ليست ووترغايت، ربّما. لكنّ قضية ارتباط الرئيس الأميركي باراك أوباما بغولدمان ساكس قد تكون أقرب إلى فضيحة إنرون، وارتباطها بسلفه جورج بوش الابن. فالمجموعة المالية التي تاجرت بالرهون العقارية "أعارت" رجالها الكبار للعمل داخل إدارة أوباما في المناصب المالية المهمّة، وكانت من أكبر المتبرعين لحملته. وفيما رفعت لجنة الأوراق المالية والبورصة دعوى ضد غولدمان ساكس بتهمة الغش، رأى مراقبون أنّه إذا كانت وول ستريت لا تستطيع السيطرة على نفسها، فليقم آخرون بالمهمّة عنها.


إعداد وترجمة: ديما شريف

كلّ رجال الرئيس



ميشيل مالكين*
في الوقت الذي يهاجم فيه الرئيس باراك أوباما ثقافة الجشع والتهوّر التي يمارسها رجال المجموعة المالية غولدمان ساكس، تبدو إدارته موبوءة بهم. فالبيت الأبيض لا يستطيع أن يتبرّأ من حكومة ساكس أكثر مما يستطيع الرئيس أن يتنكر لسياسات شيكاغو.
توجّه أوباما إلى «وول ستريت» الخميس الماضي للمطالبة بـ«إصلاح النظام المالي» في الوقت الذي كانت فيه لجنة الأوراق المالية والبورصة الأميركية قد رفعت دعوى مدنية ضد غولدمان ساكس بتهمة غش متعلّق بالرهونات العقارية. هل تساءلتم عن التوقيت؟ ليس هناك من مصادفات في عهد أوباما المنظّم على الدوام. الجميع، من المدعي العام السابق لنيويورك الذي ترك منصبه إثر فضيحة جنسية، إليوت سبيتزر، إلى محلّلي معهد بروكينغز و«باركليز كابيتال» وصولاً إلى قيادة الحزب الجمهوري والمعلّق «راش ليمبو»... لاحظوا الانتهازية السياسية التي فاحت في الجو.
كذلك نقلت صحيفة «نيويورك بوست» الثلاثاء الماضي، لقد اشترت «اللجنة الوطنية الديموقراطية» إعلانات على موقع «غوغل» تحيل كلّ متصفّح يطبع عبارة «غولدمان ساكس لجنة الأوراق المالية والبورصة»، على موقع أوباما الخاص بجمع التبرعات المالية. وتقول رسالة «اللجنة الوطنية الديموقراطية» الباحثة عن المال «حان الوقت لمحاسبة المصارف الكبرى». لكن كما كان سلفه جورج بوش الابن صديقاً للرأسمالية، فإنّ أوباما اعتمد على غولدمان ساكس وسماسرة وول ستريت الأقوياء لهندسة تدخّلات حكومية كبيرة لـ«إنقاذ» الشركات التي فشلت، بواسطة أموال ضرائب الأميركيّين العاديين.
وللمفارقة، ففي الوقت الذي يطالب فيه المرشحون الديموقراطيون، كالمصرفي ألكسي جيانولياس المشكوك في ارتباطه بالمافيا (ويأمل الحلول مكان أوباما في الكونغرس عن ولاية شيكاغو)، بإعادة الجمهوريين لتبرعات غولدمان ساكس الكبيرة لهم، يقفون صامتين حيال مبلغ 994795 دولاراً من أموال الحملة التي تبرعت بها غولدمان ساكس وقبضها أوباما. ويبقى الديموقراطيون الذين يهوون حرب الطبقات، صامتين حيال رجال الرئيس من غولدمان ساكس، الموجودين في الحكومة.
وهؤلاء هم:

