صدر لي كتاب قبل أشهر بعنوان «يوسف بيدس: امبراطورية إنترا وحيتان المال في لبنان» (دار النهار)، وهو كتاب لا علاقة له بأدب «نظرية المؤامرة» théorie du complot ولا يتعامل مع مفهوم «النيوليبرالية» بشكل عشوائي. ولقد كتب السيد فادي يونس مقالة عن هذا الكتاب في «الأخبار» الغراء (10 أيلول 2015) تضمّنت عرضاً لبعض ما جاء في الكتاب بشكل شيّق وأنا أشكره على ذلك، إلا أنّ في المقال أيضاً عدداً من النقاط التي كنتُ أتمنّى أن تكون أكثر دقّة، أذكر بعضها:

أولاً، يتجنّى مقال السيّد يونس على الكتاب بأنّه ينتمي إلى «نظرية المؤامرة».

فيكتب: «بالرغم من سعي الباحث الدؤوب لإثبات أنّ انهيار بنك إنترا، وتحطيم عبقريّة بيدس، كانا نتاج مؤامرة كونيّة... إلا أنّه قدّمَ بنفسه مقاربة تفسِّر الانهيار بأسبابه الواضحة، وبشكلٍ واقعي ينقض فكرة المؤامرة». وعلى هذا المنوال صاغ يونس بقية مقاله ليوحي أنّ الكتاب ومن دون وعي من كاتبه يقدّم الشيء ونقيضه. أمّا الصحيح فإنّ الكتاب يعتمد منهج بحث البيوغرافيا الأكاديمي باستعراضٍ محايد لسيرة بيدس وعمله من كل جانب ورأي، سواء كان معه أو ضده وبشكل متوازن ثم الخروج بنتائج حتى لو كانت شديدة التعاطف مع صاحب السيرة أو العكس. والأكيد أنّ يونس قرأ في الكتاب نقداً لبيدس وخطاياه بشكل موسّع كما قرأ دفاعاً عن بيدس وحسناته. ولكنه أهمل متعمّداً هذا التوازن الذي هو عمود أطروحة الكتاب كما جاء في مطلع الفصل الثاني من الكتاب: «لا يزال حتى اليوم ثمّة انقسام بين مَن يؤكّد وجود مؤامرة على البنك وصاحبه الذي انتشر اسمه في كل أقاصي الأرض، ومَن يعزون الانهيار إلى أسباب مالية-اقتصادية بحتة».
ثانياً، يكتب يونس في مقاله: «يعتبر كمال ديب أنّ يوسف بيدس وإمبراطورية إنترا، كانا ضحايا الهجمة النيوليبرالية... على الرّغم من أنّ النيوليبراليّة حينها، أيّ في عام 1966، كانت حبيسة النقاشات الجامعيّة. فأوّل «إصلاح» اقتصادي نيوليبرالي حصل في التشيلي عام 1973، أيّ بعد 7 سنوات على سقوط امبراطورية إنترا». وكأنّي بالسيّد يونس يقول: إذا كان الأوكسجين قد اكتُشف عام 1774 فماذا كان الناس يتنفّسون قبل ذلك؟ لم يذكر يونس أنّ الكتاب يتحدّث بشكل مفصّل عن النيوليبرالية وكيف تحّولت تدريجياً من النيوكلاسيكية الاقتصادية في مطلع القرن ثم مرّت في مدارس التنمية الملغومة في الخمسينيات والستينيات لتصبح وجه الرأسمالية العالمية بدءاً من تشيلي وسلفادور ألندي في السبعينيات، لتطغى في الثمانينيات مع مارغريت تاتشر ورونالد ريغان. فلا عام 1973 كان موعداً سحرياً ولا أزمة إنترا عام 1966 كانت حدثاً مستقلاً خارج السياق العالمي للرأسمالية.
ثالثاً، يتّجنّى فادي يونس على الكتاب بأنّه يتضمّن «عشرات الصّفحات، التي تناقش أموراً لا علاقة لها بعنوان الكتاب»، وهنا يعتبر يونس أنّ ما هو خارج سيرة بيدس في النص لا علاقة له بالكتاب. وألفت نظره إلى أنّ أول صفحة من الكتاب تشير بوضوح إلى أنّه ليس سيرة بيدس فقط: «هذا الكتاب هو ذو مضمون مزدوج، يُشبع فضول مَن يريد أن يكتشف سيرة يوسف بيدس ولكنّه يسلّط الضوء على تاريخ لبنان الاقتصادي من 1948 إلى 1968». وهكذا فبإمكان القارئ أن يقفز عن الفصول الاقتصادية ويقرأ تلك التي تحكي سيرة بيدس فقط.
* أستاذ جامعي