وائل عبد الفتاح

بالتأكيد لم يسمع سمير جعجع اصوات المتظاهرين في شوارع القاهرة. كان غارقاً في مهمة إنقاذ الدور الميت له ولـ ١٤ آذار ولمصر وربما لجبهة المعتدلين كاملة. دور الميت ليس بالضرورة ميتاً في العالم العربي، الموتى يحكمون، ويخططون، ويرسمون المحاور السياسية. معجزة تصنع واقعاً فريداً، فالحصار على غزة لن يكسر، سيخفف فقط، والتحالف مع اسرائيل شبه علني، باسم عروبة صنعت في كواليس الانظمة، وماتت في نفس الكواليس.
الموت يصنع حياة لمجموعات كاملة مهمتها ان تظل ميتة، وتتضخم، ماذا فعل عمرو موسى في غزة؟ هل أحيا الجسور بين القاهرة وحماس؟ هل أحرز هدفاً في المرمى التركي؟ هل منع الخطر الايراني؟ ماذا حمل في حقائبه؟
اهل غزة اكتشفوا ان حقائب الامين العام فارغة، وان سر سعادة حماس بالزيارة، ربما لانها تأكيد وجودها المعلق في القطاع، لا لانها تحمل حلاً، او كسراً، أو مشروعاً. انها علامة على استمرار الموت حاكماً.
لم تفعل تركيا ما كان منتظرا منها شعبوياً، لكن الاطراف الاخرى لم تفعل ما لم يكن منتظراً من ميت، انها الجدار الفولاذي الذي يقف امام مجتمعات تحاول الفكاك من اسر سلطاتها القديمة.
الاصوات التي لم يسمعها جعجع، محاولة لفك الحصار حول حقيقة قتل شاب مصري في الشوارع، الحقيقة كتبت كالعادة في دفاتر السلط ، حسب سيناريوهات جاهزة ومحفوظة، لكن وسائل الاحتجاج الحديثة حررت بعض الحقيقة وحولت الجريمة السرية الى فضيحة.
السلطات القديمة تنتفخ اليوم رغم انها عارية من انتصارات خارجية او داخلية، لا بطولات حربية، ولا نقلات ملموسة في معدلات التنمية.
التضخم الوحيد في حجم السلطة وشراستها، الى درجة ان مخبراً سرياً، مجرد مخبر يتملكه شعور بالسلطة يجعله يضرب جمجمة شخص عادي ويحطمها، ثم يبحث عن مؤلف روايات قديمة للسلطة.
المجتمع ونخبته الجديدة على المواقع الالكترونية، احتشدت خلف الروايات المعارضة لرواية السلطة، الى ان اصبحت قصة خالد سعيد وصورته رمزاً عمومياً.
انها جولة جديدة من الصراع بين السلطات القديمة، والمجتمع الذي يتحرر بالوسائل الحديثة من قمع ابدي، وقدر بالخرس الطويل، المجتمع اعاد القتيل الى الحياة لكي لا يموت حقه، انتفضت القطاعات الحديثة من المجتمع في وجه اصحاب السلطة المنفوخة، مدافعة عن حياة آمنة، ورافضة حفلات القتل التي تخطت اقسام الشرطة الى الشوارع.
هذه الجولة صعبة على عقل قديم لا يزال مؤمناً بمؤسسة التعذيب، اقوى ادوات «السيطرة» المفرطة، والاخضاع النفسي بعدما فقد النظام الحاكم هيمنته وقدرته على الاقناع.
في هذه المؤسسة مزارع تربية الوحوش التي اصبحت قاتلة مع تضخم سلطتها، وارتفاع معدلات المنافسة على فرض الهيبة المنفوخة.
يتدرب الوحش القاتل على ان يكون وحشاً والا سيفترسه الملايين المحيطة به، ويعرف ان التشريع المصري يده مغلولة في عقوبات التعذيب.
ويعرف ايضا أن هناك جهازاً كاملاً يقوم بحمايته، واصدار بيانات كاذبة، كما حدث مع خالد سعيد التي تحركت ماكينة التلفيق بسرعة جهنمية لتصنع تاريخاً اجرامياً للقتيل. لكنها ماكينات قديمة، اكلها الصدأ، كما اكل ماكينة الروايات الكاذبة عن قتلى الشرطة.
ارادة الحياة لها هبات في وجه انظمة تفرض موتها كورقة في كل الملفات المفتوحة، وهي ارادة جديدة، بعد طول انتظار لارادة بطولات ومحاربين من زمن قديم.
المجتمعات اليوم امام حقيقية تبدو بسيطة: الشخص العادي الذي اختار ان «يمشي جنب الحيط»، كما يقول المصريون، لم يعد آمناً في القاهرة، وكذلك في غزة حيث لا يهمه الارتباط بحماس او فتح، يهمه انهاء حالة الحياة المهربة، باشراف واستفادة من كل الخصوم، والعودة الى حياة يشعر فيها بانسانية مهدرة من الجميع.
والشخص العادي في بيروت يبحث عن حياة، يتحرر فيها من امراء الطوائف، ومن اشباح الحرب الاهلية، واستقطاب بين اللاعبين في الاقليم.
صراع بين موت يتحكم، وحياة صوتها خافت، محشرج، قريب من ان يكون صرخة الم كبيرة، يمكن ان تكون بداية وعي جديد او نشيج متواصل بجوار حائط مبكى عربي.
السلطة في العالم العربي تتحالف على استمرار الموت، ومقاومتها ليست من الخصوم المعلنين، بل من جمهور يترك مواقع المتفرجين، ويطالب بقواعد جديدة للعبة.