هذا الأسبوع لم يخسر الحراك شيئاً، لكنه لم يكسب الكثير أيضاً. حافظ على زخمه الذي تكوّن في معرض انضمام الشرائح الأكثر شعبية إليه (والمعبَّر عنها بشكل واضح في حراك المناطق، من عكّار إلى النبطية)، وافتقد، في الوقت نفسه، إلى القدرة على مباغتة السلطة حيث تجب مباغتتها. لم يطوِّر آليات شعبية، شبيهة بحركة تعطيل عدّادات الوقوف على كورنيش بيروت البحري، كما حصل في الأسبوع الماضي، واكتفى بالخطوة الرمزية التي أقدم عليها شباب بعض الحركات، حينما اختاروا الإضراب عن الطعام، والاعتصام أمام وزارة البيئة.


إشكالية خيار الإضراب

تكتيك الإضراب عن الطعام ليس غريباً عن حركات الاحتجاج، لكنه لا يُستخدَم عادةً في سياق تصعيد الاحتجاجات ضدّ السلطة، فهو لا يشكّل ضغطاً مضاعفاً عليها، ولا يبقيها في حالة تأهّب مستمرة، كما هي الحال في وضعيات الاشتباك المباشر. وجُلّ ما يفعله، أنه يضعها أمام اختبار «الضمير»، الذي هو حالة مبهمة هنا، تاركاً لها الوقت اللازم «للاستجابة»، وهي طبعاً لن تستجيب، لأنها ليست في موقع ضعف بعد، وكلّ ما «دفعته من أثمان»، حتى الآن، لا يجبرها على التنازل أكثر مما فعلت. وفي حال قرّرت التنازل فلن يصبّ ذلك في مصلحة تصعيد الاحتجاج، لأنها هي التي اختارت التوقيت، وهي التي أَملَت على المعتصمين، والمضربين عن الطعام، جدول أعمالها، وليس العكس. بهذا المعنى يصبح الإقلاع عن مطلب استقالة وزير البيئة هو الخيار المنطقي، ليس لأنه عديم الجدوى فحسب، بل لأنّ الاستمرار فيه بهذا الشكل يُثقِل كاهل الحراك، ويمنعه من اختيار بدائل أكثر فاعلية في مواجهة السلطة. الفاعلية هنا هي الأساس، وليس التحرّك بحدّ ذاته، وعندما تصبح معدومة، في أشكال معيّنة من الاحتجاج، فالأفضل في هذه الحالة هو تجميدها، أو على الأقلّ، عدم الاستمرار فيها لحين إيجاد بدائل تكون قادرة على فرض حالة ضغط حقيقية على السلطة. المشكلة أنّ بعض الحركات، داخل التيار الاحتجاجي اللبناني (وتحديداً الليبرالية منها)، لا تزال تعتبر أنّ الاستمرارية كفيلة وحدها بإجبار السلطة على الإذعان للمطالب. هذا خطأ منهجي، لأنّ شرط الاستمرارية هو الفاعلية، ومن دون فاعلية، تُثمِر عن نتائج ملموسة في مواجهة السلطة، لا يعود الاحتجاج احتجاجاً، ويصبح مثله مثل أيّ حركة محافظة تنادي بإصلاح النظام.


