واصل طه *

جاءت القرصنة الدموية التي نفّذتها إسرائيل ضد أسطول الحرية لتؤكد مرة أخرى، لها وللعالم، أن القوة أو المزيد من القوة، كما يحلو لقادتها ترديد هذا القول، لن تكسر شوكة الفلسطينيين والعرب، وبالتأكيد لن تغيّر شيئًا ولن تثني الشعب الفلسطيني عن المضي قدمًا لنيل حريته واستقلاله،. فمقاومة الاحتلال الأجنبي لأي بقعة في العالم أمر شرعي، أقرته المواثيق الدولية. وكان لأحرار العالم ودوله الحرة الدور الفاعل في دعم هذه الشعوب من أجل إنهاء الاحتلالات.
رغم استمرار الحصار على غزة لأكثر من أربع سنوات وحربها الضروس ضد القطاع، فشلت المؤسسة العسكرية في تحقيق أهدافها التي خططت لها ورسمتها، بل زاد هذا الحصار وهذه الحرب شعبنا صلابة وقوة، وزاد تضامن الأحرار في العالم وكذلك دولاً مثل تركيا وغيرها، لم تُسقط ورقة التوت المسماة «ديموقراطية إسرائيل» في أعين الشعوب المناصرة والحرة فحسب بل وقع حلفاء إسرائيل في حرج كبير أمام شعوبهم مما دفعهم للمطالبة بفك الحصار عن غزة، أو اعتباره حصارًا آثمًا وشرسًا.
كان للشهداء الذين سقطوا، وللأحرار الذين اشتركوا في أسطول الحرية، الدور الأساس في جعل الاحتلال الإسرائيلي وحصاره على غزة وجداره العنصري القضية المطروحة على الأجندة السياسية إقليميًا وعالميًا، وأصبح فك الحصار وكسره مطلبًا دوليًا، بدأت نتائجه الأولية تظهر من خلال القرار المصري الصحيح بفتح معبر رفح وبصورة دائمة.

دورنا نحن فلسطينيي الـ48

لقد تجلى موقفنا نحن فلسطينيي الـ48 ممثلاً بالوفد الذي شارك في أسطول الحرية، وبقرار لجنة المتابعة العليا للعرب في إسرائيل حيث أكدنا أننا قوة لها دورها السياسي في دعم قضية شعبنا، مما أوقع القيادة الإسرائيلية في حالة عصبية، حيث بدأت بالتحريض مجددًا على لجنة المتابعة وعلى أعضاء الوفد الذين مثلونا في هذا الموقف الصادق والداعي لكسر الحصار على غزة. فالنائب حنين زعبي والسيد محمد زيدان والشيخ رائد صلاح والشيخ حماد أبو دعابس ولبنى مصاروة، لم يمثلوا أحزابهم أو أنفسهم فقط بل مثلوا ضمير فلسطينيي الـ48 الذين هم جزء لا يتجزأ من هذا الشعب المحاصر والذي يعاني حصاراً مادياً وسياسياً هدفه إخضاع الشعب الفلسطيني لشروط الاحتلال والمؤسسة الإسرائيلية، ومثلوا كذلك ضمير أحرار العالم جميعًا.

