اتقع الحروب بين الدول والقوى المتصارعة غالباً لأسباب سياسية، ضمن صراعات المصالح، وهي ضمن هذا المحدد يمكن أن تجد لها نهاية عند تقاطع ما، من دون أن يضطر أحد الطرفين لسحق الآخر، ولكن عندما تقع الحرب ضمن بواعث دينية، فإنه من العسير على أحد الطرفين أن يستسلم، من دون أن يضمن القضاء التام على الخصم، وإلّا فهو تنازل عن جزء من الدين، ما يبعث على غضب الرب، والخسران المبين.


مالت القوى العالمية، عبر العصور، إلى تجنب الرؤية الدينية الحصرية كباعث على التوجه السياسي، وإن استخدمت الدين كأحد عوامل منطلقها السياسي، من دون أن يكون العامل الأساس، ما جعل الحروب أقل كلفة، وهذا يعبر عن سوء إدراك لرسالة الدين في الحياة، بما افتعله سدنة الدين من حرف له عن مساره، من كونه بالأساس مجموعة قيم إنسانية تسعى للسلم الاجتماعي العالمي. وكان الإسلام من أعظم أديان الأرض في منظومته التأصيلية النظرية، المنبثقة من القرآن الكريم، حرصاً على تفعيل دور الدين في بناء السلم العالمي، ولكن وقائع تاريخ صدر الإسلام الأول، وتفسيرها، لاحقاً، باعتبارها أصولاً دينياً من قبل بعض الفقهاء، ورجحان كفة هؤلاء الفقهاء دون غيرهم في واقع المجتمع السياسي، فيما بعد، تسبب في الالتباس الكبير بين ما هو سياسي محض، وإن كان الدين باعثاً من بواعثه العامة، وبين ما هو ديني صرف يبوء صاحبه بالخسران الأخروي التام إن لم يحرص عليه.
والتمييز بين ما هو ديني وسياسي هنا لا يقصد منه علمنة الحياة بعزل الدين عن السياسة، بقدر ما يراد منه التمييز بين أمر سياسي محض، يمكن إخضاعه لتغيرات الواقع بحسب اجتهاد القيادة الملتزمة بالدين، وبين ما هو دينيّ صرف لا يمكن إخضاعه لأي واقع كونه أصلاً دينياً لا اجتهاد فيه.
وعند العودة لصدر الإسلام الأول، وتحديداً بعد وفاة النبي (ص)، واندلاع ما أطلق عليه مجازاً «حروب الردة» ترتب على ذلك أول إشكال بين ما هو ديني وسياسي، بما يلقي تبعاته على الواقع حتى يومنا هذا. والكل يعلم أن تلك الحروب كانت ضمن باعثين: أولهما الحرب ضد أعراب رفضوا الدين بجملته، ورفضوا نبوة محمد، كـ(مسيلمة وسجاح وغيرهما)، فكان تمردهم على الدولة ضمن باعث ديني صرف، يصعب التصالح معه. وثانيهما الحرب مع أقوام منعوا الزكاة، اعتقاداً منهم أنها لا تؤدى إلّا لشخص النبيّ، والنبيّ قد رحل، أو لربّما رفضاً من بعضهم لبيعة أبي بكر الصدّيق، والأشهر الأصح هو السبب الأول، فجاء إعلان الخلافة الإسلامية الراشدة الحرب عليهم ضمن باعث سياسي، كونهم منعوا حقاً الدولة والمجتمع عليهم، ولا يمكن لأي دولة في العالم أن تقبل تمرّد بعض ولاياتها عبر رفض دفع الضريبة مثلاً، رغم أن الزكاة ركناً دينياً بالأصل، لكنهم لم ينكروا أصلها الديني، إنما التبست عليهم آلية تنزيلها في ذلك الوقت المفصلي، وهو ما التبس بعضه على صحابيّ كبير بوزن الفاروق عمر، عندما رفض الحرب على مانعي الزكاة ابتداء، علماً أن بعض مانعي الزكاة كانوا صحابة مشهود لهم، كمالك بن نويرة، الذي كان عيّنه الرسول على صدقات بني حنيفة.


