يتناول هذا المقال السياسة المنهجية التي يتبعها كل من النظام السعودي وتنظيم "داعش"، في استهداف الآثار اليمنية والعراقية والسورية. كما ويشكل هذا المقال محاولة لفهم الأسباب، والدوافع وراء عمليات التخريب المقصودة لهذه الآثار، من خلال القصف الجوي السعودي المتواصل لآثار اليمن، والتخريب المنهجي المتواصل لآثار العراق وسوريا، الذي يقوم به تنظيم "داعش" على الأرض.


لم يتعرّض النظام العربي "الإسلامي" لأية آثار في الأقطار التي تمّ الاستيلاء عليها، بل اعتبرها العرب شواهد على حضارات غابرة وعريقة، وليست أصناماً للعبادة. وبقيت هذه الآثار قائمة لأكثر من ألف وستمئة سنة، إلى أن جاء "داعش" لينهبها ويبيعها ويخربها ويدمرها. كما أنّ العرب، الذين قدموا من الجزيرة العربية إلى العراق وسوريا، لم يجلبوا معهم الكثير من العلوم والثقافة، بل تميزوا بحبّ جامح للمعرفة، فحافظوا على المخطوطات التي وجدوها، وأقاموا المكتبات لحفظها، ومراكز لترجمتها، ونسخها، ونقاش مواضيعها، والتعقيب عليها. وحرص العرب على شراء المخطوطات، حتى من أعدائهم البيزنطيين، ولكنهم لم يحرقوها، ولم يدمروها، بل ترجموها للعربية ليقرأوها ويستنيروا بعلمها.
نجح العرب، ليس فقط في المحافظة على التراث الفكري والثقافي الإغريقي والبيزنطي، بل أيضاً في تطويره وتوسيعه. ومن معالم الحضارة العربية تطوير العلوم، من كيمياء وفيزياء وطب ورياضيات وفلسفة ومنطق وأدب. ونشأت أولى جامعات العالم في الأندلس، ودرس فيها الأوروبيون، وبعدها انتشرت في أوروبا، ومن ثم في العالم. وتعلّم العرب صناعة الورق من الصينيين، لكنهم حولوها إلى صناعة مركزية، وأخذوا في تصدير الورق للعالم. وبقي العرب يصدرون الورق إلى أوروبا حتى القرن السابع عشر. وأنشأ العرب المكتبات العامة، في بغداد ودمشق والقاهرة والجزائر وقرطبة. وكان في بغداد، في القرن الثالث عشر، 36 مكتبة، ومئة تاجر كتب، وبعضهم قاموا بنشر الكتب. وكان العديد من النبلاء، والتجار العرب، يملكون مجموعات كبيرة من الكتب في مكتباتهم الخاصة. وكانت أشهر المكتبات العامة مكتبتين: بيت الحكمة في بغداد، والمكتبة الأموية في قرطبة - الأندلس. أقام الخليفة العباسي، هارون الرشيد، بيت الحكمة في بغداد، في القرن الثامن ميلادي، وطوّرها ووسّعها ابنه الخليفة عبد الله المأمون. وكان بيت الحكمة عبارة عن أكاديمية تعجّ بالعلماء، والمفكرين، والأطباء، والفلاسفة، والرياضيين، والفلكيين، والأدباء، والشعراء، والكتاب، والكتبة، والنسّاخ، والمترجمين في الآداب والعلوم. وحوت مكتبة بيت الحكمة على آلاف المخطوطات والكتب والمجلدات بلغات عدّة: العربية، الفارسية، السريانية، اليونانية، البيزنطية، اللاتينية، السنسكريتية، والعبرية. وبالإضافة لبيت الحكمة، أنشأ المأمون العديد من المعاهد العليا، والمراصد الفلكية، ومصانع النسيج. ووصل عدد المعاهد في عصره إلى 332 معهداً.
