حسان الزين

ما الفارق بين نبيه برّي وكامل الأسعد؟
من يعتقد أن هذا السؤال هو لتقليص الفارق بين هذين الشخصين الجنوبيين، فهو مخطئ. الفارق بينهما كبير، أكبر بكثير مما يحلو للبعض رسمه وإظهاره لإعطاء أرجحية الأفضلية إلى «الإقطاعي الأصيل». ويستند أصحاب هذا الرأي إلى ممارسات لا عدَّ لها قام ويقوم بها برّي وحركته وجماعته، في المجلس النيابي والإدارات الرسميّة وفي السياسة والمجتمع... والاقتصاد طبعاً.
بالرغم من ذلك، ثمة فارق بينهما. الأسعد اسم لطبقة محدودة استطاع بعضها، في مقدّمه البيت الأسعدي، وعلى مدى عقود وأجيال، احتكار السلطة السياسية والثروة والإفادة من ذلك لإطالة عمرها في السلطة السياسية ولمضاعفة ثروتها المستمرّة رغم تآكلها وجمودها.
في مقابل هذا البعد الطبقي، يمثّل نبيه بري، رئيساً لحركة أمل ثم رئيساً للمجلس النيابي، عنواناً لحراك طبقي آخر. صحيح أنه ليس من الحراك الطبقي النقيض الذي أخذ منحى يساريّاً وولد بين المزارعين وفي القرى الفقيرة وداخل البيوتات العائلية والدينيّة، إلّا أنه استطاع أن يرث حراكاً يناقض الحراك اليساري أيديولوجياً، ويقوم على أنقاض الإرث الإقطاعي سياسياً واجتماعياً واقتصادياً.
على هذين الخطّين تحرك نبيه بري، بانياً زعامته التي أعادت تدوير الشعارات الطبقية لليسار في بوتقة دينية لها القبول في تلك البيئة، ووجّهتها لإزاحة الإقطاع السياسي. هكذا، سحب بساط الشرعية الدينية والسياسية من تحت أقدام اليسار المنتشر بكثافة بدت هشّة ومحاصرة، وفي الوقت نفسه أزاح بساط الزعامة من تحت أقدام الإقطاع الذي بدا هزيلاً وتابعاً في نظام انتفض عليه برّي وجوّفته الحروب والمصالح والمتغيّرات.
لم يكن بري لينجح هذا النجاح الساحق لولا هشاشة اليسار وتبعيته العمياء للتنظيمات الفلسطينية ودخوله مغامرة حربية بقيادة مذهبيّة. وإذا كانت الأزمة العالمية لليسار هوّنت على برّي المعركة، فإن الإقطاع بشكله القديم بدا سابقاً لليسار في هشاشته وبؤس شعاراته.
فهذا الإقطاع الذي لنظامه دور في اندلاع الحرب دهمته الحرب بعناوين قومية ليس له فيها. وزادته تبعيته السياسية للنظام وطاقمه الحاكم، هامشية وتخويناً. وإذا كانت هذه الصفحة من كتاب «الصراع» بين الإقطاع واليسار والثورة، فإن الضربة القاتلة التي وجهها الإقطاع إلى نفسه هي في تجديد الارتباط بالطاقم السياسي ونظامه المترنّح، بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، تأييداً لانتخاب بشير الجميل ثم أمين الجميل. وكامل الأسعد الذي بقي يدافع عن اتفاق 17 أيار، اعترف بنفسه بأن رئيس الجمهورية آنذاك، أمين الجميّل، خدعه في نقل حقيقة الموقف السوري.
وهنا مربط الفرس. فالأسعد والإقطاع الجنوبي في جبهته، كان في تلك المرحلة بعيداً عن السوريين، وعلاقته بدمشق عبر الرئيس وجبهته. والزمن كان، في لبنان وتحديداً في «المنطقة الغربية»، ينقلب سورياً. ورجل المرحلة، في الساحة التي يخليها الإقطاع ويُطرد منها اليسار، هو نبيه بري. خدمة مزدوجة أو مثلثة أو مربّعة، تلقاها نبيه بري، من الحليف السوري، لكن أيضاً من الهشّين داخلياً.
وأدرك نبيه برّي التلقف وملأ الفراغ بسهولة تارة وبمواجهات ومعارك تارة أخرى حتى بات خلال نحو عقدين، الزعيم الذي ينضوي تحت عباءته الكثير من أتباع الإقطاع وأيتامه، وإذا كان لا يزال يقود حركة رحّبت بإزالة «فتح لاند» ثم قاومت الاحتلال، وناهضت الإقطاع حيناً وامتصّته أحياناً، فإنه الزعيم الذي يتحالف مع من يقاوم الاحتلال ومن يشاركه في ملء الساحة بعد الإقطاع واليسار على حدّ سواء. هو، أي برّي، باختصار، الزعيم والثورة، الأب والابن، الأخ والشقيق.
الفارق بين الأسعد وبري ليس في أن الأوّل كان على طلاق مع سوريا والثاني حليفها، ولا في أن الأوّل كان رئيساً للمجلس النيابي والثاني حلَّ بدلاً منه على رأس السلطة الاشتراعية. القصة أبعد من ذلك. الأسعد عنوان لطبقة أفَلت، وبري عنوان لتغيرات وملامح طبقية ولدت وتوسّعت في الحرب وفي السلم، في الدولة وإداراتها ومنافعها وامتيازاتها وفي المجتمع وتشكيلاته، في العلن وفي السرّ.