قلة هي تصريحات المسؤولين الأميركيين التي تستبعد العمل العسكري ضدّ إيران، فقد اعتدنا على سماع المعزوفة الأميركية: «إن على طهران التعاون مع المجتمع الدولي في الملف النووي، وإلا فالخيار العسكري لا يزال مطروحاً على الطاولة»، وذلك قبل وبعد الاتفاق النووي، حيث أكد الجنرال حسين نقدي، القائد العام لقوات التعبئة «البسيج»، أن تهديدات أميركا لإيران بعد الاتفاق النووي تزايدت.


الرئيس الأميركي، باراك أوباما، في إحدى هذه التصريحات النادرة، وبعد فشل الجمهوريين في تعطيل الاتفاق النووي، في الكونغرس، حيث اعتبره نصراً للدبلوماسية، أعلن أنه من الضروري ايجاد حلول للمشاكل مع إيران، من دون استخدام القوة العسكرية. تصريحات أوباما تبدو كأنها جاءت متناغمة، ومتأثرة باللغة التصعيدية اللافتة لمرشد الثورة، السيد علي الخامنئي، خلال الأيام القليلة الماضية. حيث أكّد أن بلاده لن تتفاوض مع أميركا حول أي قضية أخرى بعد الاتفاق النووي، وأنّ التفاوض مع الأميركيين كان استثنائياً، ولأسباب معينة، ودعا المسوؤلين الإيرانيين إلى الردّ بقوّة على تصريحات الأميركيين، التي تهدّد إيران، وتتوعّدها بالخيار العسكري، رغم الاتفاق النووي. الخامنئي كان حسم، قبل أيّام أيضاً، الخلاف بين الحكومة، ومجلس الشورى، فاعتبر مراجعة المجلس للاتفاق، والمصادقة عليه، ضرورة ملحّة في خطوة اعتبرت بمثابة ردّ على عرقلة الكونغرس، وأعضائه الجمهوريين، للاتفاق.
يتساءل البعض لماذا يصعّد المرشد الخامنئي ضدّ واشنطن، رغم الأجواء التفاؤلية التي أشيعت في طهران، وواشنطن، وعواصم المنطقة، والعالم، باستثناء تل أبيب، والرياض؟ فهل يرفض الاتفاق النووي؟ أم يرفض الحوار مع أميركا؟ أم أن هناك أسباباً موجبة تدفعه لهذا الموقف المتشدد؟ وهل ثمّة خلاف بين السيد الخامنئي، والرئيس الشيخ حسن روحاني، بعد إعلان الأخير أن إيران مستعدّة للجلوس إلى طاولة الحوار مع أي دولة في العالم، لإيجاد حلول للقضية السورية.