وفي هذا السياق، لا بد من الإشارة والتأكيد على خصوصية نضالنا داخل دولة إسرائيل، فنحن بموقعنا وموقفنا المتميز لنا دور سياسي نقوم به من خلال أحزابنا ونشاطنا السياسي على اختلاف ألواننا. ونحن في التجمع الوطني الديموقراطي نحمل مشروعًا سياسيًا وطنيًا وقوميًا ديموقراطيًا متميزاً وفريداً وليس له بديل في نوع المهمة التاريخية التي يقوم بها. ونحن نناضل، بالأدوات السياسية المتاحة والقانونية، من خلاله للدفاع عن وجودنا وهويتنا وبقائنا فوق أرضنا في وطننا الذي لا وطن لنا سواه. ولذلك فنحن من موقعنا الوطني المتميز نرفض أي محاولة لجرّ شبابنا خارج النضال السياسي الذي نعتمده بصورة قاطعة، فهذا برنامجنا الواضح وهذا هو نهجنا وسلوكنا. وما محاولات المؤسسة الإسرائيلية الأخيرة من التضييق علينا وملاحقة شبابنا وكوادرنا بالرغم من وضوح برنامجنا ونشاطنا السياسي إلا استهداف للحركة الوطنية المتنامية الممثلة في التجمع الوطني الديموقراطي. والدليل على ذلك تلفيق التهم ضد الدكتور عزمي بشارة، وكذلك الدكتور عمر سعيد الذي ما زال رهن الاعتقال، رغم معرفة المؤسسة الإسرائيلية أن ما تدعيه في التحقيق معه عارٍ من الصحة وملفق، وفي هذا السياق نحيي الدكتور عمر سعيد على مواقفه المسؤولة، فهو قيادي بارز في التجمع والحركة الوطنية، فقد قال لمحققيه: «إن نضالنا هو نضال سياسي أما مسعاكم لتحويلنا مخبرين فهذا ما نرفضه، فالتواصل مع أمتنا هو الأمر الطبيعي والخوف من التواصل وعدمه هو غير الطبيعي».

لقد تضامنا وتواصلنا مع الشعب اللبناني أثناء الحرب على لبنان، وقمنا في وضح النهار بزيارة لبنان والضاحية، حيث التقينا القيادات اللبنانية من كل الأطياف، وعبرنا عن موقفنا من الحرب الإجرامية. وأنتهز هذه الفرصة لأقول لكل القوى العربية والفلسطينية إن المحافظة على الحركة الوطنية المنظمة المؤلفة من أحرار ومناضلين ببرنامج يلائم ظروفنا وبقاعدة اجتماعية متماسكة هو مهمتنا التاريخية. وهي مهمة مجدية أكثر في التصدي للاقتلاع وللعنصرية والتمييز الذي نواجهه يوميًا، فدعوا شبابنا يكبر ويحمل مشروعنا السياسي الفريد والمتميز الذي يشهد له القاصي والداني لأنه نجح في التوفيق بين المواطنة والهوية القومية والوطنية. لقد أصبح حزبنا جامعًا للقوى الوطنية التي عاشت مرحلة تخبط بعد اتفاقية أوسلو، حيث قبلت قيادة م.ت.ف الشروط الإسرائيلية بخصوص عرب الداخل، فيما لم تعترف إسرائيل بنا كمواطنين أصليين متساوي الحقوق في دولة ما زالوا يعرفونها دولة اليهود. ومثّل التجمع السد الرئيسي ضد عملية الأسرلة الزاحفة لهذا الجزء من شعب فلسطين.


وهنا تفيد العودة إلى ما عبّر عنه المناضل وليد دقة الذي يقضي حكمًا مؤبدًا قضى منه حتى الآن 24 سنة، في سجون إسرائيل في مقال نشره يوم 1/12/2009، صوّر فيه حالة التخبط التي ألمّت به بعد مذبحة صبرا وشاتيلا أثناء الاجتياح الإسرائيلي للبنان، وحلّل أيضًا كيف وصل إلى حسم موقفه الفردي بالانضمام للمقاومة العسكرية الفلسطينية حيث قال: «إن حسمنا هذا (لموقفنا) الذي قد يكون حلاً فرديًا ممكنًا لكنه ليس حلاً لشعب بأكمله وليس حلاً لمليون ومئتي ألف عربي من المواطنين العرب في إسرائيل، لقد اختلطت علينا الأمور ولم نعرف كيف نتعامل مع مفهومي المواطنة والوطنية، ولم يوفر لنا أي حزب أو قوة سياسية عربية فهمًا أو إطارًا يتيح لنا مساهمة كافية من النضال نحافظ من خلالها على هويتنا القومية ونمارس واجبنا الوطني من جهة، ومن جهة أخرى نحافظ على وجودنا وأن ننزرع في أرضنا ونطالب بجدية بمواطنتنا الكاملة».


