سعد الله مزرعاني

ومن مؤتمر الحوار الوطني وموضوع الاستراتيجية الدفاعية، إلى الحقوق الاجتماعية والإنسانية للفلسطينيين في لبنان...
ومن الموقف من العقوبات الأميركية والغربية ضدّ تركيا إلى ملفات الإعلام والقضاء المورّط بعضه في زواريب السياسة والانتفاع...
ومن الاتفاقيات الأمنية مع واشنطن تحت ذريعة الهبات، إلى ملفات العلاقة مع دمشق في جوانبها المتعدّدة...
من خلال كلّ هذه العناوين والملفات المفتوحة دون خطة، والمشرّعة الأبواب والنوافذ على رياح العصبيات والفئويات والمحاصصة والاستقطابات الخارجية، من خلال كلّ ذلك يتّضح أنّ السلطة اللبنانية لا تتصرّف كالراعي الصالح، ولا كالربّان الذي يسعى لأن يصل بسفينته وركابها إلى شاطئ الأمان.
ليس هذا الواقع مفاجئًا لأحد. ذلك أنّ الانقسام قد ذهب بعيدًا في الجسد اللبناني إلى حدود بات فيها التهادن أو أيّ شكل من أشكال التعاون، مكسباً لتفادي الأسوأ. والأسوأ هذا، بلغ في لحظات أو محطات عدّة، حدود الاحتراب الأهلي.
في مثل هذا المناخ، لا يمكن توقّع شيء إيجابي من البحث الدائر اليوم أو غدًا، بشأن كلّ العناوين والملفات الآنفة الذكر. لا شكّ بأنّ بعض الأمور غير الأساسية سيجري تسليكها استنادًا إلى رجحان ما لميزان القوى داخل مؤسسات السلطة، أو إلى تقاطع المصالح في هذا الشأن الاقتصادي ــــ الاجتماعي (خصوصًا) أو ذاك. لكنّ الأمور المسمّاة مصيرية ستبقى موضوع تجاذب وجدل وخلاف وانقسام حتى نشوء ظروف ومعطيات جديدة، أو حتى بلورة مساومات داخلية أو خارجية جديدة، أو حتى «يموت الملك أو جحا أو الحمار» كما تقول الرواية الشعبية المعروفة!
وفي رصد أسباب هذا التعثّر الذي هو أيضًا وأساسًا، عجز وفشل ذريعان في بناء دولة موحّدة وحصينة ومستقلة ومزدهرة، نقع على ثلاثة أسباب جوهرية. أوّلها افتقار الأطراف التي تقود السلطة (وخصوصًا التي قادتها منذ الاستقلال إلى اليوم) إلى برنامج حقيقي وشامل ومثابر لبناء الدولة والمستلزمات وعناصر وحدتها ومنعتها وتقدّمها. تفتقر إلى هذا الأمر القوى التقليدية والقوى الجديدة. وتفتقر إليه المجموعات المتحالفة في الجهات المتواجهة، كما تفتقر إليه ثنائيات أو ثلاثيات من هنا وهناك وهنالك. ويصبح الحديث من جانب هذا الفريق أو سواه، وفي هذا الرقم الآذاري أو في الرقم المواجه، مسألة دعائية، أو في الغالب الأعم من الأحوال، مسألة جزئية. فلا يجوز في هذا السياق إغفال أنّ بعض التكتلات قد أقام لنفسه من أسس التعاون ما هو مهم ومؤثر (بمعزل عن الموافقة عليه أو عدمها) في مسألة من مسائل الصراع الدائر في لبنان أو المنطقة أو في العالم. ويمثّل موضوع المقاومة ضدّ الاحتلال والعدوان الصهيوني، في صيغها الوطنية والإسلامية، وفي الصراع اللبناني والإقليمي، عنوان استثناء يجب دائمًا إبراز أهميته الراهنة والمستقبلية والتاريخية في كلّ حديث عن إنجازات الشعب اللبناني. فههنا تبرز البطولات والتضحيات والنجاحات اللبنانية التي لا تضاهيها أية بطولات أو تضحيات أو نجاحات، رغم ما سجّله الشعب الفلسطيني من عظيم الصمود والمقاومة والتضحية والصبر.
أما ثاني الأسباب وربما الأهم، ففي ما يولّده النظام السياسي القائم من أشكال الانقسام والفئويات واستحالة بناء دولة موحّدة وحصينة. على العكس من ذلك، فهذا النظام ينمّي في كنفه وعلى حساب الدولة الواحدة والموحّدة والقوية، أشكالاً من الدويلات والعصبيات والمذهبيات التي تنمو باستمرار وتتوسّع إلى المجالات والحقول.
