إعداد وترجمة ديما شريف

ينتهي في نهاية العام مفعول الخفوضات الضريبية التي أقرّها جورج بوش الابن في 2001 للأغنياء وللطبقات الوسطى من الأميركيين. ويدور جدل حول تمديد العمل بهذه الخفوضات، وهذا ما يريده الجمهوريون، أو تعديلها لتشمل الطبقات الوسطى فقط، وهو ما تطرحه الإدارة الاميركية. لكنّ الديموقراطيين، وتحديداً بعض أعضاء الكونغرس، ليسوا موحّدين. فبعضهم، كما الجمهوريون، يريد مصلحة الأغنياء، أي مموّلي الحملات الانتخابية. وتجد الإدارة الأميركية نفسها في موقف حرج حول مستقبل هذه الخفوضات، فيما يطالب البعض بطرحها كموضوع أساسي قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في تشرين الثاني المقبل، لكونها مؤثراً كبيراً على اتجاهات الناخبين الذين ينتمي القسم الأكبر منهم إلى الطبقة الوسطى

معارك أهلية ديموقراطية



ديفيد سيروتا *
في الساعات الاثنتين والسبعين الأخيرة، شهدنا على الخطوط العريضة للحرب الأهلية الديموقراطية التي لا يمكن تلافيها، وهي كانت تختمر بسبب الضرائب والإنفاق. الطرفان يريان أنّ أسلوبهما هو الطريق الأمثل لتحقيق الازدهار الاقتصادي. السؤال إذاً هو: أي طرف لديه الحجة التي تعتمد على الحقائق، وأي طرف يمثل النظرية التي لا واقع فيها؟
قبل الإجابة عن هذا السؤال، دعونا نشرح أولاً من يكون كلّ طرف.
الطرف الأول هو إدارة أوباما والديموقراطيون التقدميون الذين يتعهدون الحفاظ على وعدهم بترك الخفوضات الضريبية التي أقرها بوش للأغنياء، بالانقضاء في موعدها. الأكثرية في هذا الطرف يريدون إعادة استثمار بعض أو كلّ الأموال الضريبية التي ستنتج من انتهاء الخفوضات الضريبية في الإنفاق الداخلي، ما سيعيد بناء البنى التحتية المنهارة ويساند اقتصادياً الأشخاص الأكثر تضرراً من الركود.
في الجانب الآخر، هناك الديموقراطيون المحافظون من الكونغرس الذين يتحوّلون تدريجاً إلى متهوّرين في تصريحاتهم. فهم يقولون إنّ على الطبقة الوسطى الأميركية اليوم، وتلك التي ستظهر في المستقبل (بسبب فوائد دفعات ديونها)، أن تدفع ضرائب أكثر أو تعاني من خدمات ومكتسبات مخفوضة لمنع أغنياء اليوم من دفع المزيد. هذه مجموعة منوعة، لكنها قوية وذات حوافز متعددة.
على سبيل المثال، هناك مجموعة «الكلب الأزرق» الديموقراطية [المؤلفة من أربعة وخمسين من أعضاء مجلس النواب، تعد نفسها معتدلة إلى محافظة، وتختار دائماً التوافق بين الحزبين على الإيديولوجيا والانضباط الحزبي التام]. هؤلاء الديموقراطيون المصابون بحالة منهكة ممّا اسميه «اضطراب العجز الاختياري»، يعلنون ولاءهم الصقوري للعجز المالي سبباً لتصويتهم ضد استحقاقات البطالة، لكنّهم يدافعون عن سياسات أخرى مثل الخفوضات الضريبية التي أقرّها بوش. السيناتور الديموقراطي بن نيلسون هو أفضل مثال على ذلك.
ديموقراطيو الصناعات العسكرية يقولون إنّه عوضاً عن خفض ميزانية البنتاغون يجب على عائلات الطبقة الوسطى أن تدفع ضرائب أكثر
