفضليةَ لعروض هؤلاء المتعاملين وإن تجاوزت قيمتُها (في حدود 25 في المئة لا أكثر) عروضَ منافسيهم الأجانب (هذا الهامش حالياً محددٌ بـ15 في المئة)، فيما سيسمح التعديلُ الثاني بإطلاق مناقصات تقتصرُ على الشركات المحلية، عندما يتعلق الأمرُ بصفقات صغيرة أو متوسطة.

بورجوازية صاعدة تدافعُ عن حرية التجارة عندما تشتغل بالتجارة وتدعو إلى الحمائيّة حالما تتحوّل إلى الإنتاج
ويُتوقع أن يواصلَ قانونُ المالية لـ2010 السيرَ على نهج «حماية الإنتاج الوطني»، وهو نهجٌ أحد معالمه البارزة منعُ قروض الاستهلاك بموجب قانون المالية التكميلي لـ2009. يدورُ الحديثُ في هذا السياق حول الحظر الكامل لاستيراد بعض البضائع التامة الصنع (أي القابلة مباشرة للاستهلاك أو الاستعمال) ومنها حسبَ معلومات غير رسمية منشورة في الصحافة الجزائرية كثيرٌ من المنتجات الغذائية (المصبرات، العصائر، العجائن، الخ). يدورُ الحديث كذلك حول فرض رسوم عالية على استيراد منتجات معينة كعربات النقل الثقيلة والموتوسيكلات، بل والقمح أيضاً (بهدف تشجيع أصحاب المطاحن على استهلاك القمح المحلي).
يُذكر أن هذا التوجّهَ الحمائي بدأ من القطاع البترولي، في خريف 2006، بتقليص امتيازات كبيرة كانت قد منحت للشركات الأجنبية على حساب الشركة الوطنية سوناطراك، لكنه بدأ يتجذر حقيقةً في صيف 2008. وتجلى تجذره في قانون المالية التكميلي لـ2008 من خلال إجبار الشركات الأجنبية على أن تستثمرَ في البلاد من أرباحها ما يتناسبُ والإعفاءات أو الخفوضات الجبائية التي تستفيد منها، كما تجلى في قانون المالية لـ2009 بإقرار احتساب ما يُحوَّل إلى الخارج من أرباح هذه الشركات كريوع فردية لمالكي أسهمها (أي فرض ضريبة عليها نسبتُها 15 في المئة) وإجبار المستوردين الأجانب على تخصيص 30 في المئة من رساميل مؤسساتهم لشركاء جزائريين.
لا شك في ضرورة هذا التوجه لحماية اقتصاد وجّهته السياساتُ الليبرالية وجهةً تخدم مصالحَ المستوردين لا المنتجين (تضاعفت الوارداتُ الغذائية بين 2003 و2008 ثلاث مرات، إذ ارتفعت من 2،5 مليار دولار إلى 7،8 مليارات، قبل أن تعاود النزولَ في 2009 إلى 5،8 مليارات بفضل تدابير اتُّخذت لترشيدها). لا يُطرح السؤالُ إذاً عن وجاهة الإجراءات الحمائية المتعاقبة منذ 2008 بقدر ما يطرح عن مدى صدق الحكومة وهي تبرّرها بضرورة «النهوض باقتصادنا» «ودفع عجلة الإنتاج والإنتاجية».
هذا السؤال مشروعٌ بالنظر إلى الميزانيات الضخمة التي خصصت لبرامج التنمية والتي تُسيل لعابَ أصحاب القرار والرأسماليين الجزائريين منذ 2001 (قيمة المخطط الخماسي 2010 - 2014 لا تقل عن 286 مليار دولار). أخشى ما يُخشى أن تختبئَ وراء هذا «النهج الوطني» الرغبةُ في نهب جزء من الريع البترولي الهائل (بلغ احتياطي الصرف 149 مليار دولار في أواخر 2009) واقتسام جزء آخر منه مع بورجوازية طالعة طامعة، تدافعُ عن «حرية التجارة» عندما تشتغل بالتجارة وتدعو إلى «حماية الإنتاج المحلي» حالما تتحول عنها إلى قطاع الإنتاج.
كيف نثقُ في نيّات حكومة أويحيى ولا أحدَ يعرفُ كيف تَصرفُ جزءاً معتبراً من مداخيل الجباية هو فوائض الجباية البترولية المتراكمة في «صندوق معادلة نفقات الدولة» (لا يرد له ذكر مطلقاً في قوانين الماليّة)؟ كيف نثق فيها وجلّ أعضائها هم ذاتُهم من طبّقوا أكثر التوجهات ليبرالية خلال العشرية الحالية؟ طيلة سنوات، رفض وزيرُ التجارة مجرد الاستماع إلى مقترحات إعادة النظر في اتفاقية الشراكة بين الجزائر والاتحاد الأوروبي، لكنه هو اليوم من يردد غاضباً: «على أوروبا ألا تعتبر بلدَنا مجرد سوق». هل يُعقل ألا يتلازمَ تغيّرُ السياسات بتغير السياسيين وأن يدافعَ وزراءُ عبد العزيز بوتفليقة عن «الاقتصاد المسيّر» بالحميّة نفسها التي رافعوا بها عن «اقتصاد السوق»؟
* صحافي جزائري