عندما وضع العبوات الناسفة فوق مقرّ حزب الكتائب، لم يكن حبيب الشرتوني يتصرف كقاتل. كان في وعي تام ان واجبه الوطني، يحتم عليه العمل على تعطيل المشروع الإسرائيلي في لبنان، ولم يكن بالإمكان ايقافه بطريقة اخرى. وفي ما بعد، سيصرح رئيس وزراء العدو ارييل شارون، أن كل شيء ذهب سدى في هذا اليوم من 14 ايلول: «لقد كان بشير الجميل أمل إسرائيل الكبير، فهو رجلنا القوي في لبنان».


قبل ذلك بيومين كان الرجلان يجتمعان في منزل عائلة الجميّل في بكفيا، بهدف وضع اللمسات الأخيرة على اتفاقية سلام بين اسرائيل ولبنان. بعدما تعهد بشير «للأصدقاء» في إسرائيل توقيعها معهم فور أدائه القسم الدستوري في 23 ايلول 1982.
الانسجام بين بشير الجمّيل وأرييل شارون نتجت منه تسوية فريدة من نوعها تدعى «الحلّ النهائي»، وبموجبه سيتمّ طرد المقاومة الفلسطينية من بيروت، وترحيل الفلسطينيين كافة وإفراغ المخيمات منهم بغية إقامة وطن بديل لهم خارج وطنهم الأصلي فلسطين.
نشرت صحيفة «هعولم هذيه» (هذا العالم) الاسرائيلية بتاريخ 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 1987 مقالاً حول «الترانسفير»، وهي خطة آرييل شارون السياسية التي تتضمن طرد الفلسطينيين من لبنان نحو الأردن، وذلك عبر دبّ الرعب في نفوسهم على غرار ما فعتله عصابات الأرغون والشترن ووحدات البالماخ التابعة للهاغاناه في دير ياسين وغيرها من المجازر في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
نشرت الصحيفة ما دوّنه آرييل شارون في مذكراته قبل ثمانية أشهر من بدء عملية «سلامة الجليل»: «أفضل خطة للتخلص من الفلسطينيين هو عبر حرب لبنان، حرب حقيقية تحمل معها حلّاً جذرياً لكل المشاكل العالقة مع الإشارة إلى وجوب تصفية مخيمات منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان. تقوم الحرب بتهجير قوات منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان إلى سوريا، ومن الافضل ان تتجه قوات منظمة التحرير الفلسطينية إلى جنوب سوريا ونحو الاردن، بعد ذلك يأتي دور السوريين فيتم طردهم من لبنان وأخيراً نقيم دولة حليفة لنا في لبنان». وأردف بشير انه يريد إقامة حديقة حيوانات مكان المخيمات الفلسطينية في بيروت. ذروة الاحتلال الاسرائيلي للبنان بلغت يوم انتخاب بشير الجميل في 23 أب 1982 وبقائه 21 يوم في سدة رئاسة الجمهورية.
لقد أتى بشير الجميل بانتخابات مزيفة، جرى تمويلها بأموال سعودية وغطرسة الولايات المتحدة الأميركية وسلطات الاحتلال الإسرائيلي.
تصفية العملاء والخونة وكل متعاون مع الاحتلال، هو أمر عادل لا نقاش فيه. الواجب الوطني يحتّم على كل مواطن الدفاع والذود عن الوطن. وهذا الواجب ليس مصطلحاً نتغنى به فحسب، او نزايد به على بعضنا وقت الحاجة. الواجب الوطني هو مسؤولية اخلاقية والتزام يقع على عاتق كل منا، وان اختلف معنى أو مفهوم الواجب الوطني بين الثقافات بحسب اختلاف النظام العام والآداب العامة إلا ان مفهومي العمالة وخيانة الوطن لا خلاف عليهما في شتى انحاء العالم.
هناك شريحة واسعة من اللبنانيين لا تستطيع العيش في ظلّ الاحتلال، ولن تتعاون مع الاحتلال. وهي انسجاماً مع واجبها الوطني قامت بتصفية رموز الاحتلال ودحرهم وقتلهم عندما لزم الأمر.
أيدي بشير الجميل ملطخة بدماء من قتلهم من المدنيين، مواطنون لبنانيون مثله تم ذبحهم بدم بارد، وبشير هو من شرّع المجازر ومذهب الخطف والذبح على الهوية.
17 ألف مفقود مجهوليّ المصير حتى تاريخ اليوم واكثر من مئة الف قتيل انتجت هذه الحرب، يتحمّل بشير الجميل – لا حبيب الشرتوني - مسؤوولية مباشرة عنها.
هناك فائض من الأدلة والبراهين - استناداً إلى معايير القضاء الجنائي الدولي - تشير إلى ارتكاب بشير الجميل جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية عدا عن جريمتيّ التعاون مع العدو وخيانة الوطن الذي يعاقب عليهما القانون اللبناني (المواد 184 و274 و275).
وبالمناسبة لم لا يجرى انشاء محكمة عدل دولية خاصة للتحقيق بمقتل بشير الجميل (وجرائمه) على غرار محكمة العدل التي تحقق بمقتل الحريري؟
ونعرف أن هذه المحكمة ستقرّ أنّ بشير الجميل هو احد اقطاب امراء الحرب اللبنانية، وهو مرتكب مجازر ومسؤول عن قتل المدنيين وعميل للعدو.
إن رفع أعلام لبنان والمزايدة بالوطنية على المقاومة لا يشكلان المقياس الأمثل لمنسوب الوطنية لديكم، إذ لا شيء يبرر التعامل مع العدو. وحب الوطن منفصل عن النزعات والمكاسب الذاتية. كما أن واجب الجندي في الحرب هو قتل العدو وليس المهادنة معه، كذلك الواجب الوطني هو ارتباط وثيق بالهوية والثقافة الوطنية لا يلتقي مع العمالة، فهذا تناقض بحد ذاته والخيانة بحد ذاتها جريمة.
لم يحدث مرة أن أنصف التاريخ الخائن والمتعامل مع العدو، ولطالما خلّد التاريخ بطولات وطنيين دافعوا عن وطنهم. فألف شكر لكل هؤلاء الأبطال... ولكل خائن حبيب.
* باحثة في القانون الدولي لحقوق الإنسان ــ باريس