يستطيع القادة الروس، وحدهم تقريباً، تقديم أجوبة بشأن ما إذا كان لدى القيادة السورية من جديد، حول موقفها من «الحل السياسي» للأزمة السورية، التي تواصل بـ»قوة» عامها الخامس على التوالي. ذلك أن تلك القيادة قد سعت دائماً إلى رفض التسويات التي تتطلب تقديم تنازلات متبادلة (ولو كانت راجحة لمصلحتها على حساب مصلحة الطرف الآخر وفق ما كانت تمليه، في المراحل الأولى من الصراع، موازين القوى المحلية والإقليمية والدولية).


مصدر هذا الاستنتاج أن الطرف الروسي، الداعم بقوة للسلطة السورية، يحاول، مع ذلك، التفتيش عن مخارج من شأنها جعل كلفة هذا الدعم أقل، ومردوده أكبر، فيما يتعلق بالمحصلات التي تأمل الإدارة الروسية أن تكرّس دورها شريكاً دولياً في التعامل مع أزمات العالم، وشريكاً إقليمياً في تقرير بعض شؤون منطقة الشرق الأوسط. ثم إن القيادة الروسية مطمئنة الآن، بالتأكيد، إلى أن النظام السوري لم يعد مهدداً بالسقوط: أولاً، بسبب تماسك وصمود الجيش السوري (رغم التسرّب والانشقاق)، وتالياً بسبب الدعم السياسي والعسكري والقتالي، الذي ما زالت دمشق تحصل عليه من حلفائها، وبشكل متصاعد، كمّاً ونوعاً، حيث، مثلاً، يزداد الدعم الروسي، خصوصاً، إلى حدود التحوّل نحو شراكة مباشرة في القتال، وتزويد الجيش السوري بأسلحة نوعية في البرّ والبحر والجوّ.
لكن، في المشهد السوري والإقليمي، المعقَّد، والذي يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم، أن تحقيق التسوية السياسية لم يعد متوقفاً على الطرف الرسمي السوري بالدرجة الأولى. ثمة في الساحة لاعبون آخرون يزداد عددهم وحضورهم. هؤلاء حظوا، بالتأكيد، في السابق، وجزئياً الآن، بدعم متنوع من أكثر من جهة إقليمية ودولية. وهم باتوا طرفاً شبه مستقل في تقرير مواقفه وتحديد دوره. نعني، بشكل أساسي، المجموعات والتنظيمات المتطرفة الإرهابية، التي باتت تمتلك مساحة فعل وتأثير واسعة على المستوى الجغرافي، وممتدة على مستوى النفوذ السياسي إلى العديد من الدول والقارات، في أربع أرجاء العالم. تكمن هنا إحدى العقد الأكثر جدِّية في المرحلة الراهنة. أي إنه يمكن القول، في هذا الصدد، إن الدول المؤثرة، دولياً وإقليمياً، لم تعد صاحبة كلمة حاسمة بشأن دور وتوجهات وأحجام قوى التطرف والإرهاب، التي ساهمت في ولادتها، أو في زيادة نفوذها وانتشارها، وخصوصاً في الساحة السورية. ليست «الحرب على الإرهاب» جديّة بالقدر الكافي حتى الآن. لكنها كانت بداية تكريس حقيقة أن القوى الداعمة والراعية والمؤسسة (أحياناً) للتنظيمات الإرهابية، بغرض استخدامها ضد الخصوم والأعداء، قد طاولتها شظايا إرهاب هذه التنظيمات في عقر دارها، وفي قلب عواصمها، ودون رحمة! ويزيد من المخاطر(المفتوحة على أسوأ الاحتمالات) أن قوة هذه التنظيمات الإرهابية تتصاعد إلى حدود غير مسبوقة. هي باتت تتمتع الآن بالسيطرة على مناطق شاسعة تستخدمها، في الوقت عينه، لمزيد من التوسع. وهي حققت نجاحات جديدة ونوعية من شمال أفريقيا ووسطها، إلى باب المندب، كما سدّدت ضربات مؤلمة، غرباً وشرقاً، في أماكن بعضها صعب وحسّاس من الناحية الأمنية (السعودية ومصر).
ثنائية «الحرب على الإرهاب» من جهة، وانخراط كل الأطراف في الصراع الإقليمي، الذي ما زال في ذروته، من جهةٍ ثانية، هما اللذان جعلا هذه الحرب جزئية ومحدودة ومرتبكة، وشبه معدومة النتائج. بل إن ثمّة في أجندات دول (إقليمية خصوصاً) ما يجعل الحرب على الإرهاب أمراً هامشياً، أو حتى مجرّد تكتيك مقترن باستمرار دعم التنظيمات الإرهابية، وبوهم إمكانية أومحاولة استخدامها، رغم المتغيرات الكبيرة، بشكل جزئي أو كامل. ينطبق ذلك، بشكل متفاوت طبعاً، على كل من حكومات وسلطات تركيا وقطر والمملكة السعودية. نتائج هذه الثنائية، منذ سنة ونصف السنة، كانت، حتى الآن، لمصلحة التنظيمات الإرهابية. وهي ستستمر كذلك إلى أن تصبح مواجهة الإرهاب والإرهابيين أولوية حقيقية لدى كل الأطراف، وخصوصاً منها تلك التي كانت تعوِّل عليها في تحقيق كلّ، أو بعض، أهدافها.
