«طلعت ريحتنا»



«طلعت ريحتكم» و«بدنا نحاسب» شعاران سمعناهما كثيرا أخيراً. ولكي لا يبقى الشعار شعاراً ويذهب مع أول هبة ريحٍ خريفية خصوصاً أننا على أبواب الخريف، إن كان على مستوى الطقس أم على مستوى الواقع السياسي الذي تمر به امتنا السورية وكيانها اللبناني تحديداً، يجب أن نُقرِن شعار «بدنا نحاسب» بالأفعال.

فالمحاسبة بشكلٍ عام تكون بقيام المسؤول عن أي شركة أو مشروع أو مؤسسة بمحاسبة الموظف المرتكب أو المقصر، وهذا النوع من المحاسبة ينطلق من قاعدة الأعلى يحاسب الأدنى منه وظيفياً، ولكن هناك أنواع اخرى من المحاسبة تقلب القاعدة بحيث تصبح المحاسبة من الأدنى للأعلى، وباعتقادي هذا النوع من المحاسبة هو المقصود بشعار «بدنا نحاسب».
ولكن هل المحاسبة تقتصر على وزيرٍ قصّر في مجالٍ ما ولحكومة لم تقم بأبسط واجباتها؟ وهل تقصير الحكومة يقتصر على نفاياتها المتراكمة في الشوارع والأزقة والزواريب؟
التقصير ليس في الوزير الفلاني ولا الرئيس الفلاني ولا في حكومة نفايات جماعة وأفراداً، وإنما في بنية هذا النظام الإقطاعي المذهبي الطائفي القبلي الذي لا يمكن أن نجد أفضل منه خدمةً للعدو «الإسرائيلي» وسواه من المتربصين بأمتنا شراً. وهو نظام مسخ ارتضاه الشعب نظام حياة ويجدد له بالإنتخابات حيناً وبالصمت المطبق أحياناً، ويصل بنا الأمر أن نجدد له بالدم أحياناً كثيرة. وبالتالي، فإن «الريحة الطالعة» ليست ريحة الحكومة والرئيس والوزير والنائب، إنما ريحتنا نحن الشعب مصدر السلطات، و»المحاسبة الواجبة» ليست للحكومة والرئيس والوزير والنائب، وإنما أن يحاسب الشعب نفسه لأنه أوصل البلاد إلى ما وصلت اليه من روائح النفايات المنزلية والسياسية وإلاجتماعية والإقتصادية والمالية والأمنية، بالتجديد والتمديد لهذا النظام العفن ولأدواته العفنة. وما نقوله عن الدولة ومؤسساتها ينسحب أيضاً على الأحزاب ومؤسساتها، لأنها بدلاً من أن تكون أداة تغيير وتطوير، أصبحت بمعظمها إحدى أدوات هذا النظام الفاسد الذي تأسست لتغييره.
لهذا فإن من الحق أن نقول «طلعت ريحتنا» مش «طلعت ريحتكم»، و»بدنا نحاسب» أنفسنا وليس «بدنا نحاسب» بالمطلق، لأنه كما أنتم يولّى عليكم. ونحن المتحزبين أنفسنا نمارس الديمقراطية المشوهة في أحزابنا ونأتي بهذا أو ذاك من الرؤساء والمجالس ونعود لنشتمهم ونتهمهم.
الفساد لا يقتصر على نائب أو وزير. الفساد في التربية، في المناهج المدرسية التي تُعلمنا كيف نكون أتباعاً وقطعاناً، وفي الأحزاب ومؤسساتها التي نطيعها ولا ننتفض بوجهها، وفي فهمنا للقيم والأخلاق. الفساد بات معشعشاً في أنفسنا وأفكارنا الملوثة بكل نفايات العائلية والطائفية والإقطاعية والإستزلام، والثورة الحقيقية يجب أن تكون على كلّ ما بداخلنا من أنانية وحقد وتبعية عمياء.
ناصر الرماح