أما المكتبة الثانية، فكانت المكتبة الأموية في قرطبة، والتي أنشأها أمير المؤمنين، عبد الرحمن الناصر في أحد قصوره. ورث الحَكَم، عن أبيه، عبد الرحمن الناصر، الخلافة في الاندلس، وكان شغوفاً بالعلم، محباً للقراءة والاطلاع، وتعوّد أن يقتطع من أوقات عمله بضع ساعات، ينصرف فيها وحده للدراسة والإطلاع في مكتبة القصر. وملأ الحكم الأندلس بجميع كتب العلوم، وأغدق عطاياه على العلماء في عصره، سواء كانوا من المسلمين أو غيرهم. وبذل الكثير من الأموال لاقتناء تلك الكتب، التي كان يبعث رسله للبلدان لجلبها. ولمّا ضاقت مساحات القصر عن استيعاب العدد الكبير من الكتب الواردة إليها باستمرار، أنشأ الحكم، على مقربة من القصر، مكتبة قرطبة، التي وصلت محتوياتها إلى 400 ألف مجلد في مختلف العلوم والفنون والآداب. كما أنشأ الحكم جامعة قُرْطُبَة، التي كان مقرها في مسجد الجامع الكبير، وكانت أول جامعة في أوروبا، وتمّ تدريس مختلف العلوم في حلقاتها، وكان الطلبة يُعَدُّون بالآلاف.
هذه كانت شيم العرب وأخلاقهم. احترام المخطوطات، وحبّ المعرفة، والاستزادة من العلم. وبقيت بعض هذه الشيم متواصلة حتى تحت الحكم الاستعماري العثماني، حيث تابع الحكام العثمانيون في جمع المخطوطات والكتب، ومعظمها تمّ جمعه بحدّ السيف. وحافظ العثمانيون على هذه المخطوطات، ووضعوها في مكتبات خاصّة أقاموها في المدن التركية، خاصّة اسطنبول، ويبلغ اليوم تعدادها 250 ألف مخطوطة.
وهكذا نرى أن العرب حافظوا على مخطوطاتهم، وأنشأوا المكتبات العامة والخاصة لصيانتها. ولكن المحتلين الأجانب قاموا بتدميرها في ثلاث مناسبات تاريخية: (1) في عام 1258 احتل همج المغول الدولة العباسية، فدمّروا القصور، والمراصد الفلكية، والمكتبات، والمدارس، والمساجد. وبعد احتلالهم لبيت الحكمة، ألقوا بآلاف الكتب والمخطوطات إلى نهر دجلة، فتحوّلت مياهه إلى اللون الأسود، بعد ذوبان حبر آلاف الصفحات المكتوبة، ثمّ ذبحوا آلاف العرب. (2) خلال الحملات الصليبية (1096-1291) قام همج الصليبيين بتدمير عشرات الألوف من المخطوطات في مجالات العلوم والفلسفة والأدب، والتي كانت في خزائن القدس ودمشق وحلب وطرابلس، ثم ذبحوا آلاف العرب واليهود. (3) بعد سقوط الأندلس، عام 1492، جرى إحراق مليون مخطوطة، عربية وغير عربية، من خزائن قرطبة وغرناطة، أمام الملكين فرديناند الثاني وإيزابيلا، ثم ذبحوا آلاف العرب واليهود. واستطاع عرب إسبانيا تهريب 1900 مخطوطة في سفينة، ولكن الإسبان استطاعوا أسرها، فصادروا المخطوطات، ولسبب ما لم يحرقوها، وهي ما زالت محفوظة في مكتبة الأسكوريال في مدريد. وبعد مصادرتها، أرسل حاكم دولة المرابطين في شمال أفريقيا بالمفكر العربي عبد الرحمن ابن خلدون، وهو أندلسي الأصل، للتفاوض مع الإسبان في أمرين: إطلاق سراح الأسرى العرب، واستعادة المخطوطات. وافق الإسبان على إطلاق سراح الأسرى، لكنهم رفضوا إعادة المخطوطات.

إيديولوجية التوحش لتنظيم "داعش"

وفي تطابق مذهل مع جرائم همج المغول والصليبيين والإسبان، قام فاشيو "داعش" بارتكاب العديد من المجازر، واستهدفوا الأقليات الدينية والإثنية من العرب المسيحيين، والفلسطينيين، والأيزيديين، والشيعة، والسنة، والتركمان، والأكراد، والشبك، والآشوريين، والكلدانيين، والأرمن، والجنود السوريين والعراقيين. وتفننوا بطرق القتل بساديّة لا توصف، من ذبح بالسكاكين، وقطع الرؤوس بالبلطات، وحرق ضحاياهم أحياء، وإغراق آخرين في الماء وهم سجناء داخل الأقفاص الحديدية، ورجم حتى الموت. كما أخذوا النساء من الأقليات "سبايا"، وباعوهم في سوق العبيد، واغتصبوا النساء والأطفال، كما ادعى أحدهم "تقرباً من الله".
