أن تقف لترثي مزبلة أمر غير معتاد، لكن في هذا المكان الموبوء من الأرض وعلى هذا الكوكب المتوحش الساقط بين براثن إله إسرائيل المتجدّد ــ المال بمفهوم كارل ماركس في حلّ المسألة اليهودية ــ لا شيء يشير إلى الغرابة.


فالحالة البهيمية المستشرية، وقد أوجدتها النيوليبرالية في نسختها التاتشرية، قد أوجدت من يعتلي أكوام أكياس النايلون الأسود في وطن صيّره مزبلة ليقصّ علينا اندثار أنطونيو غرامشي وأرنست بلوخ ووالتر بنجامين وجان بول سارتر وفرديريك جيمسون، وليضيف كلّ نظرياتهم في تحليل الأشكال الثقافية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية القديمة والراهنة في إطار علاقتها بالإنتاج، إلى بقايا النفايات الصلبة والسائلة التي تضجّ بها مزبلته. إنّه نقولا شمّاس وهو يتحدث بثقة عن بقايا الشيوعية التي تهدّد بتصحّر «سوليدير»، مؤسسة الأملاك المنهوبة والمال المغتصب في أكبر عملية نصب واحتيال لرأسمال متوّحش جعل من المواطنين أشياء ومن الوطن مزبلة كبيرة على شاطئ المتوسط.


يتحدث شمّاس بثقة عن بقايا شيوعية التجأت إلى عاصمته الليبرالية

يتحدث نقولا شمّاس بثقة عن بقايا شيوعية التجأت إلى عاصمته الليبرالية التي بناها على أكتافه من دون أن يشرح لنا ما تعنيه الليبرالية في تناطح الزرائب المذهبية وفي انهيار القيم الإنسانية وفي العتمة والبرد والجوع والعطش والضياع، وهل هذه هي فعلاً الليبرالية؟ وإذا كانت هي الليبرالية، فماذا يمكن أن يكون النظام الاجتماعي الاقتصادي الذي يحكم سويسرا والسويد والنرويج؟ ألم يكن حريّ بالمفكّر الكبير وهو يقف على رأس المزبلة أن يشرح لنا بإسهاب عن طرق تحويل وطن بأكمله إلى كومة نفايات ورمي شعب بكليته في آتون الفقر والبطالة والمديونية وفضائل 800 ألف من القروض الخاضعة لشروط النهب المقونن، وأن يستكمل براعته في إثبات جدوى فشل نظامه الاقتصادي العملاق في الصحة والتعليم وفشله في الكهرباء ومكافحة التلوّث والانحطاط البيئي والأخلاقي؟ هل يفهم نقولا شمّاس فعلاً ما تعنيه الليبرالية حتى يتبرّع بمهاجمة بقايا الشيوعية؟
لقد حوّلنا ما يسميه نظاماً ليبرالياً إلى أشياء. أصبحنا جماجم حائرة وأجساداً تجرجر ذاتها في زحمة الطرقات وعتمة الأدراج، نتنشق الدخان والغبار ونشرب مجاري الصرف الصحي، وجزء كبير من شعبنا يأوي إلى فرش إسفنجية في زوايا غرف رطبة معتمة، بينما نمَت كالفطر طبقة مترفة، مترفة جداً، تعيش على الفساد والتجهيل وتجييش القطعان وتقتاتها، في نزاعات لا تمت بصلة إلى مصالح البؤساء. كم نحن نشبه لندن القرن الثامن عشر في المخطوطات الماركسية وفي توصيف كارل ماركس ذاته لأحيائها. ولأنّ الفقر لا يصنع ثورة، ولأنّ وعي الفقير هو من يصنع الثورة، ولأنّ الثورة تطيح كل مقدّس وتدنّسه، ولأنها تصهر كل صلب وتحيله غباراً، فإنّ نقولا شمّاس ليس خائفاً من بقايا الشيوعية بل من وعي الفقير لذاته ومن حركة التاريخ بالذات. وهي حركة حتمية مرتبطة بالتحوّل الذي أنتجه هو بالذات وأنتج معه هذا الشكل من البنى المشوّهة غير القابلة للحياة. فالماركسية التي منها يخاف ويدعو إلى تجنبها ليست إلاّ نهاية التاريخ، وما يجري في أوروبا الليبرالية من جنوح نحو راديكالية اليسار دفعت فوكوياما ذاته إلى مراجعة نظرياته حول نهاية التاريخ كما كان يراه.
ما يشهده وسط بيروت ليس إلّا إرهاصات للفعل القادم، للدينامية الدياليكتيكية التي ستحطّم كلّ قديم مهما كان «جديداً»، لتعاود بثّ الحياة في المدينة الباهتة وفي الإسمنت المتحجّر الميت. إنّه انتقال لبثّ الروح في مدينة صارت أسهماً في بورصة وانتهى فيها الإنسان. «فبغير حب لا يكون العالم هو العالم ولا تكون روما هي روما»، ولئن كان الألماني غوته قد أورد ذلك في شاعرية خالدة، فإنّ إنغلز قد أبدع في وصف روحانية العلاقة بين الإنسان ونظيره الإنسان، وهو شيء لا يعرفه من لا يعرف من صيرورة المجتمعات إلاّ الأرقام. شتّان ما بين الحلم والمزبلة، وليبكِ النواحون على أسوار مزابلهم.
* كاتب لبناني