ينبغي القول هنا، بكل أسف (وحنق وغضب أيضاً!) إنّ عدّة أطراف عربية ما زالت صاحبة الموقف الأسوأ في هذا السياق. هي كذلك، ليست فقط بسبب خطأ وخيبة رهاناتها وارتهاناتها، بل أساساً، بسبب الخلل الجوهري في موقفها وعلاقاتها، إزاء قضايا شعوب المنطقة، وفي المقدمة منها قضية الشعب الفلسطيني، ومن ثمَّ حيال كل ما يتصل بهذه القضية من سياسات، عربية أو إقليمية، تتعارض، جزئيا أو كلياً، مع المشاريع الاستعمارية والصهيونية الناشطة، دون انقطاع، لتصفية هذه القضية بأسوأ وأبشع أساليب التدمير، والإبادة، والتآمر، والتيئيس.
لن تستقيم، إذاً، الحرب على الإرهاب ما لم يتوقف الرهان على دور، أو بعض دور، لتنظيماته في تحقيق أهداف الغرب الاستعماري، وحلفائه، في المنطقة عموماً، وفي سوريا خصوصاً. لن تستقيم، بالدرجة الثانية، ما لم تتوحّد فيها كل الجهود، المحلية والإقليمية والدولية، من دون استثناء أو إقصاء. والمقصود هنا، بشكل خاص، مساهمات وجهود وإمكانيات كلّ من روسيا وإيران والدولة السورية. ذلك يعني، بكلام أوضح، أن تُخلي الأهداف الجزئية، والفئوية المتناقضة، المكان للهدف العام الواحد والجامع والواضح: التصدي لوباء الإرهاب، دون هوادة، لمنع انتشاره، ولاستئصال شأفته من الأساس. طبعاً، لن تستقيم الحرب على الإرهاب، أيضاً وأيضاً، ما لم تتوقف الحروب والنزاعات المندلعة أو الكامنة: في اليمن، والعراق، ومصر... وفي ليبيا، والبحرين، ولبنان...
في هذا السياق، تصبح مساعي القيادة الروسية، لإدارة حوار بين «المعارضة الوطنية» (الداخلية) والسلطة السورية، من قبيل تحسين المواقع. وهي ما زالت ضرورية لهذا الغرض فقط (رغم أنها تأخرت كثيراً، بسبب مثابرة السلطة السورية على الاستئثار، ورفض المشاركة بأبسط مظاهرها)، وليس لإيجاد حلّ عام للأزمة السورية. فاللاعبون الأساسيون من موقع «المعارضة» في هذه الحرب، باتوا، كما أسلفنا، في خانة الإرهابيين. وهم ليسوا من النوع الذي تصحّ معه التسويات، بل المواجهة التي ينبغي أن تؤدّي إلى إلحاق هزيمة كاملة بصفوفه، وبمشروعه.
نستطيع القول، إذاً، إنّ حلّ الأزمة السورية بات يمرّ حكماً بالقضاء على مواقع ودويلات ومشروع الإرهابيين. لكن هذا الحلّ لن يصبح متكاملاً أو دائماً، ما لم يحدث تحول أساسي في الموقف الرسمي السوري، يتعدّى تحصين المواقع وتحسينها، إلى القبول بمبدأ الشراكة، والتعدّد، وإشاعة الحريّات والديموقراطية.
إن الأضرار التي لحقت بسوريا، وبدورها الإقليمي القائم والمنشود، العروبي والتحرري، باتت من النوع المخيف، الذي يجب تدارك المزيد منه بكلّ السبل الضرورية، وبكلّ الانعطافات المطلوبة. الحريّ بالسلطة السورية، وبكل السوريبن، الحريصين على إنهاء المحنة التي يعيشها شعبهم وبلدهم (وهي محنة عربية شاملة أيضاً)، بذل كل ما يلزم، من جهتهم، من أجل ذلك.
يبقى أنه ينبغي، تكراراً، التنويه بموقف القيادة الروسية في محاولاتها الدؤوبة، منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003، للتصدي للانفراد الأميركي، والآن لمحاولة بناء تحالف سياسي شامل ضد الإرهاب، بما يضع، أيضاً، شعارات الجميع على محك الاختبار والمصداقية. هذا، طبعاً، ليس موقفاً أيديولوجياً من «الواجب» تكراره، كما كان يحصل في المرحلة السوفياتية! إنه موقف سياسي بشأن المسألتين المذكورتين، اللتين هما في غاية الأهمية، بل المصيرية، لنا في هذه المرحلة، وفي هذه المنطقة المضطربة من العالم، وللعلم نفسه.
* كاتب وسياسي لبناني