حسان الزين

رغم الافتراق الأيديولوجي والثقافي والاجتماعي بين تيّار المستقبل وحركة اليسار الديموقراطي، إضافةً إلى اجتماعهما تحت الشعار السياسي لتحالف 14 آذار، فإنّ ثمة قاسماً مشتركاً بينهما، ألا وهو الأزمة البنيوية التي تجعلهما كتنظيمين، مع فوارق في الأحجام والعوارض، شكلين لجنينَين وُلدا ميتَين. وإذا كان تيار المستقبل، لأسباب مذهبيّة سياسيّة وماديّة، قادراً على دخول العناية الفائقة، أو الإيحاء بذلك، فإنّ حركة اليسار الديموقراطي عاجزة عن ذلك. رغم محاولات الحفاظ على ما بقي منها، وعدم هزّ جسدها الكرتوني، في ظل «نسيانها» من الآخرين.
لا أدري مَن نقل العدوى منهما إلى الآخر، ومن جَلَبَ النحس إلى رفيقه. لعلّ الظروف هي الأقوى. وهذا هو المرجّح. فظروفهما المتوافقة والمختلفة جذرياً انتقالية ولم يتعاملا معها، كلّ بطريقته، على نحو يبني أحزاباً ويصوغ خطابات. وفيما أخذهما الشعار السياسي الوطني «الكبير» غضّا النظر عن كل حاجات التأسيس والمأسسة، فكرياً وثقافياً وسياسياً وتنظيمياً واجتماعياً. ما جعلهما، في أوقات مختلفة، يواجهان حقيقة أنهما بالونان هوائيّان.
حركة اليسار الديموقراطي نقلت معها، إلى هشاشة الاجتماع، وبالتالي التنظيم، أزمة اليسار العالمي واللبناني. ونتيجة لإبرازها إلياس عطا الله (وغياب الشهيد سمير قصير وابتعاد إلياس خوري) لم تدفع ثمن علاقته التبعيّة ـــــ الشخصية بوليد جنبلاط وحسب، بل استحضرت السؤال الذي لم يلقَ جواباً داخل اليسار اللبناني منذ عقود: أيهما أولاً السياسة أم الأيديولوجيا، أيجري التحرّك في السياسة، ولا سيّما في اتجاه البرلمان والسلطة عموماً بطريقة براغماتية تدّعي الأيديولوجيا وتحمل الشعارات، أم يجري «النضال» فكرياً واجتماعياً بالأساليب اليساريّة التقليدية!
وفيما توهّمت الحركة أنها ترث ـــــ تتجاوز الحزب الشيوعي اللبناني، الذي استطاع في ما مضى من العقود اختراق بيئات اجتماعية طائفية، وقعت في حفرة هذا الحزب، وجلّ ما استطاعته هو جذب عناصر تربَّت على براغماتيته السياسية، وأخرى منه ومن خارجه، تربّت على نقد جموده الأيديولوجي من جهة، وأسلمته سياسياً، ولا سيما في السنوات الأخيرة من الحرب وما بعدها. وفي ظل هذا صاغت الحركة وطنية نقيضة لوطنية الحزب الشيوعي، أو هي التحقت بتلك الوطنية المناقضة سياسياً لسوريا وللمقاومة في شكلها الراهن. وقبل أن ينفك اجتماع 14 آذار كانت حركة اليسار قد واجهت أزمتها الفكرية والسياسية والتنظيمية.
أزمة تيّار المستقبل، المتقاطعة سياسياً إلى حدٍّ ما مع أزمة حركة اليسار، مختلفة عنها تنظيمياً وثقافياً. وإذا كانت حركة اليسار نادياً ثقافياً لديه رغبات في السياسة، فإن تيار المستقبل لقاء مذهبي لديه مصالح في السياسة والاقتصاد والاجتماع. وقد ظهّرت الاستحقاقات السياسية والأهلية المختلفة، وآخرها الانتخابات النيابيّة والبلديّة، هشاشة هذا اللقاء وعجزه عن صوغ خطاب يتجاوز نهوض «المارد المذهبي ودم الرئيس الشهيد». وكما جمعت حركة اليسار بيانها من اللحظة السياسية والحيثيات التنظيمية والمحصّلة الثقافيّة للبعض في لحظة «ولادتها»، كذلك فعل تيّار المستقبل مقدّماً أوراقه في لحظة سياسية تشهد تحوّلاً. هكذا، بات سريعاً، كل من البيان والورقة، من الماضي ومن الدفاتر التي لم ترتق إلى الكتب والدعوة إلى النقاش. وإذا كانت حركة اليسار قد «رحّلت» اختلافها الفكري مع تيّار المستقبل ومكوّنات 14 آذار عموماً، إلى مرحلة ما بعد «النضال الاستقلالي»، فإنها وجدت نفسها مفرّغة من مضمونها «الطبقي والأيديولوجي»، ولم تقبض أكثر من النيابة المتبنّاة. إضافةً إلى أنّ الشعار والإطار النضاليَّين تفتّتا وذابا وضاعا في زواريب السياسة.
تتآزر أسباب سياسية وأهليّة عدّة لتكوّن هشاشة المستقبل، تنظيميّاً، ويتوّج عليها بؤسٌ ثقافي. فالمستقبل قَصَرَ كلامه على الشعارات السياسية والتحريض المذهبي، وحين حلّت الهدنة على الجبهات السياسية وفدت الاستحقاقات الأهلية. ففي موازاة تأجيل حركة اليسار الهوية الفكرية كان المستقبل بعيداً من هذا الهاجس، الذي لا يكترث له وجهاؤه، ويهزأون منه، ولا يندفع له جمهوره. فالعصبُ الجامع في كلًّ من الحركة والتيار مختلف، عند الأوّل العصب فكري ـــــ سياسي، بينما عصب التيار مذهبي أهلي. والعصبان قد ضُربا، مع فارق أن المذهبية والمال يوفران فرصاً دائمة لتجديده ومعالجته.