بالإضافة لهذه الجرائم البشعة، قام فاشيو "داعش" بهدم المدن الأثرية، وحرق الكتب والمخطوطات، وتخريب المشافي، والمدارس، والجامعات، والمساجد، والكنائس، وأضرحة الأولياء، ومحطّات الطاقة، والمطارات، والمصانع. وحرقوا مخازن القمح، ودمّروا المخابز، ونهبوا المتاحف، وسرقوا الأدوية، والدكاكين، والمتاجر، وخرّبوا السدود، ومحطّات توليد الطاقة، وخطوط الضغط العالي، وآبار النفط، وقطعوا مياه الشرب عن مدن وبلدات وقرى سورية عدّة، وفخخوا السيارات، وأطلقوا القذائف على أحياء المدنيين. وكان الهدف الأكبر وراء هذا الكمّ المذهل من الجرائم والتخريب هو تقويض الدولتين السورية والعراقية، وهدم اقتصادهما، لكي يصبح كلاهما هشاً، وتابعاً كليّاً للاستعمار الأميركي. كما ويهدف الإرهاب إلى زرع الخوف في نفوس الناس. وتهدف هذه الجرائم الى إحداث تطهير عرقي في المجتمعين العراقي والسوري، بهدف تجزأة المجزأ، وتأسيس الدويلات الإثنية والمذهبية الصافية، خدمة للدولة الصهيونية المذهبية، والاثنية الصافية، وللاستعمار الأميركي التوحشي.
وفي تبريرها لهدم الآثار يستخدم فاشيو "داعش" الحجة الواهية، من أن الآثار هي مظاهر "للكفر وعبادة الاصنام". وتعتقد الكاتبة المغربية، نصيرة تختوخ، أن اعتبار الحجر الأثري مجرّد صنم "دليل على ضيق تفكير، وضلال كبير، فالآثار ليست مجرد بنايات بدائية، ولكنها مخزون حكايات الإنسان ليقرأها إنسان آخر بعده بآلاف السنين".
أمام هذه التشكيلة من الجرائم شديدة البشاعة، خرج علينا بعض المثقفين العرب، المأجورين، ليردّدوا مقولة أن هذه "ثورة"، وأن النظام السوري يقذف على "الثورة" براميل المتفجرات. ولكن هؤلاء المأجورين أشبه بالغبي الذي حاول حجب الشمس بالغربال، ففاشيو "داعش" حريصون على توثيق جرائمهم بتصويرها بتقنية هوليودية عالية، ومن ثمّ بثها على صفحات تواصلهم السوداء. كما أنّ أي ثورة حقيقية يجب أن تكون لها فلسفة ثورية توجهها، ورؤية مستقبلية، وبرنامج عمل ثوري، يهدف إلى إحداث التغيير العميق والإيجابي في حياة الجماهير، ويجب أن يقودها عدد من المثقفين الثوريين. أمّا "داعش" فبرنامجها مبنيّ على جماجم العرب، وبعض العجم، ويتلخّص بالتفجير، التدمير، التفخيخ، الذبح، قطع الرؤوس، الاغتصاب، النهب، واللصوصية الخسيسة. أمّا (فلسفة) "داعش" فهي إيديولوجية التوحش والهمجية والتخلف والانحراف النفسي والاجتماعي، و"مرض التدمير، تدمير الفن، والإنسان، والمجتمع". فيما "مثقفو داعش" مجموعة من الساديين، ومرضى النفس، الذين يتلذذون على الذبح، وقطع الرؤوس "ويبتكرون" طرقاً جديدة للقتل والتعذيب والاغتصاب. وهذه ليست بثورة، بل ثورة مضادة، تمّ تدريب مأجوريها المرتزقة على فنون الإرهاب، من قبل خبراء الإرهاب في كل من المخابرات المركزية الأميركية CIA، والموساد الصهيوني، وجاءت لخدمة مصالح الثالوث الأسود: الصهيونية، الرجعية العربية، والاستعمار.
