قُتلوا أكثر من مرّة


لم يتفاعل الفايسبوكيون (من اللبنانيين) مع خبر جريمة القتل التي روّعت أهالي قرية كترمايا. خبر الجريمة ورد في سطور قليلة في معظم المواقع الإلكترونية التي غابت عنها الصور. فلم يشاهد الفايسبوكيون الجد السبعيني ولا زوجته، ولا حفيدتيهما، طفلتي التسعة والسبعة أعوام، جثثاً مضرجة بالدماء.
لا أحد من الفايسبوكيين، على الأقل من أولئك الذين تربطني بهم علاقات فايسبوكية، بادر إلى لصق هذا الخبر على حائطه أو وضع تعليقاً على هذه الجريمة.
في اليوم التالي، جريمة أخرى. أهالي كترمايا انهالوا على القاتل خلال تمثيله الجريمة، وانتهوا إلى نحره، تماماً كما استخدم السكين في جريمته في اليوم السابق. ثأروا....وعلّقوه، «عبرة لمن اعتبر»، تماماً كما كانت تنفّذ أحكام الإعدام في الساحات. ضرب من «الهمجية واللاإنسانية»، صُوِّر، وأصبح الخبر الأكثر قراءة على بعض المواقع الإلكترونية. هبّت حماسة الفايسبوكيين، لصقوا الخبر، ذيّلوه بتعليق يربط جريمة اليوم بما قاله وليد جنبلاط عن الانتقال من البداوة إلى التمدن! وانهالت التعليقات.
همجية قتل القاتل، في القرية التي يقال إن غلياناً حكم أهلها منذ لحظة اكتشافهم الجثث الأربع، اهتزّت لها الإنسانية الكامنة في نفوس الفايسبوكيين...
وسائل الإعلام، الصحافيون، صانعو الرأي، وغيرهم من الحريصين على حقوق الإنسان وتعزيز حسّ المواطنة المفقود، أبدوا عطشاً رهيباً للدم.
الإعلاميون، وهم أصحاب مهنة الصورة، والأقدر على فهم حقيقتها وتفكيكها، خضعوا للصورة التي شاهدوها يوم الخميس. تحت تأثير فظاعة ما شاهدوه، انساقوا كلياً وراء هذه الفظاعة، ونسوا مأساة عائلة لم يسمح لها ما جرى، يوم الخميس، بأن تبكي أحبّاءها، لأن الصحافيين، ببساطة، نسوا. لم تصعقهم صور ليوسف وكوثر وآمنة وزينة، صور مشبعة بدماء تروي ظمأ إنسانية صدئة أصلاً، فباتوا في كل مرة يكتبون ويحلّلون، وفي كل مرة يحاولون إدانة المجتمع القاصر إنسانياً، وفي كل مرة يحاولون التنصّل من هذا الخزي الذي لحق بهم باعتبارهم أفراداً في هذا المجتمع «القطيع»، يتماهون مع الهمجية المدانة. يدينون الحدث فيما هم يمجّدون صورته. فغابت حكاية رنا... لم يعرف أحد إن كان يوسف يظن أن نهاية مشواره ستكون في داره غارقاً بدمائه. هل علم أحد إن كانت آمنة قد بدأت ترسم أحلام مراهقة مبكرة، أو الكلمة الأخيرة التي نطقت بها زينة عندما أسرعت إلى داخل المنزل؟ غابت كل هذه الحكايا، في غياب الصورة. لم تكن الكلمات كافية.
فقُتل يوسف وكوثر وآمنة وزينة، أكثر من مرة...
نجلاء أبو مرعي