عندما نشبت الأزمة القبرصية في تموز 1974 وجرى تقسيم أمر واقع لقبرص بين قبرص اليونانية وقبرص شمالية تركية، قال العميد ريمون إده: «هناك اتجاه لقبرصة لبنان والمنطقة».

بعد تسعة أشهر، حين نشبت الحرب الأهلية اللبنانية واستمرت خمسة عشر عاماً لم تتحقق نبوءة العميد إده في تقسيم لبنان. كما أنه لما انفجر العراق (منذ الاحتلال الأميركي عام 2003) وسوريا (منذ 2011) وليبيا (منذ 2011) واليمن (منذ 2014)، اصطدم من أرادوا التقسيم وهم: مسعود برزاني في شمال العراق ودعاة التقسيم في إقليم برقة شرق ليبيا والحراك الجنوبي اليمني، بحائط صدّ محلي – اقليمي – دولي منعهم من تحقيق ما أرادوه.

إذا رجعنا الى الوراء، نرى أن تقسيم المنطقة عبر اتفاقية سايكس – بيكو (1916) جرى عبر إرادة دولية للمنتصرين في الحرب العالمية الأولى (1914-1918). وقد كان التقسيم لجسد الدولة العثمانية المهزومة في تلك الحرب وليس بإرادة محلية في تقسيم تركة الاتحاد السوفياتي (1991). أتى هذا بعد انهيار ذاتي لبنيان بلشفي عمره ثلاثة أرباع قرن، ما جعل الإرادات المحلية هي المقررة ما دام لاصق الكرملين قد فقد قوته وما دامت الإرادات الخارجية، الأميركية والأوروبية، رأت مصلحة في ذلك بعد أن تفاجأت بانهيار بنيان خصم الحرب الباردة بعد أربع سنوات من هزيمته العالمية في تلك الحرب منذ قمة واشنطن بالشهر الأخير من عام 1987، لما تخلى غورباتشوف عن المطلب السوفياتي بربط تفكيك الصواريخ السوفياتية (س - س) الموجهة للعواصم الغربية بتفكيك البرنامج الأميركي لـ«حرب النجوم» ومن ثم خسارة نفوذه الاقليمي المتمثل في دول حلف وارسو بخريف 1989.
قادت الهزيمة العالمية لأحد قطبي الحرب الباردة إلى انهيار بنيته الإقليمية بعد سنتين، ثم قاد الاثنان إلى تفكك بنائه الداخلي وتقسيمه أيضاً بعد سنتين. أدى هذا إلى رجحان قوة العامل المحلي في مكونات الاتحاد السوفياتي بجمهورياته الخمس عشرة باتجاهها نحو التقسيم وترجيحها هذا على الوحدة. وعندما أراد الشيشان الانفصال عن روسيا اصطدموا بتعافي قوة موسكو في عام 1999. في يوغسلافيا عام 1991، كان انهيار المركز في بلغراد مدخلاً إلى تفكك الاتحاد اليوغسلافي إلى جمهورياته الست التي أصبحت دولاً مستقلة جديدة. كما أن هزيمة صربيا في حرب كوسوفو عام 1999 أمام التحالف الدولي، قادت عام 2008 إلى انسلاخ اقليم كوسوفو عن جمهورية صربيا وتشكيله دولته الخاصة المستقلة.
في الهند عام 1947، كان التقسيم بإرادة مشتركة بين لندن ومسلمي الهند ضد إرادة الأكثرية الهندوسية. فيما كان انسلاخ باكستان الشرقية عن اسلام آباد وتشكيلها جمهورية بنغلادش ناتج، عام 1971، من الهزيمة العسكرية الباكستانية أمام الهند. في تقسيم السودان عام 2011 كان هذا برضا الطرفين كما حصل في تشيكوسلافاكيا عام 1992 بين التشيك والسلوفاك.
جرت محاولات لتقسيم الشرق الأوسط: حصل هذا أولاً في ايران منتصف الأربعينيات عبر جمهوريتي «مهاباد» الكردية و«أذربيجان» اللتين أقامهما ستالين من خلال قواته التي وجدت في ايران برضا بريطاني أثناء الحرب العالمية الثانية (1939-1945). انهارت هاتان الجمهوريتان معاً ببحر عام 1946 لما قايض الزعيم السوفياتي ايران ببولندا. واستعان الملا مصطفى البرزاني بإسرائيل في ستينيات القرن الماضي من أجل انشاء كيان كردي في شمال العراق ولكنه فشل. ثم لما استند الى دعم أميركي – إيراني بعد نقضه لاتفاق 11 آذار 1970 الحكم الذاتي مع بغداد، قامت واشنطن وطهران ببيعه لصدام حسين في اتفاق الجزائر عام 1975. في اعام 1994، وقعت «حرب الانفصال اليمني» التي قادها ماركسيو الجنوب اليمني السابق الذين بادروا الى وحدة 1990. هي فشلت بسبب العامل المحلي القوي المضاد وبفعل تأييد واشنطن للوحدة اليمنية، وذلك رغم تأييد دول مجلس التعاون الخليجي، باستثناء قطر، للجنوبيين في تلك الحرب الانفصالية.