حراك المناطق مطلبي لذا فهو أكثر فعالية في مواجهة السلطة

ومعروف أنّ هذه الحركات قد وجدت للتنفيس عن حالة الغضب، التي تعتري المواطنين، وليس لتنظيم حراكهم عندما يتحوّل إلى حالة احتجاج ضدّ السلطة. في أفضل الأحوال قد يتحوّل هذا النوع من الاحتجاج إلى استنزاف طويل للحراك، وشَلّ لفعاليته التي سبق أن جُرِّبت في أماكن أخرى. وكانت النتيجة، بخلاف حالة الإضراب، فورية وملموسة ومفاجئة جداً للسلطة وأعوانها. هذا لا يعني أن المضربين ليسوا «أبطالاً»، بالضبط كما لا ينفي عنهم القدرة على تطوير الأشكال السلمية للاحتجاج، ولكن في غياب الربط بين هذا الشكل وتأثيره الممكن على السلطة، يغدو الاستمرار فيه خطأً قاتلاً. فهو لا يهدر تضحيات الشبّان المضربين فقط، وإنما يشجّع السلطة أيضاً على الاستمرار في صمتها، ويجعلها تشعر بأن سياسة التطنيش، وعدم الاكتراث، قد تكون مفيدة في مواجهة هذه الأشكال المحدّدة، والموضعية من الاحتجاج. هو بالطبع احتجاج قاعدي، ومسنود بقوّة شعبية، جرى التعبير عنها في تظاهرة 9 أيلول، غير أنه لا يعبّر بوضوح عن حراك القواعد التي فاجأتنا جميعاً، وتجاوزت، في قدرتها على إرباك السلطة، كلّ الحركات التي تدعو إلى استهداف هذه الأخيرة رمزياً. في مواجهة سلطة متعنّتة كهذه، لا تستطيع التحرّكات الرمزية أن تفعل شيئاً، إلى درجة تغدو معها متعارضة مع النهج الآخر، الذي يدعو إلى ضرب السلطة في مفاصل لها علاقة بنهجها الاقتصادي، الاجتماعي. وهنا يأخذ التعارض منحى إيديولوجياً، ويتضح من خلال هذا المنحى الفارق بين الاحتجاج الذي يقوده اليسار، ونظيره الذي يقوده اليمين.

انتفاضة المناطق

في احتجاجات المناطق يظهر هذا الفارق بشكل واضح، حيث يأخذ الحراك هناك شكلاً اجتماعياً يجمع في صفوفه كلّ المتضرّرين من إعادة فتح المطامر القديمة (الناعمة)، أو اختيار أخرى جديدة (عكار، البقاع)، وهؤلاء ينتمون، بمعظمهم، إلى طبقات فقيرة ومتوسّطة، ويميلون إلى تبني وجهة نظر اليسار، التي تعبّر عنها حركات مثل «بدنا نحاسب» وغيرها. حراك المناطق، بشكل عام، هو حراك مطلبي، ولذلك يبدو لصيقاً أكثر من الحراك المركزي الحاصل في بيروت بالقضية الاقتصادية الاجتماعية، وهذا ما يجعل منه أكثر فعالية في مواجهة السلطة، وشرط الفاعلية هنا، كما سبق وأسلفت، هو الربط بين المواجهة ونتائجها. حتى الآن هم أفضل من ناحية القدرة على «التعطيل»، فقد انتفضوا على السلطة بمجرّد إعلانها خطّة النفايات الجديدة، ولم ينتظروا إقدامها على تنفيذ هذه الخطة، وهذا ليس دليلاً على الفاعلية الكبيرة فحسب، بل أيضاً على الوعي الاقتصادي الاجتماعي، الذي سبق بأشواط وعي الطبقة الوسطى المحافظة في بيروت. التهميش هنا يلعب دوراً أساسياً في صياغة أشكال الاحتجاج، فهذه المناطق لم تعرف التنمية التي عرفتها العاصمة، في حقبات مختلفة من تاريخها، ولم تكن في يوم من الأيام جزءاً من القرار الاقتصادي، الذي قرّرت بموجبه، الطبقة الرأسمالية الحاكمة، تهميشها، وتجيير مواردها لمصلحة اقتصاد الريع المتمركز في العاصمة. هذا الأمر سهّل عليها الانفصال عن شبكات الريع، التي تستخدمها السلطة للسيطرة على الوضع، وجَعَل حركتها أسهل من حركة الطبقة الوسطى في بيروت، فهي تتحرك وفقاً لتكتيك ثوري بالفعل، ولا تنتظر أن يأخذ تحرّكها شكلاً معيناً، كما يحصل غالباً في تظاهرات العاصمة، وهذا دليل على أنها أكثر وعياً بفكرة «الانتفاضة» من باقي الحراكات. سننتظر منها، في ضوء هذا الوعي، خطوات أكثر عملية من السابق، كمنع السلطة من إنفاذ خطّتها الجديدة لمعالجة النفايات على حساب المناطق، وهذا سيكون اختباراً جدياً لطبيعة احتجاجها، الذي وسّع آفاق الحراك العام، وأخرجه من مركزيته المفرطة.
* كاتب سوري

* بناءً على طلب من زميلنا ورد كاسوحة، نوضح أن مقالته هذه كتبت قبل قيام مجموعة #جايي_التغيير يوم السبت بإزالة السياج الشائك، الذي يعزل شاطئ الدالية - الروشة في بيروت