والحقيقة غير المستهجنة، تثبت لنا أنّ تنظيم "داعش" الفاشي، لم يطلق رصاصة واحدة لا على العدو الصهيوني، ولا على المستعمرين الأميركيين، والذين تنتشر قواعدهم في السعودية ودول الخليج العربي. كما أن أكثر من 1500 من عناصر "داعش" الجرحى تمّت معالجتهم في مستشفيات العدو الصهيوني. وأهم ما في الأمر أن بوصلة فاشيي "داعش" لا تشير مطلقاً إلى فلسطين، بل إلى إسرائيل والسعودية وأميركا وحلف الناتو.

نهب وتدمير الآثار

في مطلع العام الحالي، تمكن تنظيم "داعش" من السيطرة على محافظة نينوى العراقية، وبعد أن نهب آلاف القطع الأثرية من 1750 موقعاً أثرياً، قام فاشيوه بتجريف أربع مدن أثرية كبيرة جداً، مثل (النمرود، كاحل، خرسباد، الحضر". وبتاريخ 7 آذار 2015 قامموا بنهب القطع الأثرية، الذهبية والفضية، من مدينة حترا التاريخية، وعمرها 2000 سنة. واستخدموا بعدها الجرافات الثقيلة لإزالة مدينة حترا من الوجود.
ومن أجل تمويل عمليات الذبح والتخريب، وتمويل خلافة "همجستان"، يقوم لصوص "داعش" بالتعاون مع مافيات الآثار بتهريب آلاف القطع الأثرية العراقية، وبيعها، عبر حلفائهم في الأردن وتركيا وإسرائيل، و يموّل التنظيم أعماله الإرهابية من المتاجرة غير القانونية بالتحف الأثرية. وأحد أفراد الأسرة الحاكمة في الكويت قام بشراء ستة آلاف قطعة أثرية عراقية، من لصوص الآثار، ويحتفظ بها في بيته. كما أن رجل أعمال نرويجياً قام بشراء ستة آلاف قطعة أثرية عراقية، ليضعها في متحفه الخاص. وكذلك فعل أحد أفراد الأسرة الحاكمة في دولة الإمارات. وترفض إيران وتركيا والكويت ودولة الإمارات تسليم القطع الأثرية، الموجودة على أراضيها، للحكومة العراقية. سورية هي الدولة الوحيدة التي سلّمت القطع العراقية المسروقة، والتي وجدتها على أراضيها، الى الحكومة العراقية.
يسعى فاشيو "داعش" من خلال استهداف الآثار للقيام "بالتطهير الثقافي" ومحو تاريخ الإنسان العربي، وتفريغ العالم العربي من عمقه التاريخي. ويعتقد الكاتب السوري، نوري الجراح، أن الإرث الثقافي والحضاري العربي راح يتحطّم ويتلاشى، سرقة وتخريباً وتدميراً في العراق وسوريا واليمن. ويضيف: "كان للحكام الطغاة من أدوار ما لأمراء الحرب من أدوار في إبادة الوثيقة التاريخية بعد إبادة أصحابها".