كانت وحدة اليمن في أيار الـ1990 مؤشراً معاكساً الى امكانية نشوء خرائط جديدة. ولكن حين غزا العراق الكويت يوم 2 آب 1990، وضُمّ الكويت الى العراق باعتباره المحافظة العراقية التاسعة عشرة، كان التحالف الدولي الثلاثيني الدولي – العربي مؤشراً على أنه ممنوع إنشاء خرائط جديدة في الشرق الأوسط وخصوصاً حين طُرحت في تلك الفترة مشاريع لتقسيم السعودية. قيل وقتها إن تأييد ملك الأردن لصدام حسين في غزو الكويت ينبع من طموح لديه لاستعادة الحجاز كما كان لأجداده الهاشميين في العشرينيات، قبل أن يتغلب عليهم عبد العزيز آل سعود في تسوية مؤتمر مدريد للنزاع العربي – الاسرائيلي التي وُضعت حول المشاركة الدولية – العربية في حرب الكويت. كان من الواضح أن الدولة الفلسطينية الوليدة وحدود اسرائيل ستكونان ضمن حدود 4 حزيران 1967 وللقدس وضعٌ خاص، ولكن عبر حصول «الفلسطيني» لما كان يملكه «الأردني» في الضفة الغربية التي أعلن الملك حسين فك الارتباط الأردني بها يوم 31 تموز 1988. هذا الاعلان، شكل أرضية، بعد ثلاثة أشهر ونصف الشهر، لاعلان المجلس الوطني الفلسطيني قيام دولة فلسطين وفق القرار 242 الصادر عن مجلس الأمن بناءً على حدود 4 حزيران 1967 في الضفة الغربية وقطاع غزة.
كانت واضحة أيضاً، الإرادة الدولية في تأكيد سورية هضبة الجولان وعدم الاعتراف بضمه لإسرائيل وفق قرار مناحيم بيغن يوم 14 كانون الأول 1981. وأيضاً، تأكيد «سورية مزارع شبعا» التي هي ضمن الخريطة الخاصة بالأراضي السورية المودعة لدى منظمة الأمم المتحدة منذ تأسيسها عام 1945.
كان العراق مابعد 9 نيسان 2003، مؤشراً مؤاتياً على نشوء خرائط جديدة لو ترك العامل الكردي المحلي يفعل وفق إرادته المستقلة. كان الشيعة العراقيون والسنة العرب العراقيون في نزاع ضاري قارب مشارف الحرب الأهلية عام 2006. وكانت هذه مناسبة لمسعود البرزاني كي يُعلن الدولة الكردية في شمال العراق كما حاول والده في جمهورية مهاباد ثم حاول في العراق في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، ولم تكن بغداد ما بعد صدام حسين قادرة على منعه.
كانت واشنطن أولى العوائق أمام نشوء الدولة الكردية، ثم أنقرة وطهران ودمشق. عندما أعلن البرزاني، بعد سقوط الموصل بيد داعش في 10 حزيران 2014، نيته تنظيم استفتاء حول «تقرير مصير كردستان العراق» مورست ضغوط دولية – اقليمية كبرى عليه دفعته الى طيّ صفحة الموضوع. ها هو بعد خمسة عشر شهراً، وقد أصبح أمام واقع انقسام اقليم كردستان – العراق بين إدارة في إربيل تتبع أنقرة وإدارة في السليمانية تدور في الفلك الايراني، بعد فشل مسعود البرزاني في التمديد لولاية ثالثة كرئيسٍ للاقليم خلافاً للدستور. في إدارة الاقليم. في سوريا، لا يستطيع الأكراد الانفصال لأنه لا توجد أي محافظة سورية يملكون فيها أكثرية سكانية (38% فقط من سكان محافظة الحسكة هم من الأكراد، مع احتساب المحرومين من الجنسية عام 2008). وربما كانت محاولة الوصل الجغرافي بين رأس العين وعين العرب من خلال السيطرة على تل أبيض من قبل قوات حزب الاتحاد الديمقراطي في حزيران 2015، هي السبب الرئيسي الذي دفع إردوغان بعد أربعة أسابيع الى عقد اتفاق الانضمام الى التحالف الدولي ضد داعش بقيادة واشنطن. وذلك، بعد تردد تركي دام عشرة أشهر. ومن الواضح في هذا الاتفاق، أن الأميركيين قد ضحوا بالأكراد في حزب العمال وحزب الاتحاد الديمقراطي مقابل ارضاء أنقرة.
في سوريا لا يوجد انفصاليون بين العرب وهم يُشكلون 90% من مجموع السوريين، بخلاف ليبيا واليمن حيث أثبتت عملية مساهمة الجنوبيين الرئيسية في استعادة عدن وأبين والضالع ولحج من أيدي الحوثيين وقوات علي عبدالله صالح في صيف 2015، أن الهدف ليس دولة الجنوب كما يطرح الحراك الجنوبي بل تعز وصنعاء. وهذا اتجاه نحو تثبيت خريطة اليمن (22 أيار 1990) في تعارض يمني جنوبي مع ما يريده علي سالم البيض، الذي من الواضح أنه على تعارض مع الرياح الدولية – الاقليمية – المحلية.
* كاتب سوري