اعتمد أوباما على غولدمان ساكس لهندسة «إنقاذ» الشركات التي فشلت، بواسطة أموال ضرائب الناس
ـــــ الشريك في غولدمان ساكس غاري غانسلر الذي يشغل منصب رئيس لجنة تداول السلع الآجلة. جرى التصديق على شغله هذا المنصب رغم السخط الكبير من الكونغرس تجاه دوره، كما وصفته رويترز، «كمسؤول رفيع في المالية عن إقرار قانون يعود لعام 2000 أعفى بموجبه مبلغ 58 مليار دولار من سوق مقايضة الائتمان الافتراضي من المراقبة. ألقي اللوم على الأدوات المالية في تضخيم الاضطراب المالي العالمي». اعتذر غانسلر، وسرعان ما عيّن لحراسة الغنيمة (وهذا نجح أيضاً مع المتهرّب الضريبي وزير المالية تيم غايثنر).
ـــــ أعطت غولدمان ساكس رئيس موظفي البيت الأبيض راحم عمانوئيل عربوناً شهرياً مقداره 3000 دولار طيلة فترة عمله مسؤولاً عن جمع التبرعات لدى الرئيس الأسبق بيل كلينتون، كما نقل المحلل في «واشنطن إيكزامينر» تيم كارني. تبرع عمالقة المال بخمسين ألف دولار إضافية كي يصبحوا أول متبرعين لحملة كلينتون. حصل عمانوئيل على ما يقارب ثمانين ألف دولار من غولدمان ساكس طيلة ولاياته الأربع في الكونغرس، وهي استثمارات حصدت نتائج لم يتحدث عنها أحد، استطاع خلالها عمانوئيل أن يحصل على دور أساسي في الترويج لقانون الإنقاذ الخاص ببرنامج إغاثة الأصول المتعثرة (TARP) الذي كلف تريليون دولار أميركي.
ـــــ عضو جماعة الضغط السابق مارك باترسون يعمل مع غايثنر كنائبه الأول وكمسؤول عن برنامج إغاثة الأصول المتعثرة، ومنها 10 مليارات من الدولارات التي نالتها غولدمان ساكس. وقد علّقت على الموضوع آنذاك ميلاني سلون من جمعية «مواطنون من أجل المسؤولية والأخلاق» اليسارية التي تراقب أداء الحكومة، قائلةً «هذا يجعل المسألة تبدو كأنّهم يقولون شيئاً ويفعلون شيئاً آخر». ولاحظ بول بلومانثال من «مؤسسة سانلايت» أنّه حين كان باترسون في غولدمان ساكس، عمل ضد سياسة الحد من أجور المسؤولين التي حارب أوباما من أجلها حين كان سيناتوراً (كان هذا بالطبع قبل أن تسمح إدارته بإعفاءات من أجل آي. أي. جي). وفي الوقت الذي وافق فيه باترسون على إعفاء نفسه من العمل في أية مسألة أو اهتمامات سياسية مرتبطة بغولدمان ساكس، كتب بلومنثال أنّ الوضع «لا يزال يخلق صراعاً كبيراً لغايثنر بما أنّ المالية يديرها جزئياً عضو جماعة ضغط سابق لدى غولدمان ساكس. ويرى غايثنر نفسه في موقف صعب لأنّ رئيس موظفيه محدود في النطاق الذي يستطيع العمل فيه (افتراضياً)».
ـــــ صديق أوباما في مدينته الأم، مسؤول مالية الحملة الانتخابية والمستشار الأول بيني بريتزكر، كان رئيس «سوبيريور بنك» في شيكاغو، وهو كان مختصاً في الرهون العقارية قبل أن يفلس في 2001، تاركاً أكثر من 1400 شخص محرومين من مدّخراتهم بعدما زوّر مسؤولون في المصرف تقارير الربح. واليوم، فإنّ محامي بريتزكر في شركة «اوميلفيني ومايرز» هو نائب مستشار أوباما للأمن القومي. لقد نال أقل بقليل من أربعة ملايين دولار حين مثل «سوبيريور بنك» وغيره من المؤسّسات المنهارة مثل غولدمان ساكس.
ـــــ رئيس لجنة البيت الأبيض للاقتصاد الوطني لاري سامرز الذي نال حوالى 2.8 مليون دولار كأجر مقابل محاضرات. هذه المحاضرات ألقاها لمصلحة العديد من المؤسسات المالية، وتلك التي تلقّت أموال الإنقاذ من الحكومة التي يملي عليها سياساتها اليوم، ومنها جي. بي مورغان تشايس، سيتي غروب، ليمان برازيرز، وغولدمان ساكس. نال بدلاً عن الخطاب الواحد عند غولدمان ساكس في نيسان 2008 مبلغ 135000 دولار. لسامرز خبرة سابقة في المفاوضة خلال عمليات الإنقاذ التي ترعاها الدولة وتفيد منها المصالح الخاصة. في 1995، قاد خطة إنقاذ بلغت 40 مليار دولار للبيزو الإسباني تجاوز فيها الكونغرس. ضغط سامرز شخصياً على صندوق النقد الدولي لتأمين 18 مليار دولار للرزمة. رئيس سامرز، وزير المالية آنذاك، روبرت روبين، كان أحد رئيسيْ عملاق وول ستريت، غولدمان ساكس، وهي الشركة التي اختارتها الحكومة المكسيكية لتكون المصرف الاستثماري الخاص بها. يستمر روبين، عبر زيارات منتظمة ومحادثات عدة، في نصح موظف آخر سابق لديه هو وزير المالية تيموثي غايثنر، الذي كان يرأس الاحتياطي الفدرالي في نيويورك، وقد دفع آنذاك شركة التأمين التي أنقذت «آي. أي. جي» للتغطية على صفقات لمصارف استثمارية استفادت منها... غولدمان ساكس.
في الوقت الذي يحثّ فيه أوباما وول ستريت على تنظيف بيتها، نجد كل رجال الرئيس من غولدمان ساكس، يرفعون أقدامهم على طاولة القهوة في منزله.
* عن «ناشيونال ريفيو»: مجلة نصف شهرية أميركية، تعرض وجهات النظر الجمهورية والمحافظة


