لا تزال الوهابية المؤسسة للمملكة السعودية تؤمن إيماناً راسخاً بأنّ الشمس تدور حول الأرض وأنّ الأرض مسطّحة، رغم أنّ الأرض دارت ملايين الدورات وتغيّر وجه العالم آلاف المرات لكنّ الجمع الغافي في شعاب مكّة ما زال على عادته يستدعي صناديد قريش ويُنظّر لبول البعير الذي هو شفاء من كلّ داء. آخر ما أنتجه العقل البائس في مملكة الرمال هو الدعوة لحلف إسلامي عريض لمكافحة الإرهاب قاعدته وعاصمته وقائدته الرياض. أن تكون الرياض عاصمة حلف مكافح للإرهاب الأصولي فهذه هي إحدى أكبر مهازل التاريخ. فالعائلة العريقة بانتمائها للوهابية المستحدثة القائمة على استدعاء الصفحات السوداء من تاريخ الإسلام لا تبدو في عالم اليوم إلّا كناشر لجراثيم الكوليرا والطاعون على امتداد مساحات الوباء من جاكرتا الأندونيسية حتى مراكش المغربية، وهي تتوسع لتطال أوروبا الغربية والأميركيتين وأستراليا عبر تحويل عائدات النفط المنهوب من جياع العرب إلى مصاريف للدعوة والدعاة الذين يدعون في جملة ما يدعون إلى تسفيه الآخر وسحقه وسلب إنسانيته ثمّ قتله. وهم ما فتئوا يستعيدون من تراث شديد الغنى بالموبقات مفردات ممهّدة للجريمة "لحيونة" الكائن البشري المختلف، ووصمه حرفياً بالكلب والقرد والخنزير. وهي مفردات تدخل في إطار برامج الدعوة وأركان أصول الفقه المكتوب والذي تشرف عليه مؤسسات المملكة. هذه المملكة التي يباركها الغرب في تحالفها الإسلامي ما زالت وحدها في هذا العالم تؤمّن الغطاء الشرعي والديني لممارسات سبيّ نساء الكفّار وسرقة أموالهم وأملاكهم باعتبارها غنائم حرب عبر استعادة نصوص مقدّسة وأحاديث مُسندة وقراءة حرفية لماض بائس من تاريخ الإنسانية. وهذا بحدّ ذاته دليل على عدم جديّة الغرب في حربه المزعومة على ما يُسمى بالداعشية، وهي ليست سوى مدرسة تطبيقية لنظريّات آل سعود المتربعين على محميّات النفط برعاية غربية.

الغاية من إنشاء التحالف
هي إعادة خلق جديد للمنطقة على أسس مذهبية

تبدو الغاية من إنشاء التحالف والرعاية الدولية المقدّمة له والمباركة الإسرائيلية لتأسيسه على لسان التلمودي نتنياهو، هي إعادة خلق جديد للمنطقة على أسس مذهبية صرفة. وليست سوريا والعراق وحدهما من سيكونان في عين العاصفة بل إنّ المملكة الوهابية ذاتها قد تكون إحدى ضحايا المشروع، وما الحرب المزعومة على داعش سوى تمهيد دوليّ لاستخدام العنصر العربي والإسلامي في رسم الخرائط الجديدة وصياغة الكيانات البديلة وهي عملية ستستلزم تغييرات ديمغرافية مؤلمة ومجازر أشدّ قسوة من تلك الداعشية وتحت الشعار الإسلامي ذاته المستخدم من الدواعش. وأولى تجليات هذا المشروع ستكون في نهاية استقلالية العنصر العربي أو طموحه بهوية قومية وإلحاقه بالمعسكرات الإقليمية على أساس التبعية المذهبية، وهو ما بدا واضحاً من خلال رأس الحربة التركية والتي باجتياحها لنواحي الموصل تكون قد بادرت إلى إطلاق الطلقة الأولى لإعلان بداية شوط جديد يرث النصرة وداعش ويعطي مشروعية قانونية ودينية لموجة التذابح الآتي. في المقابل لا يبدو أنّ في حوزة معسكر الممانعة، وعلى رأسه إيران، خطاباً إسلامياً شاملاً وجديّاً قد يصلح لتكوين معسكر إسلامي مكتمل في مواجهة الوهابية. فإذا استثنينا خطاب "الصحوة والوحدة" الإيراني الذي أثبت فشله في كبح الجموح المذهبي، فإنّ الملامح العملانية لمعسكر الممانعة يغلب عليها الطابع الشيعي المذهبي سواء في العراق وسوريا أو في اليمن ولبنان، وهي حقيقة ستزيد من تأجيج بؤر الاشتعال التي وصلت نيرانها إلى نيجيريا. وهذا ما يعيدنا مرة أخرى إلى المربع الأول حول جدوى الطروحات الإسلامية من أساسها وصلاحيتها لنهضة الشعوب. فلا يمكن الاستمرار في طرح إسلام مبهم ذات تفسيرات متناقضة كحل لقضايا الشعوب الإسلامية، إذ يجب تعيين ما هو الإسلام قبل طرحه. وهو ما لن يحصل بالمطلق لأن تجارب القرون الماضية أثبتت بما لا يقبل الشك أنّ الصراعات المذهبية هي كلّ ما تبقى من الإسلام وهذه الصراعات بالذات كانت هي وقود حركة التاريخ العربي والإسلامي وحتى في علاقته بالآخر المختلف. هذا المختلف الذي يملأ سماءنا بالطائرات ويمطر بلادنا بالسلاح الفتّاك، ويصادر أموالنا ويعيدها إلينا دمارا ودماء ثمّ يعيد تشكيلنا كعجينة طيّعة بينما نحن نستجدي السماء... وهي سماء لا تملك أنّ تغيّر واقع البشر إلّا إذا بادروا هم إلى تغيير واقعهم.
* كاتب لبناني