strong>محمد بنعزيز*

ستحتفل البوليساريو بذكرى إنشائها في 10 أيّار/ مايو، وقد احتفلت بذكرى تأسيسها للجمهورية الصحراوية على الورق في 27 شباط/ فبراير الماضي... وتزامن احتفال 2010 مع انتهاء الجولة الجديدة من المفاوضات بين المغرب والبوليساريو في نيويورك.
ما رقم الذكرى؟ ما رقم الجولة؟ لا يهم، ستكون هناك ذكرى وجولة أخرى، ستسبقها توقعات عالية وستليها تهم مسجلة متبادلة عن الشرير الذي أفسد الفرصة... ثم سيجتمع مجلس الأمن في النهاية ليمدد مهمات قوات حفظ السلام في الصحراء. وبعد تعب واسترخاء ستظهر الآمال في جولة أخرى. سيعود المبعوث الأممي الأميركي ــــ صار لكل بلد عربي مبعوث؟ ــــ لجس النبض والاستماع للأطراف و... ثم ستنكشف الآمال سراباً لأن علاقة المغرب والجزائر معوقة ومقعدة. وسيعلن المبعوث كريستوفر روس بجمل غامضة أنه لم يتمكن لأن... وسيفسر كل طرف الأقوال بأنها تحميل مسؤولية للطرف الآخر. في هذه الأثناء يستمر الوضع الإنساني مأزوماً. هذه السطور محاولة لتجاوز الخطاب السياسي المباشر إلى توصيف الجرح النفسي الإنساني في أقوى تجلياته. وقد تحدثت إلى صحراويين عديدين، وسجّلت شهادة اثنين عاشا تجربة الاعتقال والاغتراب.
في 1983، غادر الناجم لحبيب مدينة طانطان إلى تندوف، كانت سنّه 20 سنة، وطيلة أربع سنوات لم يعرف أحد مصيره. ظنه والده مات. ذهب ليساند الثورة التي تقودها جبهة البوليساريو. لم يقرأ عن الثورة، لم يكن يسارياً، لكنه كان يستمع سراً لإذاعة الجبهة وهي تحرّض الشباب الصحراوي على دعم الحق والعدل وإقامة جمهورية ديموقراطية في الصحراء.
رحل الشاب إلى تندوف والحرب مشتعلة، وكان والده جندياً في الجيش المغربي. قطع هو خط النار ليقف في الجهة المقابلة.
سألته: ولدت في مدينة طانطان التي لا تدخل ضمن منطقة النزاع وتبعد عن العيون عاصمة الصحراء 350 كلم. لماذا ذهبت؟
قال: للدفاع عن الثورة، ذهبت لأقاتل، لدي قناعة شديدة في جو مشحون...
في 1987، اكتشف وقوع اختطافات في مخيمات تندوف، فشارك في الاحتجاجات. اعتقل ولم يطلق سراحه إلا في 1991. عندما خرج من السجن. كانت قناعاته قد تزعزعت، لا يرى عدلاً ولا حقاً... عاش الشاب في تندوف، تزوّج هناك وأنجب واشتغل... في 1998 عاد إلى المغرب، وترك زوجته وأبناءه هناك.
سألته: لماذا رجعت؟
قال: الثورة كانت عنواناً مسمّماً لاستقطاب الشباب، لكن الواقع المعيش مختلف عن الخطاب الإعلامي المستخدم والمبادئ المرفوعة شعاراً... الواقع هو أن في تندوف تصفيةً وسجوناً... هذا ما رأيته... كنا بضاعة صالحة للتحريض في لحظة تاريخية استغلها الجيران...
ألم يكن العداء الشخصي للملك الحسن الثاني سبباً في التحاقك بالعدو؟
أجاب: البيئة جرفتني.
ماذا ربحت من الرحلة؟ أجاب: ربحت؟ أنا أعيش في المغرب وابني قاصر مجند في جيش البوليساريو... الحفيد يحمل السلاح ضد جده ووالده.
عاش الرجل محنة قصدها بإرادته، لكن هناك الذين عاشوا محنة في المغرب، وهذا وجه آخر للشهادة الثانية:
كانت السيدة أم الخير تعيش في طانطان، وهي متزوجة وأنجت طفلة منذ أقل من أربعين يوماً. كان عمرها 25 سنة، في عز الشباب والجمال، تحرّش بها شيخ قبيلتها فصدّته، وشى بها إلى الوالي متهماً إياها بالتعاطف مع البوليساريو. اعتقلت في 1986، وقضت خمس سنوات في سجن قلعة مكونة الجبلي في الإقليم نفسه الذي استضاف معتقل تازمامارت الشهير... خرجت من السجن في 1991، عام وقف إطلاق النار في الصحراء... فوجدت زوجها قد تزوج من أخرى، وزعم الشيخ الواشي اللئيم أن إخوتها يهددونه. أحضرها الوالي «صالح زمراك» ولطمها حتى رأت البرق وهددها... كانت شجاعة، لم تهرب إلى تندوف، تزوجت ثانية وأنجبت أطفالاً...
في 1996، التقت أخاها الأكبر، الموالي للبوليساريو، لمرة واحدة في حياتها. كان الأخ ضمن الشيوخ المكلفين بتحديد هوية من سيشارك في الاستفتاء لتقرير المصير في الصحراء... عانقته وانخرطا في البكاء، اغرورقت عيناها بالدموع... وكررت: ثلاث ساعات نار وبكاء... وقد التحق الأخ بالبوليساريو وأم الخير طفلة، والتقاها ولها ستة أبناء...
سألتها عما آلمها في كل هذا، فقالت أولاً إن أخاها رفض تسجيل بناتها ليشاركن في الاستفتاء الذي كانت الأمم المتحدة تنظمه في الصحراء. السبب الثاني أن الشيخ الذي تحرّش ثم وشى بها صحراوي مثلها، وقد سبّب لها ترك زوجها وأطفالها... صمتت للحظة ثم أضافت: لو عرفت أن كل هذا سيجري لاستجبت لتحرش الشيخ الواشي...
هذه عيّنة من المآسي الإنسانية لقضية الصحراء. جل الأسر ممزقة أو فقدت فرداً في الحرب التي استمرت من 1975 حتى 1991...
بعد 35 سنة على اندلاع الحرب، لا يبدو أنّ المسألة ستنتهي. لقد اقترح المغرب منح الأقاليم الصحراوية حكماً ذاتياً موسّعاً، حكماً يطبَّق بعد استفتاء، إضافة إلى أن الوزير الأول في منطقة الحكم الذاتي سيكون مندوب الدولة في المنطقة وسيكون مسؤولاً أمام البرلمان المنتخب لا أمام الملك...
لكن بدل أن يتجه المشكل نحو الحل، يتجه نحو التصعيد. يجري سباق تسلح رهيب بين المغرب والجزائر. يقود مساندو الانفصال حملة شرسة ضد سلطة الدولة. يحرّضون ضد من يساندون الوحدة الترابية للمغرب. في الجامعة، يمثل الطلبة الانفصاليون أقلية عددية، ولكن صوتهم مسموع... الطلبة الوحدويون يشعرون بالخوف... هناك أجواء ترهيب وخطر دم في الأفق...
رغم أن العالم تغير، فإن الاندفاع العاطفي للطلبة يمهد لكوارث جديدة. سألت الناجم لحبيب: كيف تشرح لشاب في العشرين سبب تغير قناعاتك؟
لا أحتاج أن أشرح لشبان اليوم، شاب اليوم لا يبحث عن الثورة، لديه جواز سفر، يمكنه زيارة تندوف ليعرف، ولن يملي عليه أحد شيئاً. شاب اليوم يبحث عن الاستقرار.


