ورد كاسوحة*

أيام مرّت على مجزرة «أسطول الحرية» من دون أن يؤتي الحراك المرافق لها أكله. حراك بدا كأنه يحاول المطابقة بين همجية الأقلية الصهيونية (لا اليهودية) في فلسطين المحتلة ونظيرتها البيضاء في جنوب أفريقيا في ثمانينيات القرن الماضي. ولهذا الغرض رفعت شعارات في كل أنحاء العالم تدعو إلى مقاطعة نظام الأبارتهايد الجديد في إسرائيل. واللافت في الأمر أن نطاق الاحتجاج على الهمجية الصهيونية توسّع كثيراً ليطال شرائح لم تكن تبدي سابقاً هذا القدر من الحساسية تجاه معاناة الشعب الفلسطيني. وهو ما كان يمكن استثماره لولا الترتيب الذي أعدّته أميركا مسبقاً لمسرح الأحداث. إذ لم تكن الولايات المتحدة في وارد السماح لأحد بإشغالها ولو لأيام قليلة عن وجهتها الحصرية هذه الأيام: إيران. والانحراف الذي أصاب الأداء الإعلامي العالمي أثناء المجزرة أمر عارض بحسب السردية الأميركية وملحقاتها. وهذا يعني أن تجاوزه أمر ضروري، حتى تعود الأمور إلى نصابها، ويكفّ العالم عن وضع إسرائيل في غير الموضع الذي يليق بها وبتاريخها «الأضحوي»!
وبالفعل أذعنت كثير من وسائل الإعلام (الكبرى والمهيمنة) لفعل الأمر الأميركي، وعاد الملفّ النووي الإيراني ليحتلّ صدر الصفحات والشاشات، كما كانت عليه الحال قبل المجزرة الإسرائيلية بحق «أسطول الحرية». ولسوء الحظ لاقى هذا «الإذعان الغربي» صدى طيباً لدى الماكينة الإعلامية الملحقة بالأنظمة العربية. وعلى رأس هذه الماكينة ليبراليّونا الأحرار! لكن مهلاً، ولندع الحجج يقارع بعضها بعضاً. فالذهاب تلقائياً إلى افتراض الأسوأ أمر لا يليق بالمقاربات التي تتوسّل النقد الرصين. لذا دعونا نتفحص المسألة على مهل، ونخضعها لتمرين مقلوب. ذلك أن الإذعان المذكور أعلاه والصدى الطيب الذي لاقاه في ربوعنا لا يعبّران البتة عن نظرية «التلاقي الموضوعي» السيئة الذكر، ولو كان الأمر كذلك لما كنا قرأنا كلّ ذاك «النقد لإسرائيل» في الصحافة العربية. إذاً المسألة لا تعدو كونها صدفة بحتة. فالصدفة إمكانية واردة دائماً في عمل الميكانيزمات الإعلامية، وخصوصاً إذا كانت هذه الميكانيزمات اعتباطية الطابع وغير خاضعة لأجندة السلالات العربية الحاكمة! وعدم الخضوع للأجندات المسبقة يتيح لها قدراً من التعارض مع إملاءات القوى الكبرى! عند هذا الحد لا يعود التمرين مجدياً. إذ كيف يمكن إقناع القارئ بأن التعارض مع القوى المهيمنة والإذعان لها سيّان؟ واستطراداً كيف يمكن الكاتب ذاته (في الصحيفة ذاتها) أن يدين أميركا في يوم على تغطيتها جريمة إسرائيل بحق المتضامنين العرب والأجانب مع غزة، ويهلّل لها في اليوم التالي على رعايتها مشروع حصار إيران وتحويلها إلى عراق آخر؟
يبدو أن التفسير الوحيد لهذا التناقض المنطقي هو بناء هؤلاء حججهم وسردياتهم على أنقاض المنطق. وهذا يعني أن توسّل المنطق العقلي لتفكيك روايتهم لن يجدي نفعاً. فعندما تكون خاضعاً لأجندة سلطوية نافية للعقل والمنطق معاً، لا تعود محاججة الآخرين لك نافعة أبداً، على عكس ما يشيعه البعض. فأنت كـ«ليبرالي» تابع «مسيّر لا مخيّر». ومن يسيّرك ليس الله كما تقول الميثولوجيا الدينية بل «ظلّه على الأرض». وهذا النسق المبتذل من الحكّام ليس حكراً على إيران وحدها كما يشيع أدعياء «الليبرالية». وادّعاء اللبرلة في ظلّ الإذعان للحاكم هو كادّعاء التعارض مع السياسة الأميركية في ما خصّ احتضان حروب إسرائيل. فكلاهما ينتمي إلى منطق العبث بالمنطق. وعليه لا تجوز مقاربتهما بغير منطقهما العبثي. بهذا المعنى يغدو «التعارض مع» أميركا وملحقاتها صنواً للتماثل معها (الإذعان لها). فالاثنان تحركهما عجلة واحدة هي عجلة الصدفة وانتفاء القصدية. وهذه المرّة ساقتهم (أي «الليبراليون») الصدفة إلى وضع «تركيا العثمانية» في مرمى التصويب المبتذل، بعدما كان هذا الموقع حكراً على إيران الخمينية. طبعاً لم يخلُ الأمر من تصويب عارض على الجريمة الإسرائيلية في عرض البحر. لكن التصويب على الجريمة أتى كالعادة ليضعها في سياق مفارق تماماً لطبيعة الفعل الإسرائيلي ومراميه. فالفعل ذاك بحسب مدّاحي الأنظمة جاء ليغذّي دائرة «التطرف» التي تأكل من رصيد قوى «الاعتدال». وإذا كان التطرّف ملاءة مناسبة لنظامي طهران وتل أبيب، فما عساها تكون الملاءة التي تناسب حكومة العدالة والتنمية في تركيا؟ هنا وقع ليبراليونا في مأزق حقيقي. فحكومة رجب طيب أردوغان لا يمكن حشرها في ثوب التطرف الفضفاض الذي ترطن به صباح مساء دعايتهم الجوفاء. ما الحلّ إذاً؟ إنها الشعبوية بلبوسها العثماني الجديد. هكذا، وبعدما استنفدت الدعاية المناوئة لإيران أغراضها، عادت الرّطانة النيوليبرالية لتنبش قبور العثمانيين، وتعيدهم إلينا بلبوس الفاتحين والغزاة الجدد. وحجّتهم في ذلك كتابات منظّر «العثمانية الجديدة» ووزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو. لم يشفع للرجل تنظيره لسياسة «صفر مشاكل» مع الجوار. يريدون إلباسه عنوة ثوب «الشعبوية العثمانية». قد يكون الرجل عثماني الهوى وقد لا يكون، لكن المشكلة لا تكمن في كونه كذلك، بل في إصرار «الليبراليين» العرب على افتعال المشاكل مع كل الأطراف التي تريد أن تملأ الفراغ العربي. كنّا نظن في البداية أن مشكلتهم هي مع التدخّل الإيراني في «الشؤون العربية» ودعمه للمقاومات في المنطقة، لكن تبيّن بعد صعود الدور التركي أن الأمر ليس كذلك تماماً. بكلمة أخرى، السلالات العربية الحاكمة تفضل إبقاء المنطقة على ما هي عليه.


رطانة أردوغان المناوئة لإسرائيل خدشت الحساسية الليبرالية، تماماً كما خدشها من قبل حذاء منتظر الزيدي
فالستاتيكو القائم اليوم يحفظ لها أوراقاً وأدواراً لا يمكن التنازل عنها. وسحب هذه الأوراق اليوم على يد إيران وتركيا يعني أن الأدوار المنوطة بهذه الأنظمة قد انتفت. وذهاب الأدوار قد يذهب بالأنظمة ذاتها إذا ما ارتأى السيد الأميركي ذلك. لكن ما يطمئنهم ويدفع بهم إلى مناغشة إيران وتركيا أن واشنطن لا تريد في هذه الحقبة ظهور قوى لا تدين لها بالولاء الكامل كما تفعل السلالات العربية. صحيح أن تركيا حليف تاريخي لأميركا وإسرائيل وعضو أساسي في حلف الأطلسي، لكنها أيضاً وبالقدر ذاته دولة تضع الجغرافيا السياسية في صلب اهتماماتها. فالعنصر الجيوسياسي اليوم هو من العناصر المكوّنة للأمن القومي لأيّ بلد. وفهم تركيا المتأخّر لهذه الحقيقة نأى بها عن الموقع الذيلي (لأميركا) الذي لعبته في حقبة الحرب الباردة. وهذا الابتعاد التركي عن التموضع الذيلي يضاعف الحاجة الأميركية إلى أتباعها العرب. وكلّما ازدادت هذه الحاجة ازداد «استرخاء» هؤلاء، ظنّاً منهم أن الرعاية الأميركية لهم كفيلة بتعويضهم عن مأزق الشرعية الشعبية. والتعبير عن هذا المأزق يظهر جلياً في صحفهم وكتابات أقلامهم. من هنا يمكن فهم حجم الاعتراض «الليبرالي» على الدور التركي في قضية الأسطول. فرطانة أردوغان المناوئة لإسرائيل (والغرب بدرجة أقلّ) خدشت كالعادة الحساسية «الليبرالية»، تماماً كما خدشتها من قبل فردتا حذاء منتظر الزيدي. في هذه الحال، قد ينشأ لدى المرء انطباع بأنّ الحساسية «الليبرالية» تجاه «العنف» المناهض للكولونيالية العسكرية هي حقيقية فعلاً. وبالتالي هي المسؤولة بالدرجة الأولى عن عداء «الليبراليين» لسياسات أحمدي نجاد ورجب طيب أردوغان وحسن نصر الله وهوغو تشافيز وبشار الأسد وإسماعيل هنية (لاحظوا هذه الخلطة العجيبة!). لكن السياق الذي نشأت فيه هذه الحساسية يقول عكس ذلك. فهو سياق سلطوي أصولي وغير راغب بنشوء هوامش على ضفافه. والليبرالية كما نعلم هي عدوة للجور والقمع السلطويين. ما يعني أن معياريتها في ما خصّ النسق الشعبوي يجب ألا تقلّ عن معياريتها الخاصة بالنّسق السلطوي. وهو أمر غير حاصل في «نسختنا العربية» عن الليبرالية. بهذا المعنى يكفّ «ليبراليونا» عن كونهم كذلك، ويغدون في أحسن الأحوال صورة تلفيقية عن أصولية سلطوية تتزيّا بأقنعة مختلفة. ولكل قناع مناسبته. فعندما نواجه إيران الشيعية، نرتدي قناع «العروبة السنية». وعندما «ننازل» تركيا السنّية، نرتدي قناع «القومية العربية»... وهكذا دواليك. أما إسرائيل، فلا نملك في مواجهتها إلا ورقة «المبادرة العربية للسلام».
* كاتب سوري