هم يلعبون ونحن ندفع




روبرت شير*
ستنتهي قصة الكارثة المالية كما بدأت، مع وقوف مضاربي غولدمان ساكس وسط كلّ ما يجري وتحقيقهم الأرباح بحجم كبير جداً. لم تمارس أيّ شركة في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية سلطة مدمّرة على اقتصادنا السياسي، كما فعلت غولدمان ساكس، بغضّ النظر عن كون الرئيس جمهورياً أو ديموقراطياً.
على الأقل، بنى بارونات السرقة في السابق سكك حديد ومصانع صلب، بينما تحصل غولدمان ساكس على أموالها عبر الرهان على فقدان الناس منازلهم. أعلنت غولدمان الخميس الماضي زيادة في أرباحها بلغت 91 في المئة لتصبح 3.45 مليارات دولار خلال الربع الأول من العام، في الوقت الذي يستمر فيه الحجز على أحلام ملايين العائلات، ووصلت البطالة إلى العشرة في المئة بسبب أزمة سبّبتها هذه الشركة بأفعالها.
لقد كان نائب رئيس غولدمان، الذي أصبح وزيراً للمالية، روبرت روبين، الشخص الذي دفع باتجاه الخطة الراديكالية برفع القواعد المالية خلال رئاسة كلينتون، ما أدّى إلى جنون المشتقات المالية. حين سئل بيل كلينتون خلال مشاركته في برنامج «هذا الأسبوع»، الأحد، على شبكة «آي. بي. سي» إن كان نادماً اليوم على النصيحة التي تلقّاها آنذاك من روبين ولورانس سامرز، وهو اليوم مستشار مهمّ لدى أوباما، أجاب: «بخصوص المشتقات، نعم، أظن أنّهم كانوا مخطئين وكنت مخطئاً في قبولها...».
بسبب هذه النصيحة السيئة، وقّع كلينتون قانون تحديث السلع الآجلة، الذي أعفى هذه المشتقات من الخضوع لأي قانون أو هيئة ناظمة. حرّر هذا الإعفاء غولدمان ساكس وغيرها في وول ستريت لتعمل بحريّة في تسويق التزامات الدين المضمونة ومقايضاتها التي حوّلت منازل الناس إلى فِيَش مراهنة، ليس أكثر. وكلما زاد عدد المغفلين الذين خًُدعوا للدخول في التزامات الرهون هذه، كان الوضع أفضل للكازينو المالي، حتى وصل الأمر إلى انقاذه من جانب دافعي الضرائب قبل أن يخرج كلياً عن السيطرة.
كما كان رئيس غولدمان هنري بولسون، الذي أصبح وزيراً للمالية، هو من هَنْدس في عهد بوش الإنقاذ الذي ترك غولدمان مع الأوراق الكبيرة. سمح للشركة بأن تصبح فجأةً مصرفاً قابضاً، وهو امتياز حُُرم منه ليمان براذرز. وبالتالي، أصبح غولدمان مؤهّلاً للحصول على تمويل من برنامج إغاثة الأصول المتعثرة (TARP) وخفض كبير في كلفة اقتراض المال. عمل وزير المالية الحالي تيموثي غايثنر، الذي كان رئيساً للاحتياطي الفدرالي في نيويورك آنذاك، مع بولسون، ليمنح غولدمان صفة المصرف التجاري، التي تحميها الفدرالية. كما عمل على الصفقة التي مررت عبرها الأموال عبر «آي. أي. جي» لغولدمان.