الحوار مع أميركا حول
أي قضية أخرى بعد الاتفاق النووي أمر مرفوض

المتتبّع الدقيق للشأن الإيراني يدرك تماماً أنّ السيد الخامنئي، أعلى هرم في السلطة السياسية والدينية في إيران، قادر على إنهاء الاتفاق النووي بإشارة واحدة، ولولا موافقته، ودعمه للمفاوض الإيراني، لما حصل الاتفاق، وبالتالي لن يجرؤ أحد على الوقوف بوجه مثل هذا القرار، إنّما هدف الخامنئي من هذا الموقف المتشدّد من أميركا أمور عديدة نذكر أهمها:
1- إنّ الفرحة العارمة لدى الإيرانيين، والتفاؤل المفرط المثير للجدل لدى التيّار الإصلاحي، وبدء محاولات تجييره داخلياً في السياسة، والانتخابات التشريعية المقبلة، ومحاولة البعض تلميع صورة «الشيطان الأكبر»، وإظهاره على أنه الحمل الوديع، دفع السيد الخامنئي إلى تصحيح البوصلة، وفرملة هذه الاندفاعة نحو الرغبة للحوار مع واشنطن، كيلا يذهب أحد ما بتفاؤله بعيداً، وينسج أحلامه الورديّة في الخيال، حيث ذكّر الخامنئي بالتاريخ الأسود لأميركا مع إيران وسياساتها، بدءاً من إسقاطها حكومة مصدق، إلى دعمها ومساندتها الشاه محمد رضا بهلوي، وصولاً إلى التهديدات والمؤمرات التي يحيكها الآن الكونغرس الأميركي، رغم الاتفاق النووي. وذكر الخامنئي «بأنّ إطلاق الإمام الخميني الراحل اسم الشيطان الأكبر على أميركا خطوة مليئة بالمعاني، فإبليس يضلّ ويغوي، أمّا أميركا فتضلّ وتغوي وتقتل وتنافق وترتكب المجازر وتفرض العقوبات، لهذا فإن العداء مع الشيطان الأكبر لن ينتهي».
2- لا يمكن للسيد الخامنئي أن يتجاهل مواقف وتصريحات المسوؤلين الأميركيين التي تتوعّد إيران، وتستخدم أقسى العبارات بحقّها، واعتبارها لمجرد الاستهلاك الداخلي، أو في سياق الصراع على السلطة بين الجمهوريين والديموقراطيين، تحضيراً لخوض الانتخابات الرئاسية الأميركية. فكان لا بد من توجيه المسوؤلين للردّ على هذه التهديدات، وما وصفه بـ»قلّة الأدب الأميركية».
3- يشكّك مرشد الثورة بنوايا الأميركيين الالتزام ببنود الاتفاق النووي كاملة، وهو الذي عايش سنوات من تجارب عدم الثقة مع أميركا، وثمّة شعور لديه ينبع من معرفة وعلم، بحسب التجارب، أنّ الأميركيين يريدون تفريغ الاتفاق من محتواه، وإعطاء تفاسير أخرى لبنوده، لهذا أكّد الخامنئي الثوابت التالية:
1- أنّ إيران دخلت المفاوضات مع الغرب بهدف رفع العقوبات المفروضة كاملة، فهي لن تقبل بتجميدها، وعلى المسؤولين الإيرانيين في إدارة البرنامج النووي أن يكونوا على استعداد وجاهزية، للعودة إلى العمل بقوة، وبوتيرة متسارعة في حال لم ترفع العقوبات بالتزامن مع التوقيع، وأن تكون جزءاً من الاتفاق، وليست نتيجة له.
2- إنّ المسّ بصناعاتنا الصاروخية البالستية أمر غير مسموح، وستواصل طهران مساعيها لتطوير صواريخها الدفاعية، لا سيّما أنها تتعرّض لتهديدات يوميّة، في حين أنها لم تهدّد يوماً أي دولة باستخدام القوة العسكرية، ما يعطي بالغ الأهمية لهذه الصواريخ، التي قد تتساقط على عواصم التهديد الإسرائيلية والأميركية والسعودية يوماً ما، إذا ما اقتضت الضرورة.
3- إنّ الجمهورية الإسلامية لن تقدّم أي تنازل بشأن حلفائها في المنطقة، فهي لم تتخلّ عنهم أثناء الحصار والعقوبات، وفي أحلك الظروف، فهل يعقل أن تدير ظهرها لهم بعد رفع العقوبات، ودخولها نادي الدول النووية، وتتويج دورها كدولة كبرى في المنطقة؟! من هنا أكّد السيد الخامنئي: «أن إيران ستدافع عن حلفائها، وأنّ الاتفاق النووي ليس لديه أي تأثير على سياسات المنطقة، أو على علاقات إيران وأميركا»، وذلك انطلاقاً من استراتيجية تستند إلى أنّ أمن المنطقة من أمن إيران، وهو جزء من الأمن القومي الإيراني.
4- «إنّ الحوار مع أميركا حول أي قضية أخرى بعد الاتفاق النووي أمر مرفوض»، على المستوى المنظور على أقل تقدير، وهنا أراد الخامنئي رفع السقف أمام الأميركيين، الذين يهرولون للحوار مع طهران حول قضايا اليمن وسوريا وغيرها، ظناً منهم بأن إيران مستعدّة الآن، أكثر من أي وقت مضى، لتقديم التنازلات على حساب حلفائها في المنطقة، وأنه يمكن ابتزازها. تصريح السيد الخامنئي، بشأن رفض الحوار مع واشنطن، ليس فتوى دينية كي تكون نهائية، فإيران حاورت الأميركيين بشأن أفغانستان والعراق والقضية النووية، إذاً هي إرشادات وتوجيهات سياسية، تقول مصادر مطّلعة، تحمل في طيّاتها رسائل للأميركيين، مفادها أنكم «أنتم بحاجة للحوار معنا، أمّا نحن فلا نستعجل الحوار الثنائي معكم» وهو أمر غير محتمل، على الأقل في المستوى المنظور. الأمر الذي التقطه الرئيس حسن روحاني، فقال: «إننا مستعدون للجلوس على طاولة حوار مع أي دولة في العالم بشأن سوريا» ما يعني أنها طاولة حوار تضم أطرافاً ودولاً متعدّدة، وليس الأميركيين وحدهم.
5- إن تهديدات رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، المتواصلة، بشنّ ضربات جويّة ضدّ منشآت إيران النووية، لا يمكن أن يتجاهلها الإيرانيون، مع علمهم بأن إسرائيل عاجزة عن تنفيذها من دون مساعدة، وضوء أخضر من واشنطن، وأنّ محاولات طمأنة الإسرائيليين بأن الاتفاق النووي لن ينشغل بعده الصهاينة بشيء اسمه إيران لمدّة 25 سنة، لم يترك من دون ردّ من السيد الخامنئي، فخاطب الصهاينة بالقول: «سوف لن تشهدوا الخمسة وعشرين سنة المقبلة، لأنه لن يكون هناك شيء اسمه الكيان الصهيوني بعد 25 سنة بإذن الله».
6- تسعى إيران لإنشاء تحالف دولي مع روسيا والعراق وسوريا، وبعض دول المغرب العربي، لمحاربة الإرهاب، فهي لن تقف مكتوفة الأيدي، ويقف على مقربة من حدودها مئة ألف عنصر من «داعش» يهددون وجودها. فهي إذا لم تسارع لمحاربتهم، في سوريا والعراق، ستكون مضطرة لاحقاً لمواجهتهم داخل أسوارها، في المدن الإيرانية، وعلى حدودها.
وعليه فإن إيران ستلتزم بالاتفاق النووي، وتطبيق بنوده كافة. يقول الدكتور علي أكبر ولايتي، مستشار مرشد الثورة الإسلامية، شرط أن يلتزم الغرب بالاتفاق، وتحديداً رفع العقوبات كاملة، وأنّ أيّ حوارات ثنائية مع واشنطن، في المستقبل المنظور، مستبعدة، فلا يزال محور إيران ـ روسيا، وحلفاؤه، يخوض النزال مع أميركا وحلفائها في المنطقة، بانتظار أن ينجلي غبار المعركة، ويحسم الميدان نتائجها في سوريا والعراق واليمن وغيرها.
* كاتب لبناني