سفيان الشورابي *

كان الـ«censor» في عهد الجمهورية الرومانية القديمة يحصي أعداد المواطنين المخوّل لهم دخول الجيش ودفع الضرائب. وكان يسهر كذلك، في إطار مهمّاته، على مراقبة أخلاق المجتمع من أيّ حيف. مهمة نبيلة لقاض يحكم وفق ضوابط القانون الطبيعي الذي يدوّنه أعيان الشعب لحمايته من الزيغ الذي يمكن أن يرتكبه المنحرفون عنه. الـ«censor» في زمننا الحاضر خرج عن مهمات السلطة القضائية ومشغلها، وانتقلت أدواته وآلياته إلى المؤسسات التنفيذية الموالية، إما إلى جزء من المجتمع في ظل الأنظمة الديموقراطية، أو الخاضعة لسلطة الحزب/ الفرد في حكم الدول الشمولية.
في تونس، الـ«censor» لا يتبع هذا ولا ذاك، على الأقل من المنظور الرسمي. هنا يجهل الجميع هوية الرقيب والحدود المفترض مراقبتها. فالضبابية والهلامية هما خاصيّتان تميّزان المشهد الإعلامي في تونس، وخصوصاً حقل الإعلام الجديد (المواقع الإلكترونية والمدوّنات والمنتديات الاجتماعية). الشبكة العنكبوتية في تونس تُعَدّ مثالاً «بيداغوجياً» من المهم التعريف به دولياً في غياب اللامنطق في تحليل السلوكيات السياسية لنظام الحكم.
فلنبدأ من النصف الملآن من الكأس: في تونس يبلغ عدد مستخدمي شبكة الإنترنت نحو 3 ملايين و590 ألف مستخدم، أي ثلث التونسيّين. وبلغ عدد الحواسيب مليوناً و250 ألف حاسوب في شهر أيار/ مايو 2010، وهو ما يساوي معدّل 21.9 حاسوب لكل 100 ساكن. وتونس، اللاهثة دائماً وأبداً وراء الرأسمال الأجنبي، توفّر فضاءات تكنولوجيّة تمسح أكثر من 100 هكتار لاحتضان المؤسسات والمستثمرين. وتعتزم مجموعة «بيت التمويل الخليجي ـــــ البحريني» إنجاز مشروع استثماري ضخم أطلق عليه اسم «مدينة تونس للاتصالات» بتكلفة تناهز 3 مليارات دولار. كذلك يسهم قطاع الاتصالات بنسبة 11 بالمئة من إجمالي الناتج المحلي الخام. وكانت تونس قد ركزت سنة 2009 كابلاً بحرياً ثالثاً بطاقة إمرار قصوى تقدر بـ30 غيغابيت في الثانية، في اتجاه أوروبا لتعزيز الارتباط بالشبكة الدولية للإنترنت باستثمارات تبلغ 18 مليون دولار.
أمّا النصف الفارغ من الكأس، فهو أنّ تونس تحتل المراتب الأولى عالمياً في قمع حرية الإنترنت ومحاربتها حسب التقرير الأخير لمنظمة مراسلون بلا حدود. هذا النصف الذي ترى السلطات التونسية أن التطرق إليه شكل من أشكال تشويه صورة البلاد، هو الذي يجعل من النصف الملآن عديم الجدوى والمردودية.
هناك أسئلة تطرح: ما هي الفائدة التي سيتمتع بها الـ3 ملايين متصفح للإنترنت بينما تغلق أمام وجوههم معظم المواقع الإلكترونية والمدونات، ولا يمكن فتحها بيسر؟ ما ذنب مواقع مثل «الدايلي موشن» و«اليوتيوب» و«فليكر» و«الجزيرة.نت»... إلخ، لتُحجب عن التونسيين دون سبب منطقي؟ أو لنقل إن هناك مبرراً غير مصرح به ويمكن اكتشافه بالممارسة؛ إنه، باختصار، عدم قابلية نظام الحكم في تونس للسماح للتونسيّين بالاطّلاع إلا على الرأي الواحد والخطاب الواحد: إنه الـcensor بمواصفات تونسية. لكن من هو؟ إنّه ليس القاضي في المحكمة طبعاً كما كان سابقاً لدى الرومان. ولا أحد يعلم من يراقب المعلومات التي تُنشر على الإنترنت، لكن من المؤكد أنه موجود في مكان ما. جهة مجهولة أخذت على ناصيتها ممارسة الرقابة على العقل التونسي الذي ربما، حسب تقديرها، لم ينضج بعد لكي يحسن الاستفادة من إيجابيات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. أحدهم سمّاه «عمار 404» للمزاح، وأيضاً ـــــ وهو الأهم ـــــ أنه أسهم في رفع سقف وعي التونسيين للمطالبة بإلغاء الرقابة على عقولهم. هبّة قوية عرفها المشهد الإلكتروني منذ أسابيع تطالب بردع الـcensor المتخفي، انتهت بمحاولة تنظيم وقفة احتجاجية أمام مقر إقامة «عمار 404»، أي وزارة تكنولوجيا الاتصالات (تسييس آخر للموضوع!) المشرفة على توزيع الإنترنت على كامل التراب التونسي. الحركة أُجهضت ومُنعت، رغم طابعها السلمي والطريف أحياناً (الدعوة لارتداء قمصان بيضاء والتجوّل بها في الشارع)، ورغم اتباع الداعين إليها المسار القانوني بصرامة وحزم، في دولة لا يحترم منفذو القانون فيها (أي رجال الشرطة) قانونها وتشريعاتها.