وعليه ليس صدفة أن يصطف غالبية الوطنيين والقوميين في إطار التجمع الوطني الديموقراطي، وليس صدفة أن ينتمي الأخ وليد دقة والعديد من رفاقه في السجون إليه، لأنهم قد رأوا فيه الإطار السياسي المنظم الذي لم يتوافر في الماضي قبل قيام التجمع للتعبير كاملاً عن الهوية الوطنية الفلسطينية والقومية العربية في تناقض مع الصهيونية.

لم تتوقف ماكينة المؤسسة الإسرائيلية الإعلامية عن التحريض ضد التجمع والقوى الوطنية، باعتبار أن (بلد) أي التجمع هو في نظرهم «دفيئة تثقف وتهيئ الأجيال الشابة كي تكون معادية لإسرائيل».


هذا التحريض يندرج ضمن الحملة المستمرة منذ سنوات، بهدف الحدّ من تأثير خطاب حزب التجمع وبرنامجه السياسي والحدّ من انتشاره وتوسع صفوفه في أرجاء بلداتنا ومدننا العربية، وخاصة بين الشباب والمثقفين. حيث تشير الاستطلاعات التي أجرتها المؤسسة الإسرائيلية نفسها إلى أن هناك التفافًا واسعًا حول التجمع من هاتين الشريحتين، مما يزعج هذه المؤسسة ويقلقها، التي تسعى إلى أن تكرّس وتحافظ على سياساتها نحو العرب الفلسطينيين التي رسمتها منذ النكبة، والمتمثلة بالخضوع والانصياع للأنظمة العنصرية والتبعية الاقتصادية والقبول بالفتات الذي تراه هذه المؤسسة وتقره بعيدًا عن حقنا في الأرض والمسكن والمساواة الكاملة ضمن المواطنة مع الحفاظ على هويتنا القومية وخصوصيتنا كمواطنين أصليين في الوطن.

لذا تسعى هذه المؤسسة بعدما أخفقت في احتواء هذه التوجهات السياسية والبرنامجية للتجمع باللجوء إلى سياسة التخويف والترهيب كي تعيد الفلسطينيين (المواطنين داخلها) إلى إطار تلك السياسات التي عملت بموجبها منذ عام 1948، فتارة تعتقل أفرادًا أو قيادات أو تحقق مع آخرين مستعملة التهديد والوعيد، ونحن نعرف أنها تملك أدوات عديدة لتنفيذ تهديداتها، أهمها التهمة الأمنية المعروفة بـ«الاتصال بعميل أجنبي» وهي تهمة أمنية مفصلة على مقاس موحد للعرب، كما هو معروف في «علم الموضة» One Size للجميع. فلقاء الأخ مع أخيه اللاجئ في مقهى في عمان، أو شرم الشيخ أو القاهرة أو لندن يعتبر اتصالاً بعميل أجنبي تستطيع إسرائيل أن تلبسه تهمة الاتصال بعميل أجنبي يهدد أمنها، حتى لو رفض المواطن العربي الانجرار إلى نشاط غير قانوني.

وعليه فنحن إذ ندعو كل القوى العربية والفلسطينية إلى أن تحترم ظروف نضالنا وعملنا كحركة وطنية سياسية، فإننا نؤكد أن هذا النهج البائد الذي تتبعه المؤسسة الإسرائيلية لن يردع، ولن يخيف أحدًا منا لأننا مؤمنون بالأسلوب النضالي القانوني والسياسي المعتمد لدينا، والتواصل مع أبناء أمتنا أيضًا هو حقّ طبيعي محميّ بالمواثيق والقوانين الدولية.

ولذلك فنحن من موقعنا الوطني المتميز نرفض أي محاولة لجرّ شبابنا خارج النضال السياسي الذي نعتمده بصورة قاطعة، فهذا برنامجنا الواضح وهذا هو نهجنا وسلوكنا.
* رئيس التجمع الوطني الديموقراطي