وائل عبد الفتاح

من ربّى الوحوش في كترمايا؟ إنها الجريمة الكاشفة لدولة ما بعد الاستقلال. الدولة فشلت في أن تكون دولة بالمعنى الحديث. بقيت في إطار «الاستبداد الشرقي» بقشور سقطت بفعل عوامل التعرية (الفساد، الهزيمة العسكرية، الشيخوخة وانعدام الكفاءة). الدولة لم تقنع أهالي ضحايا مذبحة كترمايا بأنها قادرة على تحقيق العدالة، ودفعت المذعورين من هول القتل الجماعي للعودة إلى ما قبل عصور العدالة الحديثة.
المصريون لم يروا في المتهم بالقتل سوى «مصريته». هوية الجماعة بغض النظر عن جريمة ذبح العائلة (الفقيرة مالياً) بالسكين. أي إنها جريمة تعتمد على عنف بدائي وقوة جسدية يحركها الانتقام.
الشاب المصري قوي البنية وشاربه علامة ذكورة تخفي رقة العينين الملوّنتين. ورواية الشرطة اعتمدت على اعترافات للشاب قال فيها إنه أقدم على الجريمة بعد رفض العائلة تزويجه فتاة قاصراً (عمرها 13 عاماً) اتُّهم باغتصابها. الزواج كان سيعفيه من عقوبة جريمة الاغتصاب.
الدولة ممثّلة في الشرطة اللبنانية قدّمت روايات مربكة، وغامضة، وخصوصاً من لحظة مغادرة فريق التحقيق القضائي مقرّ التحقيق واتخاذ قرار من الضابط المسؤول عن المخفر بالعودة إلى القرية لتمثيل الجريمة.
هل كان الضابط متعاطفاً مع مشاعر الانتقام التي سيطرت على القرية ووصلت إلى مطالبة نائبها في البرلمان (ينتمي إلى تيار المستقبل) بأن ينفّذ الحكم في ساحة القرية؟
هل سلّمت الدولة المتهم إلى القرية الغاضبة؟ هل هو تعاطف عمومي لا يريد انتظار مسار العدالة؟ وهل تخلّى الضابط عن وظيفته العدلية وعاد إلى التعاطف مع جماعته الصغيرة؟ أم هي محاولة للتغطية على جريمة أخرى أو قاتل آخر أو شركاء آخرين؟
كل الاحتمالات واردة، بالقدر نفسه تقريباً. لكن الحقيقة الساطعة هنا أن الجماعة، لا الدولة، هي التي فرضت قانونها، لأنها ببساطة مصدر أمان الشخص الذي لم يجد الدولة إلا في حنجرة إيديولوجية تحولت فيها دولة ما بعد الاستقلال إلى معسكرات قطعان الحب الواحد على جبهة العدو. الشخص العادي رأى دولته أسيرة نخب فاسدة، لا تحمي إلا مجموعتها الصغيرة، فعاد هو إلى جماعته ليشعر بالأمان.
العدالة الحديثة لا تطبّق وفق عقلية الانتقام، ولا بتلك البدائية التي تعتمد على هذه الطريقة البشعة في القتل والتمثيل الوحشي. القانون الحديث غيَّر مفهوم العقاب من الانتقام إلى الإصلاح.
وكانت مسارح التعذيب في شوارع أوروبا تقدم نوعيات قاسية من العقوبات يُعذّب فيها المجرمون بوسائل وحشية تُخلع فيها الأظافر بماكينات قاسية، وتدق فيها المسامير وتنزف الدماء من كل منطقة في الجسد أمام عشرات المتفرجين.
لكن هذه الوحشية لم تحقق العدالة، لأنه قد يكون المجرم بريئاً. كذلك فإن الهدف ليس الانتقام من شخص المجرم. الهدف هو عدم تكرار الجريمة. وقد اكتشف فلاسفة القانون أن تكرار حفلات التعذيب العلنية يغذّي الجريمة ويشحن العنف والهمجية ولا يوقفها.
من هنا انتقلت فكرة العقاب من الانتقام إلى الإصلاح، في ثورة غيّرت مفاهيم العدالة. وهذا هو المرعب في كترمايا.
ليس المهم هنا أن ضحية حفلة التعذيب مصري. المشكلة في عقلية الغوغاء الذين قادوا ما تصوّروا أنه عدالة الشارع.
هذه العقلية قبلية طائفية غوغائية متوحشة لا ترى إلا بعين واحدة. فرقة متوحشين اختطفت الشاب من سيارة الشرطة وقتلته بالضرب والطعنات، ثم سحلته في الشوارع وعلّقت جثته على سيارة تلف القرية وسط تهليلات «الله أكبر» و«الله انتقم من المجرم» و«في كترمايا لا يضيع الحق».
إنه العنف المكتوم من أيام مذبحة الجيش الإسرائيلي في 1982، حين ذبح آلاف الضحايا على مرأى ومسمع من الجميع. عنف لم يحاسب عليه أحد. لكنّ الذاكرة الجماعية لا تنسى، وتضغط على الوعي وتنشر الشعور بالمهانة والقهر.
كذلك فإن هؤلاء المتوحشين هم تربية ثقافة لا تؤمن بقوة الدولة ولا تثق بتحقيق العدالة.
وهذه عدوى لم تصل إلى مصر، لكنها ليست بعيدة، وهناك نائب منذ عدة أشهر اقترح تنفيذ عقوبة الإعدام بالمتهم بالاغتصاب، في الميادين العامة وعلى الهواء مباشرة.
جريمة كترمايا ليست ضد مصر. ولكنها ناقوس خطر للمصريين. فعندما لا يثق أحد بأن مؤسسات الدولة تنفّذ العدل، فإنه سيحاول تحقيق العدل بنفسه. إنها لحظة نهاية حلم الاستقلال كاملاً. الدولة أسيرة وحوش شرسة وتخلق جيوشاً طيبة تدافع عن وجودها.