يجري سباق تسلح رهيب بين المغرب والجزائر، ويقود مساندو الانفصال حملة شرسة ضد سلطة الدولة

ينطبق هذا على الطالب عندما يتخرج ويحصل على عمل ويتزوج، لكن في الجامعة يكون حالماً ومنفصلاً عن الواقع.
للإشارة، فقد بدأ مشكل الصحراء طلابياً، وقد ذكر محمد اليازغي، الزعيم السابق لحزب الاتحاد الاشتراكي ووزير الدولة حالياً، أن طلبة صحراويين اجتمعوا في بيته عام 1972 وتحدثوا عن تحرير الصحراء من الاستعمار الإسباني... ولكن بعد التعامل العنيف للجنرال أوفقير مع الطلبة في طانطان، بدأت الأفكار تضطرب، فالتقطها الجيران... وأسّس جل أولئك الطلبة جبهة البوليساريو الانفصالية في 10 أيار/ مايو 1973...
كان ذلك رد فعل انتقامياً ضد قمع الجنرال، ولكنه رد فعل سبّب محناً كبيرة. رد فعل قسّم الكبد الصحراوي نصفين. حتى أن زعيم البوليساريو عبد العزيز المراكشي يطالب بانفصال الصحراء عن المغرب، بينما والده، وهو ما زال حياً، الشيخ خليلي الركيبي، يدافع عن مغربية الصحراء وهو عضو في المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية.
هل سيصبح الكبد الصحراوي قطعة واحدة؟
لا يبدو ذلك في الأفق، فقد أعلن رئيس مجلس الأمن في 16/4/2010 دعم المجلس لجهود المبعوث الأممي روس، بينما أوصى الأمين العام بان كي مون بتمديد مهمات بعثة حفظ السلام في الصحراء إلى نهاية نيسان/ أبريل 2011.
* صحافي مغربي