وهناك أيضاً ما يمكن أن تسميهم ديموقراطيّي «الخفوضات الضرائبية»، الذين يصرون اليوم علناً على أنّ أولويتهم الأولى والأهم هي حماية أصحاب الملايين من دفع ضرائب كتلك التي دفعوها في عهد كلينتون. مثال جيد على هؤلاء هو النائب الديموقراطي من ألاباما، بوبي برايت، الذي قال لصحيفة «ذا هيل»: «لا أهتم إذا كانوا أغنى الأغنياء، يجب ألا تزيد ضرائبهم».
وهناك، بالطبع، ديموقراطيّو الصناعات العسكرية الذين يقولون إنّه عوضاً عن خفض ميزانية البنتاغون وسخائها الكبير مع بعض أثرى الشركات في وسيلة لإيجاد موارد عامة جديدة، يجب على عائلات الطبقة الوسطى أن تدفع ضرائب أكثر أو تعاني خفوضات في المكاسب الناتجة من ضمانها الاجتماعي وضمانها الصحي. هذا مثال جيد: السيناتور دانيل إينوي، وهو ديموقراطي من هاواي ورئيس لجنة الاعتمادات في الكونغرس، قال إنّه سيبحث أولاً في الزيادات الضريبية والتغييرات في الضمان الاجتماعي والصحي لخفض العجز، وإنّ من «المستحيل» أن يقوم الكونغرس باقتطاعات كبيرة في ميزانية الجيش فيما هناك أكثر من مئة ألف جندي في الحرب.
مَن على حق، ومَن على خطأ في هذا النقاش؟ كما كانوا يقولون في إعلانات دوري البايسبول القديمة، تقوم بالخطوة بعد أن تتحقق من الوقائع التي يمكن إثباتها.
بسبب النقاش الذي دار حول رزمة التحفيز المالية، نعرف أنّ الاقتصاديين التقدميين والمحافظين اتفقوا على أنّ الإنفاق على برامج مثل البطالة وإعانات الطعام هي رافعة أفضل للاقتصاد من زيادة الخفوضات الضريبية. هذا كلام منطقي. ففيما يمكن شخصاً غنياً أن يخبئ المال الذي وفره عبر الاقتطاعات الضريبية، فإنّ أي شخص على حافة الانهيار الاقتصادي سيصرف المال على الضروريات مباشرة. وبالتالي، يمكننا الاستنتاج أنّ زيادة الضرائب على الأغنياء وتخصيص هذه الموارد الجديدة لهذه البرامج ستمثّل رافعة أفضل للاقتصاد من إعطاء الأغنياء خفوضات ضريبية.
من المعلومات الحكومية، نعرف أنّ النسب الضريبية هي في أقل مستوى لها في ستة عقود، وأنّ خفوضات الضرائب التي أقرها بوش منحت الامتيازات الأكبر للأغنياء الكبار وأنّها السبب الأكبر المسؤول عن العجز في ميزانيتنا. نعرف أيضاً أنّ وزارة الدفاع هي في أعلى مستوى تمويل لها منذ الحرب العالمية الثانية، وأنّ ثمة هدراً في ميزانيتها كبيراً، لدرجة أنّ البنتاغون أضاع (نعم أضاع) ما بين تريليون وتريلويني دولار.
أخيراً، من عهد كلينتون، نعرف أنّ رفع الضرائب، على الأغنياء جداً، لا يعوق الاقتصاد، وكما يقول السيناتور بايرون دورغان: «أهم حقبات النمو الاقتصادي كانت قبل إقرار خفوضات بوش الضريبية».
اذاً لإعادة طرح السؤال الأساسي، أي طرف في الحرب الأهلية الديموقراطية الدائرة حول الضرائب والإنفاق هو الذي يقف وراء حجج تعتمد على الحقائق من أجل الازدهار الاقتصادي، ومن يطرح نظرية تخلو من الوقائع؟ أقول إنّ الدليل واضح جداً.
للأسف، الدراسات العلمية الجديدة تظهر أنّ الوقائع والدلائل لا تستمر طويلاً في السياسة عندنا أو في علم النفس الجماعي الخاص بنا. لكن يمكننا أن نستمر في الأمل، أليس كذلك؟
* عن «ذا هافينغتون بوست»: جريدة يومية إلكترونية