يشترك النظام الوهابي لآل سعود مع فاشيي "داعش" في موقفهم المتصلّب من الآثار

ويشترك النظام الوهابي لآل سعود مع فاشيي "داعش" في موقفهم المتصلّب من الآثار. وهنا يجب أن نستذكر أن الوهابيين قاموا سابقاً بهدم الآثار الإسلامية في مكّة والمدينة والبقيع، وحولوها إلى أتربة بحجّة محاربة البدعة والشرك، وهدموا بيت رسول الله ليحولوه إلى مرافق عامّة، وحرقوا قبر أمه، وهدموا قبور الصحابة، ومساجد الأولياء، وكانوا على وشك هدم الكعبة، لولا تدخل العثمانيين. ومن خلال عدوانهم السافر على الشعب اليمني، يواصل النظام السعودي الاستهداف، المباشر والممنهج والمتعمّد، للآثار في اليمن، والإغارة عليها، وضربها بالصواريخ الأميركية. فسلاح الطيران السعودي أغار ثلاث مرات على سدّ السبئيين التاريخي بمأرب، وقام بقصف جوي لقلعة القشلة الأثرية، وحصن "براش" التاريخي، وحصن عفاش التاريخي، بمديرية سنحان، محافظة صنعاء، ومنازل مدينة صنعاء القديمة، ودار الحجر الشهير في همدان بصنعاء، و"جرف أسعد الكامل" الأثري الشهير في إب، ومتحف ذمار الإقليمي، وقلعة القاهرة في تعز، وقلعة باجل التاريخية، ومدينة براقش في الجوف، وبموجب إحصاءات رئيس الهيئة العامة لحماية للآثار والمتاحف في اليمن، مهند أحمد السياني، فإن عدد المواقع والمعالم الأثرية التي دمّرت في اليمن، خلال الصراع المسلح الدائر حالياً، بلغت 26 معلماً حضارياً تاريخياً. ونستطيع هنا تأكيد انتهاج سياسة سعودية، منهجية ومتعمّدة، لتدمير الآثار اليمنية العريقة. وتتقاطع هذه السياسة مع سياسة مماثلة لحلفاء السعودية، ومرتزقتها، في تنظيم "داعش" الذي يمارس تدميراً ونهباً وتخريباً للآثار العراقية والسورية. وهنا يجب طرح بعض الأسئلة: ما هذا الحقد المرضي، الأسود، ضد الحضارة العربية العريقة، المنتشرة في اليمن والعراق وسوريا، وضدّ الآثار العربية العريقة؟ أليس هذا حقداً فاشياً على العروبة، والهوية العربية، والقومية العربية، والانتماء العربي، من قبل قبائل بدوية لا تنتمي للعروبة، وترفض الخروج من مغارة الجهل، لأن أنوار الحضارة تزعجها وتفقدها صوابها؟ أليست قبيلة آل سعود الوهابية هي المنبع الحقيقي للفكر الفاشي لـ"داعش" ومشتقاتها، من همج ومتخلفين ومرضى نفس ومنحرفين؟
ومن أجل فهم الدوافع الحقيقية وراء التدمير المنهجي للآثار، من قبل عملاء الاستعمار، داعش والسعودية، علينا أن نضع هذه المشكلة في سياقها الصحيح، أي الاستعماري. إن الخطة الاستعمارية التي يمكن أن نرى ملامحها تتشكّل أمامنا، في السنوات الأربع الماضية، هي شرذمة، وتقسيم المنطقة، من خلال استخدام أدوات فاعلة على الأرض. فيسعى التطهير العرقي لإخراج الأقليات الدينية والإثنية خارج المجتمع العربي، من أجل خلق الكيانات المذهبية الصافية (شيعية، سنية، وكردية). ومن أجل نجاح عملية الشرذمة وترسيخ الطائفية، فإن القواسم الوطنية المشتركة الموجودة يجب تحطيمها. العروبة، والهوية العربية، والتاريخ العربي المشترك، يجب تكسيرها والقضاء عليها، لأنها تشكل الإسمنت الاجتماعي الذي يجمع تحت مظلته مكوّنات أي شعب عربي. وهنا تشكل الآثار إحدى القواسم المشتركة لجميع العرب، فهي موروثنا الحضاري، وجزء من هوية الشعب العربي، وجزء من تاريخ الشعب العربي، وجزء من الضمير الجماعي للشعب العربي. ولذلك يجب القضاء على الآثار، بجرفها وتدميرها وسرقتها، ويعتقد المستعمرون أنهم بهذا يقضون على الهوية الوطنية العربية، والانتماء الوطني العربي.
أما الإرهاب، فله دور في السياسة الاستعمارية للمنطقة العربية. ويعتقد الكاتب المتخصّص في قضايا الإرهاب، جورج لوبيز، أن "الإرهاب هو شكل من العنف السياسي... والارهاب هو ليس عنفاً من دون تفكير. إنه يعكس استراتيجية ذات تفاصيل تستخدم العنف الشديد لكي تسبّب للناس شعوراً بأنهم ضعفاء، ويمكن إيذاؤهم مرّات عديدة... ويسعى الإرهابيون، وعلى المدى البعيد، أن يوظفوا هذا الخوف لخدمة أهداف سياسية حقيقية".

* كاتب عربي ــ فلسطين