حسام كنفاني

لسان حال الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس يلهج حاليّاً بنشيد «عائدون، عائدون» في مخاطبته الولايات المتحدة وإسرائيل. عائدون، صرخة كانت جزءاً من هتاف للشتات الفلسطيني التوّاق إلى أرضه التي هُجّر منها، لكنها اليوم تعني طاولة المفاوضات. عائدون إليها بعد توقف قسري طال أكثر ممّا كان مأمولاً بالنسبة للسلطة، ومن يدعم خيارها من الأنظمة العربية، وهي كثيرة.
العودة الحالية تستنسخ العودة السابقة التي لم تتم. التاريخ يكرّر نفسه. لكنه ليس التاريخ البعيد، بل القريب جداً الذي لا يتجاوز الشهرين. هو السياق نفسه تسير عليه الأمور في ملف مفاوضات التسوية بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل. السيناريو نفسه يتكرر، المبعوث الأميركي جورج ميتشل يجول، يحمل معه مقترحات يقدمها للطرف الفلسطيني لإعادته إلى طاولة المفاوضات. بدوره يتجه الطرف الفلسطيني إلى الفضاء العربي لتأمين الغطاء اللازم. هذا ما حصل قبل أسابيع قليلة حين خرجت إلى العلن بدعة «مفاوضات التقارب» أو المفاوضات غير المباشرة، وهذا ما يبدو أنه سيحصل خلال الأيام القليلة المقبلة.
الجولة الأخيرة للمبعوث الأميركي جاءت بنتائج «مثمرة»، حسب التعبير الأميركي. تعبير لا يأتي من فراغ، بل من الواضح أن الأمور تسير بخطى حثيثة نحو عودة المفاوضات غير المباشرة، بعد صفقة ملتوية بين الإدارة الأميركية والحكومة اليمينية الإسرائيلية. صفقة باتت واضحة المعالم، وسبق أن جرى الحديث عنها في الأسابيع الماضية، أثناء المماطلة الإسرائيلية في الرد على المطالب الأميركية. صفقة مستوحاة من اقتراح «الثعلب» شمعون بيريز، الذي خرج بحل وسطي ينص على «التجميد» في المناطق الفلسطينية في القدس المحتلة.
وبغض النظر عن تطبيق هذا الاقتراح واستنسابيته لجهة مفهوم المناطق الفلسطينية، إلا أنه يبدو حظي بالقبول الفلسطيني، ولا سيما إذا ما اقترن بإجراءات «حسن النية» التي يتوق إليها أبو مازن وسلطته. توق ينطلق من الرغبة في إعادة ترميم الشرعية والشعبية الحقيقية والتأكيد على نجاعة «الخيارات السلمية». مثل هذا التأكيد، في رأي عبّاس، يأتي ممّا ينوي نتنياهو تقديمه، سواء لجهة إطلاق مجموعات من الأسرى التابعين لحركة «فتح»، أو عبر توسيع صلاحيات السلطة في الضفة الغربية، وتغيير تسميات المناطق «أ» و«ب» و«ج» الواردة في اتفاق أوسلو، تمهيداً لعودة الوضع إلى ما كان عليه قبل 28 أيلول عام 2000، تاريخ اندلاع الانتفاضة الثانية. تحسين صورة قد يكون مرحليّاً وقابلاً للتعديل في أي لحظة، لكنه يبدو مرضياً لأبو مازن.
على هذا الأساس أبدى عبّاس، في حديثه للقناة الثانية الإسرائيلية، استعداداً للعودة إلى طاولة المفاوضات. لكنه كالعادة، سينتظر القرار العربي خلال اجتماع لجنة المتابعة للمبادرة العربية للسلام السبت المقبل. عباس ومسؤولو السلطة دأبوا على القول إنهم «مستعدون لتنفيذ كل ما يتفاهم عليه العرب». لكن أبو مازن، في مقابلته الأخيرة، لم ينسَ أن يعرب عن أمله «في أن يكون القرار العربي إيجابياً».
جملة توضح المنحى الذي ستسير عليه الأمور في الاجتماع العربي. فالتاريخ سيعيد نفسه أيضاً، وسيتكرّر سيناريو اجتماع الرابع من آذار الماضي. ومن الواضح أن عباس أو من سيمثّل السلطة في الاجتماع العربي سيكون في موضع الدفاع عن الاقتراح الأميركي، وسيسعى جاهداً لاستصدار قرار عربي مساعد للمفاوضات غير المباشرة.
وباعتبار أن السلطة هي «صاحبة الشأن» في موضوع التفاوض، فالوزراء العرب سيرفعون شعار «لن نكون ملكيين أكثر من الملك». شعار يخفي براءة من القضية ومساراتها، وأيضاً ينمّ عن رغبة العديد من الدول العربية في إلقاء تبعات «الهم» الفلسطيني عن كاهلها، وتحميله إلى رغبات مسؤولي هذه القضيّة على اعتبار أن «أهل مكة أدرى بشعابها».
القرار العربي المرتقب لن يكون مختلفاً عمّا أعلن في الرابع من آذار، حين وافقت لجنة المتابعة نفسها على المفاوضات غير المباشرة لمهلة أربعة أشهر. ربما الاختلاف سيكون في المهلة فقط، مع احتساب فرق التوقيت بين القرار الأول والثاني. لكنها في كل الأحوال مهلة قابلة للتمديد.
التاريخ يعيد نفسه. ولكن على العرب والفلسطينيين التأمّل قليلاً في السياق التاريخي الذي تلى القرار العربي السابق. سياق جاءت فيه قرارات إسرائيلية بالتهويد والهدم في القدس المحتلة، أدت إلى التعليق الفلسطيني للمفاوضات غير المباشرة. من غير المستبعد أن يتكرّر السيناريو نفسه مجدداً. ماذا سيكون العمل حينها؟
الإجابة بسيطة، جولة جديدة من ميتشل واقتراحات مستجدة من أوباما، وصفقات ملتوية بين إسرائيل وأميركا، ستكون كفيلة بتلطيف الأجواء وتأمين الطريق مجدّداً إلى المفاوضات. التاريخ يعيد نفسه، لكن الفلسطينيين باقون في مكانهم، وأبو مازن متمسّك بـ«حق العودة»... إلى طاولة التسوية.