مالت القوى العالمية إلى
تجنب الرؤية الدينية الحصرية كباعث على التوجه السياسي

بحث الفقهاء في العصور الإسلامية اللاحقة تلك المرحلة، فكانوا على ضربين، أحدهما اعتبرها (حرب ردّة) مجازاً، ففرّق بين تمرّد مسيلمة الديني، وبين منع الزكاة السياسي، وإن اعتبر الدين ذا صلة بالحالتين، ومثال على ذلك الإمام الشافعي، رائد أحد أهم مذاهب أهل السنة، والمتوفى قريباً من صدر الإسلام، 205هـ. فيما برز في مقابله، وإن بعد قرون بعيدة، من اعتبر ذلك الحدث الكبير «حرب ردة» على الحقيقة، فكل مانع زكاة كافر مرتد يجب إزهاق روحه، بل هو أخطر من الكافر الأصلي، ومثال على ذلك الشيخ ابن تيمية، والذي أصبحت فتاويه، لاحقاً، ملهمة لتيارات إسلامية واسعة في عموم الأرض، خاصّة على المستوى السلفي السني، وتلقفت تيارات الغلوّ الديني كثيراً من فتاويه، واعتبرتها مسوغاً شرعياً لممارسة شتى صنوف الأعمال.
وتطوّر الأمر عند ابن تيمية عندما قاس على منع الزكاة، أموراً أخرى موجبة للحرب على من نطق بالشهادتين، حيث استرسل في تقصي أمثلة عديدة، يكفي واحد منها لإعلان الحرب، باعتباره خروجاً عن بعض الدين، والدين كلّ واحد، وإلّا فلا دين، وذكر من جملة هذه الأمور:
-إنْ امْتَنَعُوا عَنْ الْحُكْمِ فِي الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ وَالْأَعْرَاضِ وَالْأَبْضَاعِ وَنَحْوِهَا بِحُكْمِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
- وَكَذَلِكَ إنْ أَظْهَرُوا الْبِدَعَ الْمُخَالِفَةَ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَاتِّبَاعِ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا؛ مِثْلَ أَنْ يُظْهِرُوا الْإِلْحَادَ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ وَآيَاتِهِ، أَوْ التَّكْذِيبَ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ، أَوْ التَّكْذِيبَ بِقَدَرِهِ وَقَضَائِهِ.
- أَوْ التَّكْذِيبَ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى عَهْدِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، أَوْ الطَّعْنِ فِي السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَاَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانِ.
غلب المسمّى على الجوهر، عبر الزمن، وغابت معه رؤية الشافعي، رغم بقاء اسمه كعلم، وغاب الفاصل بين الخيط البيض من الأسود من الفجر، فأضحى كل سياسي ليس ديني فحسب، بل أصل ديني، ومبعث للتكفير وإراقة الدم. وشاع وهج ابن تيمة وذاع صيته، وأضحى أكثر تعبيراً عن حلم الدين بعد أن سقطت دولته، وصارت طموحاً جميلاً يراود غالبية المتدينين، في ظل استبداد النظام الرسمي الشمولي، وفي ظل تلقف مشاريع عالمية كبيرة لكل هذه الأحلام، حتى لو كانت صغيرة، فاختلط الديني بالسياسي، أيما اختلاط، وصار إعلان الحرب داخل مجتمع الشهادتين متوقف فقط على توفر من يشعل الثقاب، ويمد بالسلاح، ويفتح الحدود، فالخميرة جاهزة على الدوام لتعيد للدين مجده المغيب!
لهذا يبدو طبيعياً اليوم أن تشرعن تنظيمات الغلوّ الديني كل أعمالها بفتاوى ابن تيمية، دون الشافعي وغيره من أعلام الأمة الأوائل
* باحث وكاتب ـ فلسطين