ويتفاعل السببان الأوّل والثاني في علاقة جدلية ينجم عنها ما يعانيه لبنان واللبنانيون اليوم وبالأمس (وفي المستقبل إذا ما استمرّت الصيغ والعلاقات الحالية قائمة) من ضعف الوطن ووهن المواطنية وحدّة الانقسامات وتراكم الأزمات والعجز عن حلّها. وتستعصي هذه الأزمات على الحلول أو تتفجّر وتزج البلاد في أتون نزاعات وحروب أهلية تطول أو تقصر، بمقدار ما تتعذّى أيضًا، من العوامل الخارجية في نزاعات واستقطابات إقليمية أو دولية، ما زالت ناشطة ما استمرّ قائمًا مخطّط الهيمنة على المنطقة من خارجها أو بواسطة العدوّ الإسرائيلي أو بواسطة الأدوات المحلية التي ربطت مصيرها ومصير بلدانها بمصير المستعمر ولا تزال.
ونصل هنا إلى السبب الثالث الذي يُضاف إلى السببين السابقين ويتفاعل هو الآخر معهما بطريقة بالغة الوثوق. فلقد مثّل استقطاب القوى المحلية من جانب القوى الخارجية أو سعي القوى المحلية إلى الاستقواء بالقوى الخارجية، عاملاً كبير الأهمية في تعميق الانقسام اللبناني من جهة، وفي إضعاف وحدة البلاد وشعبها من جهة ثانية. وبديهي أنّ ذلك سيؤدّي بالضرورة أيضًا، إلى إضعاف سلطة الدولة والنيل من سيادتها، وإلى تفاقم الصراع وعدم الاستقرار، وخصوصًا حين تحتدم الصراعات الخارجية على غرار ما حصل في السنوات الممتدة ما بين عام 2003 (أي غزو العراق) وعام 2008.
ليست الموازين جامدة ما بين الأطراف. وليست التحوّلات والمتغيّرات بدون أثر. وبسبب ذلك نشهد في هذه المرحلة أو تلك بعض التبدّلات والأحداث التي تولّد حراكًا في هذا الموضوع أو ذاك. غير أنّه بالنسبة إلى لبنان، فالأزمة تستمر وتتفاقم. ولا يخلو أسبوع أحيانًا، دون أن نشهد مظاهر لها في أمر أو أمور عدّة. ويكفي أن نذكر أنّه في هذه الأشهر الأخيرة احتدم الصراع حول موقف لبنان من العقوبات الأميركية والغربية على إيران... إلى موضوع الموازنة والحقوق الاجتماعية للفلسطينيين... قبيل ذلك دار صراع حول قانون البلديات وحول سنّ الاقتراع... ويستمرّ الآن حول الموازنة والعلاقة مع دمشق والاستراتيجية الدفاعية...
لا نقصد من كلّ ذلك أنّ الصراع أمر غير طبيعي وأنّ التنافس لا يحصل إلا في بلدنا وبين قوانا السياسية. المقصود، هو الافتقار إلى البرامج التي يجب أن تتباين مواقف القوى السياسية والاجتماعية ومصالحها بشأنها، دون أن تفقد بالمقابل، الحدود الدنيا من المشتركات الوطنية في الدفاع عن وحدة البلاد وعن سيادة الوطن وحريّته واستقلاله وتقدّمه... إنّ هذا الهاجس غائب دون أدنى شك. ولا يتعدّى حضوره في أدبيات أو مواقف هذا الطرف أو ذاك حدود الكليشهات الإعلامية الفارغة من كلّ مضمون.
ونصل هنا إلى النقطة الأخيرة في هذا الصدد. وهي الضعف الذي يقارب حدود الغياب، للبدائل التي ينبغي أن تمثّل عامل ضغط من أجل تغيير هذا الواقع. إنّ غياب هذه البدائل وضعف قواها يمثّلان السبب الرابع، ولو عن غير قصد، لاستمرار أزماتنا ولتفاقمها ولاستعصائها. هذا ما يجب أيضًا معالجته ونقده بكلّ الجدية والمسؤولية الضروريتين ليكون للبنان خلاص ولشعبه أمل في الخروج من الدوامة الراهنة المفتوحة على المزيد من الخسائر والضعف والمخاطر.
* كاتب وسياسي لبناني