في انتظار الانتخابات



جوناثان تشايت *
تدور المعركة الكبرى المقبلة في الكونغرس حول تمديد الخفوضات الضريبية التي أقرّها الرئيس جورج بوش الابن. على عكس قضايا أخرى مثل التغير المناخي أو رزمة التحفيز المالي، التي لا يقبل فيها الجمهور تحليل الديموقراطيين الأساسي للمشكلة، يقع الحل في أيدي هؤلاء. السؤال هو إذا كانوا سيربحون أو سينالون نصراً في السياسة العامة أو الاثنين معاً.
فلنراجع بعض الحقائق الأساسية عن خفوضات بوش الضريبية. حين سيطر الجمهوريون على الحكومة في 2001 كانت أولويتهم الأولى خفض نسبة الضرائب التي يدفعها المكلفون ذوو الدخل المرتفع. وبما أنّ خفض الضرائب للأغنياء غير شعبي أبداً، اضطروا إلى جمع هذه الخفوضات مع أخرى خاصة بالطبقة الوسطى كي تصبح مقبولة سياسياً. هكذا ضغطوا على الديموقراطيين كي يساندوهم. وعبر تقديم سلة واحدة، كان بإمكانهم اتهام الديموقراطيين بأنّهم يعارضون خفض الضرائب للطبقة الوسطى لو صوّتوا ضد المشروع.
اليوم، وبعد عشر سنوات، يفترض أن ينتهي مفعول خفوضات بوش الضريبية (بعد عقد من النمو الاقتصادي الوافر الذي تمتعنا به مع حماسة المستثمرين والمقاولين التي أطلقوها بعد الضرائب في عهد كلينتون التي أعاقتهم!). يريد الجمهوريون تمديد الموضوع كله. يريد الديموقراطيون تمديد القانون الذي يستفيد منه الناس الذين تقل مداخليهم السنوية عن 250000 دولار.
ما هي الدينامية الكامنة وراء الموضوع؟ زيادة الضرائب على الطبقة الوسطى هي غير شعبية. لكن زيادة الضرائب على الأغنياء محبذة كثيراً. الحقيقة هي أنّ أياً من الحزبين لا يهتم كثيراً بالجزء الذي تستفيد منه الطبقة الوسطى. اقترح الجمهوريون ذلك فقط كي يستطيعوا تمرير الخفوضات الضريبية للأغنياء، وهي ما يهتمون به. قد يفضل الديموقراطيون نظام ضرائب تقدمياً أكثر مع ضرائب منخفضة للطبقات الوسطى، لكن معظمهم يفضل الحصول على المردود المالي. لكنّ الديموقراطيين وعدوا بعدم زيادة الضرائب على الأشخاص الذين تبلغ مداخيلهم السنوية أقل من 250000 دولار، وهو وعد شعروا بضرورة إطلاقه كي يربحوا. ولا يمكنهم خرق هذا الوعد دون المعاناة من نتائج سياسية.
الحقيقة هي أنّ أيّاً من الحزبين لا يهتم كثيراً بالخفوضات الضريبية التي تستفيد منها الطبقة الوسطى
الجمهوريون في الجهة المقابلة، لا يريدون تمرير أي تمديد للخفوضات الضريبية على الطبقة الوسطى دون تلك التي تطال الأغنياء. هذا سيترك نظام الضرائب الفدرالي أكثر تقدمية مما كان عليه أيام الرئيس الأسبق بيل كلينتون. وسيكون لدينا نظام ضرائب مختلطاً بين ما كان سائداً أيام كلينتون ضد الأغنياء، وما كان موجوداً أيام بوش وتستفيد منه الطبقة الوسطى. المحافظون مغتاظون من نتيجة كهذه منذ أكثر من عام وحذروا من الأسوأ، أي أن نكون في بلد لا يدفع فيه نصف الشعب ضريبة على الدخل (سيستمرون في دفع ضرائب أخرى، لكن الهدف الأساسي للجمهوريين هو تقليل أهمية تقدمية نظام الضرائب).
إذاً وصلنا إلى طريق مسدود. ولهذا، فإنّ الديموقراطيين هم من يملك الحل. فهم يستطيعون تمرير تمديد خفوضات بوش الضريبية للطبقة الوسطى عبر مجلس النواب. إذا سمح الجمهوريون بتمرير القانون، فسيكونون قد خسروا نفوذهم لتمديد الخفوضات الضريبية للأغنياء. إذا عارضوا القانون، يستطيع الديموقراطيون عندها لومهم على زيادة الضرائب على الطبقات الوسطى الأميركية. سيسمح ذلك للديموقراطيين بالتخلي عن تعهدهم (وهنا لا يمكن أحداً لومهم، فقد «حاولوا» إبقاء الخفوضات الضريبية للطبقات الوسطى). عندها لن يمرّر أي شيء، وسنعود إلى نسب الضرائب التي كانت أيام كلينتون.
ما سيكون تأثير ذلك على العجز؟ سيكون كبيراً جداً. فإنهاء الخفوضات الضريبية سيحلّ بالمبدأ مشكلة العجز على المدى المتوسط.
العامل الأبرز هنا هو أنّّه كما استطاع الجمهوريون تحديد النقاش في 2001 عبر جمع الخفوضات الضريبية كلّها في تصويت واحد، يستطيع الديموقراطيون فعل ذلك اليوم عبر فصل السياسات التي يدّعي الجمهوريون أنّهم يهتمون بها، عن تلك التي تهمهم فعلاً. يريد الجمهوريون أن يكون التصويت على المجموعة كلّها من خفوضات بوش الضريبية. لا يجب على الديموقراطيين أن يمنحوهم ذلك. اجعلوا التصويت على جزء الطبقة الوسطى منفصلاً وتحدّوهم أن يعارضوه.
يبدو أنّ الخطة هي كالآتي: «سيتحرك مجلس الشيوخ بداية، وسيكون ذلك اختباراً لمعرفة ما إذا كان الجمهوريون سيعارضون» كي يمنعوا القانون، في محاولة منهم لتمرير خفوضات ضريبية للأغنياء، قال النائب كريس فان هولن من ماريلاند، وهو مسؤول عن جهود إعادة انتخاب الديموقراطيين في مجلس النواب. وقال فان هولن في مقابلة أخيراً «إذا لم تستطع تمريره في مجلس الشيوخ، أحضره معك إلى الانتخابات». وأضاف «نقول عندها للشعب الأميركي إنّ الجمهوريين يريدون الاستمرار في احتفاظهم بالراحة الضريبية للطبقة الوسطى رهينة لديهم، مقابل تمديد الخفوضات للأغنياء. سيكون هذا هو النقاش».
اتبع الجمهوريون استراتيجية معارضتهم تقريباً كل ما يفعله الديموقراطيون. لقد نجح ذلك بشكل كبير. لكن الديناميات الخاصة بهذا النقاش تضع الجمهوريين في موقف لا يستطيعون فيه أن يربحوا، وربما تكون معارضتهم للديموقراطيون أسوأ خطواتهم.
* عن «ذا نيو ريبابليك»: مجلة نصف شهرية