الاختبار الحقيقي للإصلاح المالي: إذا كان جيّداً لغولدمان ساكس، فهو سيّئ للبلاد
لم يكن مفاجئاً بالتالي، أن يعارض غايثنر رسمياً الأسبوع الماضي، قسماً من مشروع قانون قدمته السيناتور بلانش لينكولن، يمنع المصارف من التعاطي في المقايضات والمشتقات المالية الأخرى. فبعدما أصبح مصرفاً، سيضطر غولدمان إلى التخلّي عن هذا المجال المربح أو التخلّي عن حقّه كمصرف في اقتراض الأموال من الاحتياطي الفدرالي والحصول على حماية ودائع التأمين الاتحادية.
الاختبار الحقيقي للإصلاح المالي قد يكون وفقاً للصيغة التالية: إذا كان جيداً لغولدمان ساكس، فهو سيّئ للبلاد. لكن مع وجود عدد كبير من قدامى غولدمان في إدارة أوباما كما كانوا في عهد كلينتون وجورج بوش الابن، سيكون هذا اختباراً للحكومة، ستفشل فيه على الأرجح في ما يتعلق بدافعي الضرائب. لكن هل يجب علينا ببساطة أن نثق بمارك باترسون، وهو رئيس موظفي غايثنر وعضو جماعة ضغط سابق لدى غولدمان لثلاث سنوات، قبل انضمامه إلى إدارة أوباما، ليقوم بالعمل الصحيح نيابةً عنا؟
ربما سيفعل ذلك. فبعد كل شيء، يبدو أنّ غاري غانسلر الذي كان شريكاً في غولدمان ويرأس اليوم لجنة تداول السلع الآجلة المهمة، تغيّر عمّا كان عليه أيام إدارة كلينتون حين ظن أنّ جلب «تأكيد شرعي» للتجارة في ما يتعلق بقضية «المشتقات السامة» كان شيئاً عظيماً. الدعوى التي رفعتها لجنة الأوراق المالية والبورصة هي إشارة إلى تقدّم. هناك تحركات إيجابية أخرى، كما في آخر خطاب للرئيس أوباما، لكن ما نحن بحاجة إليه اليوم هو التزام شعبوي عميق بين هؤلاء الذين انتخبوا أوباما لمطالبته برمي الصيارفة خارج هيكل الحاكمية الديموقراطية.
فما يجري الآن هو العكس تماماً. فالصيارفة يزدحمون في الداخل. قالت صحيفة «النيويورك تايمز»: «مع وجود كل هذه الكمية من المال على المحك، ليس مفاجئاً أنّ أكثر من 1500 من أعضاء جماعات الضغط، الرؤساء التنفيذيّين، المصرفيين وغيرهم، شقّوا طريقهم إلى داخل لجنة الكونغرس التي ستناقش يوم الأربعاء إقرار قانون لكبح جماح المشتقات». هذه هي اللجنة التي ترأسها السيناتور لينكولن، وهي بحاجة إلى مساندة الرئيس في مواجهة معارضة غايثنر لخطتها لمنع مصارف مثل غولدمان ساكس من التداول والاتجار بالمشتقات.
إنّها لإهانة لروح الثورة الشعبوية التي كانت أساسية لنجاح اختبار أميركا الكبير في الديموقراطية، أن تكوّن ثورة «حفلة الشاي» التي يدعمها الجمهوريون عصب الاستياء الشعبي ضد وول ستريت. يجب أن يكون هذا عصب رئيسنا الذي بنى حملته باعتباره بطلاً بالنسبة إلى الإنسان العادي.
* عن «تروثديغ»: مجلة إلكترونية أميركية
تتحدث باسم الديموقراطيّين