وسائل الإعلام الأجنبية أخبرت عن محاولة الاحتجاج التي أُفشلت كأول نشاط «a-politique» (لا وجود لهذه الكلمة الفرنسية أي تعريب لها في المعاجم العربية) ينظمه شباب غير مسيس (non politisés) للدفاع عن قضية (a-politique). فكان تعامل البوليس معهم تعاملاً «سياسياً» بامتياز. فمكان الوقفة الاحتجاجية حوصر بالمئات من أعوان الشرطة، ومُنع العشرات من الشبان من الولوج حتى إلى الشوارع الموازية، وعُنّف بعضهم مادياً ولفظياً.
صحيح أن هذا التحرك هو الأول الذي لم ينبثق من رحم الأحزاب أو النقابات أو الجمعيات، وأعدّ له شباب يفتقد جلّه لحنكة إدارة مثل هذه التحركات، إلا أنّه لا بد من استخلاصات كي لا تذهب جهود عمليات التعبئة هباء.
أهم هذه الخلاصات هو أن التحركات الخارجة عن الأطر الكلاسيكية، التي كان قطب رحاها الإنترنت، لا تعني فوضوية المبادرة التي أطلقت بالرغم من الصعوبات التي وقعت في الاتصال، جرّاء فقدان فضاء مكاني مادي يجمع المساهمين فيها. وطبيعي أن يحدث عدد من الأخطاء التي كان من الممكن تفاديها لو كانت الظروف أفضل، ولعل أبرزها هو سوء تقدير بعض الوضعيات المنتظرة مثل الانتباه لردة الفعل المتشنجة من طرف السلطات الأمنية مع الموقعين على الدعوة للوقفة الاحتجاجية، وأيضاً التخوف غير المبرر من التعاطي مع وسائل الإعلام التي سارعت لنقل هذه الأحداث، وكذلك التوجس المريب في التعامل مع المنظمات المدنية والأحزاب السياسية التي تدعم هذه القضية.
فلا مناص من القول إنه بغض النظر عن الموقف المساند أو المعادي لدور الأحزاب السياسية التونسية، فإن الرفض الموجه إلى الحركات السياسية الديموقراطية التي خاض بعضها معارك عديدة في سبيل تحرير قطاع الإعلام، والتي يعاني مناضلوها من الحجب والصنصرة، لم يكن تصرفاً ضرورياً وسليماً، وكاد يُفقد هذه التحركات الزخم المطلوب. وطبيعي أن تكون فزاعة «التوظيف» هاجس الجميع، غير أن البون شاسع بين «التوظيف» و«التسييس». فالموضوع مسيّس في موضوعه وفي أشكال التعبير عنه. وتحرير الإنترنت هو مطلب موجّه إلى السلطة السياسية الحاكمة دون سواها. والحديث في هذه المسألة هو نوع من الاهتمام بالشأن العام الوطني.
والآن ماذا بقي للجرد فيما تواصل السلطات التونسية، في عناد طفولي، عمليات الحجب والغلق الإلكترونيين بعدما اقتنع الجميع بعبثيتهما؟ من المهم التوجه حالياً نحو المؤسسة القضائية بصورة جماعية يقودها جميع المتضررين من عمليات الصنصرة الإلكترونية: أصحاب المواقع والمدونات والصفحات الشخصية على «الفايسبوك»، وأيضاً مديرو الشركات والمؤسسات الذين تتأثر معاملاتهم المالية نتيجة غلق المواقع، وكل تونسي متشبث بحقه الدستوري في الوصول إلى المعلومة. ربما وجدنا في ذلك المكان الـcensor الذي نبحث عنه منذ زمن.
* صحافي تونسي